الإسلام السياسي وإفساده الجينات المجتمعية التركية

قضوا على معظم المنظمات وأفرغوها من مضمونها لتبقى لهم الساحة فارغة يعيثون في الأرض فساداً كيفما شاؤوا

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أ.ف.ب)

قبل الحديث عن تفاصيل العنوان الرئيس للمقال، أشعرُ بضرورة التطرق إلى بعض النقاط التي ربما تُلقي الضوءَ على هذه الحقبة الحرجة، التي ترزح فيها تركيا تحت الحكم الإسلاموي. وليس غرضي أن أستعرض جميع المراحل التاريخية لوصول الإسلامويين إلى الحكم، بل غاية ما أريد أن أسجّله هو أن من أكبر الأسباب التي أسهمتْ في وصولهم إلى السلطة، وبالتالي ممارساتهم الهمجيَّة الوحشيَّة، ما سبق فترة حكمهم من أيام العلمانيين الكماليين المتشددين، الذين اتخذوا موقفاً معادياً لكل ما يمت إلى الدين بصلةٍ من دون تفريق بين ما هو سياسي حزبي أو ما دون ذلك.

في الثمانينيات وبعد وصول تورغوت أوزال إلى الحكم كان يسود على الساحة السياسيَّة التركيَّة جوٌ هادئ نسبياً، وازدهر الاقتصاد في ظل حكومة تتشكَّل غالبيتها من أصحاب توجّه اليمين الوسط والمحافظين.

ولمَّا توفى الرئيس الثامن تورغوت أوزال في عام 1993، حدثت فجوة في اليمين الوسط، وتوجّهت سياسة البلاد مرة أخرى نحو نظام الوصايّة العسكريّة وأساليب الدولة العميقة، ما جعل أبناء الشعب التركي الذين يميل أغلبيتهم إلى التدين النسبي أو احترام الشعائر الدينية، يمتعضون من الوضع العام. وبالأخص حينما بدأ أصحاب السلطة باختراق حقوق الإنسان، ولم يحترموا المبادئ القانونية العامة، انتهز الإسلامويون هذا الوضع من خلال رفع شعار حقوق الإنسان واحترام الحريات، واستخدموا كل الوسائل المتاحة لرفع أصواتهم في الرأي العام الدولي، وكانوا يدلون بتصريحاتهم إلى الوسائل الإعلاميَّة الغربيَّة في كل فرصة. وكان عمدة إسطنبول آنذاك رجب طيب أردوغان على رأس هؤلاء المستفيدين، إذ لم تبق صحيفة غربية إلا وأدلى بتصريح إليها.

وكان عام 1997 هو فترة الذروة التي زادت فيها ضغوط العلمانيين على المتدينين بشكل عام. إذ إن خطاب الكراهيّة المتشدد الذي تبنَّاه الكماليون العلمانيون ضد المحجبات على وجه الخصوص، دفع بعامة الشعب إلى أحضان الإسلامويين الذين انتهزوا هذه الفرصة الذهبية لتحويل قضية الحجاب إلى شعار سياسي للدفاع عن الحريات الدينية.

وكان الكماليون شكَّلوا فريق عمل في الدولة، سمّوه "فريق العمل الغربي"، وأوكلوا إلى هذا الفريق مهمة البحث عن المصلين والمتدينين من العاملين بالدولة، واستعانوا في ذلك بضباط بالجيش ممن لهم صلة وثيقة بتنظيمات الدولة العميقة.

ولمنع وصول أبناء العائلات المتدينة - المحافِظة إلى الجامعات الراقيّة خصموا علامات المدارس التي يدرس فيها أبناؤهم، وهذه وغيرها من الممارسات الجائرة غير القانونية كانت هي الأسباب الرئيسة التي دفعت بأبناء الشعب التركي إلى البحث عن بدائل عن العلمانيين المتشددين.

ومن هنا نستطيع القول: إن ممارسات الكماليين والعلمانيين المتشددين هي العامل الرئيس في سطوع نجم الإسلامويين السياسيين.

صحيحٌ، أننا إذا قارنّا أيام الكماليين بما يرتكبه الإسلامويون في الوقت الحالي فسنرى فارقاً هائلاً بين الحِقبتين، إذ إن الكماليين على الرغم من أنهم كانوا يضغطون على بعض القضاة والمدعين العامين في المحاكم لاتخاذ قرارات أيديولوجية، فإنهم لم يحققوا الهدف الذي أرادوه، كما أنهم ما كانوا يستطيعون أن يقفوا وراء المقربين إليهم ممن كانوا يحاكَمون بتهمة ارتكاب جرائم مخزيّة.

وعلى الرغم من موقفهم المعادي الإسلام فإنهم لم يُقحموا رئاسة الشؤون الدينية في القضايا السياسية بالشكل المعمول به اليوم، ولم يقوموا باستقطاب المجتمع بخطوط حادة، وبشكل يؤثر في عامة أفراد المجتمع، ولم يجاهروا بمساندة الذين ثبت بأدلة قاطعة تورطهم في قضايا الفساد والرشوة والاختلاس، ولم يقوموا أو لم يتمكنوا من إجراء تغيير جذري في نظام الدولة وهيكلها.

