إيران تصدّر أزماتها الداخلية والإقليمية إلى كردستان

الحرس الثوري حذر من تحول شمال العراق "إلى ملجأ ومكان لتدريب وتنظيم الإرهابيين"

في تصعيد عسكري نوعي تجاه محيطه الجغرافي، أعلن الحرس الثوري الإيراني يوم الجمعة 12 يوليو (تموز) الحالي، قصف مواقع أحزاب كردية - إيرانية داخل إقليم كردستان - العراق. تصريح الطرف الإيراني الذي أدلى به إلى وسائل إعلام إيرانية تابعة له، ذكّر بأن الهجوم جرى عن طريق الصواريخ والطائرات المُسيّرة، مضيفاً "قُتل وجُرح عدد كبير من الإرهابيين في القصف الذي بدأ يوم الأربعاء لاستهداف مقرات الإرهابيين ومعسكراتهم للتدريب".

جماعات مقاتلة ومقار مدنية
لم يُشر التصريح الإيراني إلى المواقع والأحزاب السياسية التي استُهدفت بالضبط، لكنه ذكر بأن هذا الهجوم الأخير جاء كردة فعل على الهجمات التي شنّتها المجموعات الكردية المسلحة على مقار للحرس الثوري الإيراني في المناطق الحدودية الغربية من البِلاد، إذ كانت وكالة فارس للأنباء الإيرانية نقلت عن قائد ما يُسمى "فرقة شهداء أذربيجان الغربية" في الحرس الثوري، حبيب شهسواري، قوله يوم الأربعاء ما قبل الماضي في 4 يوليو إن "عناصر الحرس الثوري قُتلوا في مدينة بيرانشهر الواقعة في محافظة أذربيجان الغربية، غرب إيران خلال اشتباك مسلح مع "جماعة إرهابية".

مصدرٌ مُقرب من زعيم حزب "كوملة" الكردي - الإيراني عبد الله مهتدي، أفاد "اندبندنت عربية" بأن المقار التي استـُهدفت هي لحزبهم إلى جانب الحزب الديمقراطي الكُردستاني – فرع إيران. وذكر مهتدي أن الاستهداف جرى داخل أراضي إقليم كردستان العراق، وليس على المناطق الحدودية.
وأشار المصدر ذاته إلى الفرق بين المقار المدنية التابعة للأحزاب الكُردية الإيرانية داخل إقليم كُردستان، وبين الخلايا والوحدات المقاتِلة التي تنشط على الحدود وداخل المدن والقرى الكردية ضمن الأراضي الإيرانية، مُذكّراً بأن وضع هذه المقار أشبه ما يكون بمراكز إيواء لآلاف المدنيين الكرد اللاجئين، الذين فروا من إيران مُنذ ثمانينيات القرن المُنصرم، هرباً من سياسات المحق التي يمارسها النظام الإيراني تجاه أبناء القومية الكُردية. وأضاف أن هذه المقار يجب أن تتمتع بكل أشكال الحماية الأمنية والسياسية.

طيف العمل المدني

ولفت إلى أن النشاطات السياسية التي تمارسها الأحزاب الكردية - الإيرانية ضمن هذه المقار إنما تجري ضمن طيف العمل المدني، ولا تمت إلى العمل المسلح بأي صلة، فالوحدات والأجنحة المسلحة تعمل ضمن الأراضي الإيرانية، مُذكراً بأن الدعاية العسكرية والسياسية للنظام الإيراني تتقصد الخلط بين الحياة المدنية في تلك المقار والمعسكرات، وبين الأعمال المُسلحة. وتابع "لو كانت الدولة الإيرانية تتمتع بالمسؤولية، لاهتمت أولاً بمصير عشرات الآلاف من مواطنيها المنفيين في هذه المقار".

يُذكر أن حزبَيْ "كوملة" الكُردي و"الديمقراطي الكُردستاني- فرع إيران" هُما أكبر التنظيمات السياسية الكردية المعارضة للنظام الإيراني. تأسس الأول في أواسط الستينيات كحزب يساري قومي كردي، منفصلاً عن الحزب الشيوعي الإيراني "تودة"، بسبب الخلافات بين قيادة ذلك الحزب وأعضائه الكرد حول الحقوق القومية وأولوية النضال ضد نظام الشاه في حينه. أما الحزب "الديمقراطي الكردستاني – إيران"، فيُعدّ من أقدم التنظيمات السياسية القومية الكردية، يعود تأسيسه إلى أواسط الأربعينيات من القرن المنصرم، وكان الحزب المؤسس لجمهورية كردستان في مدينة مهاباد عام 1946، ثم قاد كفاحاً مسلحاً ضد النِظام الإيراني من عام 1979 وحتى عام 1983.

تهديدات لإقليم كُردستان
عملية القصف الأخيرة حملت رسائل سياسية وعسكرية لإقليم كُردستان العراق، إذ كان واضحاً أن أكثر من نصف بيان الحرس الثوري موجهٌ إلى الإقليم، فجاء فيه "من المتوقع من إقليم كردستان العراق اتخاذ تحذيرات إيران على محمل الجد وعدم السماح أكثر من هذا الحد بأن يتحول كردستان العراق إلى ملجأ ومكان لتدريب وتنظيم الإرهابيين من أجل ارتكاب جرائم وتهديد أمن إيران المستدام... سيرد الحرس على أي عدوان على أمن إيران".

وكان قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي هدد إقليم كردستان- العراق في أواسط شهر مايو (أيار) الماضي، إثر تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، قائلاً في تصريح خاص إن "أراضي إقليم كُـردستان ستكون تحت رحمة الصواريخ الإيرانية، في حال تقديم أي مساعدات لوجستية أو استخدام أراضي الإقليم منطلقاً لضرب إيران".

"رخاوة"

مراقبون متابعون للشأن الإيراني، أوضحوا أن النِظام في طهران يرى في إقليم كردستان العراق المنطقة الوحيدة التي تتمتع باستقلالية ما عن النفوذ الإيراني السياسي على محيطها الإقليمي، فكردستان مختلفة في علاقتها مع إيران عن الحكومة المركزية العراقية وحتى عن تركيا، وطبعاً عن النظام السوري وباقي المناطق الخاضعة للنفوذ الإيراني.

إضافة إلى ذلك، فإن إيران ترى في الإقليم الجهة الأكثر "رخاوة" والأقل قوة. لذلك، فإنها توجه سهامها إلى الإقليم وأمنه على الدوام، مُستفيدةً من صمت الحكومة المركزية العراقية، التي تعود كُل مرة للمطالبة بأن تكون سلطة حُكم تلك المناطق تابعة للسلطة المركزية، حتى تتمكن من ردع الخروقات الإقليمية لأراضي الإقليم.

تصدير للأزمة
تنامت في الفترة الأخيرة هجمات الجيش والحرس الثوري الإيراني على إقليم كردستان - العراق. ففي العاشر من سبتمبر (أيلول) 2018، شنت إيران هجوماً كبيراً على مقار الحزب الديمقراطي الكُردستاني – فرع إيران في مدينة كويسنجق التابعة لمحافظة أربيل، التي تبعد أكثر من 70 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، حيث كان قادة الحزب يعقدون اجتماعاً سياسياً في أحد المقرات. وأودى الهجوم بحياة كثيرين من قياديي الحزب.

كان ذلك الهجوم الإيراني الأول من نوعه منذ عام 1996، إذ كان ثمة شبه توافق سياسي غير مُعلَن بين إيران وإقليم كردستان - العراق، قائم على قبول إيران بأن يوفر الإقليم مقرات ثابتة لهذه الأحزاب الكردية -الإيرانية ضمن أراضيه، مقابل سعي الإقليم إلى ضبط النشاط العسكري لهذه الأحزاب، بالذات الهجوم عبر أراضي الإقليم على مقار القوات الإيرانية عند الحدود بين الطرفين.

وأشار مراقبون إلى أن التصعيد الإيراني الأخير يأتي مترافقاً مع تعاظم الأزمات الداخلية والإقليمية للنظام الإيراني، خصوصاً على مستوى الخدمات العامة للمواطنين الإيرانيين، وأن هذا التصعيد ضد إقليم كُردستان والقوى السياسية الكردية - الإيرانية أتى بقصد تحويل الأنظار عن أزماته تلك، وإيجاد رأي عام إيراني يلتف حول النظام الحاكم. وذكّر المراقبون بأن التجارب السابقة أثبتت عدم مقدرة إيران على تحقيق أي مكاسب عسكرية مباشرة وحقيقية نتيجة عمليات قصف مقار الأحزاب الكردية - الإيرانية ضمن إقليم كردستان.

المزيد من العالم العربي