وفي هذه الفترة اُعتقل المعارضون، وفُصِلوا عن أعمالهم، وأُغلقت مؤسساتُهم بشكل تعسفي، لكنها بالمقارنة لما نعيشه اليوم لا تُعتبر إلا أرقاماً رمزيَّة غير قابلة للمقارنة. وها هي صحيفة (صباح) التي يشرف عليها شقيق صهر أردوغان يستعرض الأضرار الناجمة عن قرارات عملية 28 فبراير (شباط) 1997 فيذكُر أن عدد الموظفين المفصولين عن الجيش هو 635 ألفاً، وعدد المعلمين وموظفي الخدمة المدنيّة الذين فُصِلوا أو أُقيلوا هو 3 آلاف وتسعمائة. وإجمالي عدد المؤسسات والجمعيات الخيرية التي أُغلقت 21، وعدد الأشخاص الذين اُعتُقلوا وسُجنوا في هذه الفترة نحو 500. وكان هؤلاء يمارسون الضغوط على معظم وسائل الإعلام المعارضة، لكنهم لم يقوموا بإغلاقها.

وهذه الأرقام التي يضخمها الإسلامويون ليصوروا فداحة تلك المرحلة لا تكون إلا أرقاماً رمزيَّة مقارنة بالمذابح التي مارسها أردوغان والإسلامويون في هذه المرحلة 

والغلطة الكبرى التي ارتكبها الكماليون المتشددون في تلك المرحلة أنهم عندما كانوا يجادلون الإسلامويين كانوا في الوقت نفسه يحاربون جميع القيم والشعائر الإسلاميَّة أيضاً، وأصبحوا يضغطون غير السياسيين الذين كانوا فقط يمارسون شعائر دينهم من دون انتماء حزبي أو أيديولوجي، لكنْ الكماليين كانوا يضعونهم أيضاً في سلة الإسلامويين السياسيين، ويتعاملون مع مؤسساتهم التعليمية وجمعياتهم الخيرية بنفس ما كانوا يتعاملون مع الإسلامويين. وهذا ما أثار حفيظة المتدينين من أبناء الشعب التركي، فأصبحوا يجنحون -على مضض- إلى الإسلامويين.

وتزامن هذا الوضع مع الأزمة الاقتصاديَّة الخانقة في عام 2003، التي هبطت بشعبية الكماليين - العلمانيين المتشددين. وكل ذلك أسهم في هبوب الرياح لصالح الإسلامويين، وبالفعل صوَّت الشعب في صناديق الاقتراع لهؤلاء الضباع، الذين ارتدوا جلود الغنم، وقُدّمت لهم مقاليد الحكم في طبق من ذهب.

وامتدت فترة العلمانيين المتشددين فيما ذلك بين عامي 1993 و2003، إذ كانت الدولة العميقة على أَشُدِّها، لتهيمن على الساحة السياسيَّة، وتفرض عليها هيمنة الوصاية العلمانيَّة، التي كان الجيش من أهم عناصرها وأدواتها.

وبعد هذه المقدمة الطويلة نسبياً، دعُونا نقارن بين تلك الفترة التعيسة، والفترة الحاليّة التي ترزح فيها البلاد تحت سطوة الإسلامويين.

وما يمنحني الحق في الكتابة عن الإسلامويين أنني قضيت طفولتي وعنفوان شبابي في حي الفاتح بإسطنبول، إذ كان هذا الحي يُعتبَر آنذاك معقلاً للإسلامويين. وبطبيعة الحال كان كثيرٌ من زملائي هم أولئك الذين يحتلون في هذه الفترة مراكز مهمة في السلطة والإعلام والجامعات وقيادات حزب العدالة والتنمية، ومن بين هؤلاء ابنا الرئيس أردوغان. إذ إننا درسنا جنباً إلى جنب في المدرسة نفسها في حي كادِيكُويْ خلال الدورة التحضيرية للجامعة للفترة 1998 - 1999. وهذه الخلفية كافية لتجعلني من الذين عايشوهم وخبروهم على الطبيعة في شتّي مراحلهم السياسيّة.

وقد كانت ألسنتهم تلهج بتعبير "الحلال والحرام"، ويشحنون خطبهم الرنانة بمصطلحات "حقوق العباد"، ويرددون الكلام حول ظلم فرعون وقسوة أبي جهل وغطرسة نمرود، ويؤججون عواطف الجماهير بسرد المواقف المتشددة من إسرائيل ضد الفلسطينيين، واحتلالِها الأراضي الفلسطينية. ويستخدمون في خطاباتهم كل ما يثير الأحاسيس الإنسانيّة، ويجلب المؤيدين.

وأمَّا الحديث عن الديموقراطية وحقوق الإنسان فحدّث عنها ولا حرج. فعندما كنتَ تستمع إليهم كان يخيَّل إليك أنهم هم الذين وضعوا أسس الديموقراطية بكل ما تعني الكلمة. وكلُّ ذلك صَبَّ في نهاية المطاف إلى وصولهم للسلطة.

لكنْ لمَّا استقر بهم المُقام في المناصب، وحصلوا على إمكانات الدولة الهائلة، سرعان ما انقلبوا على أعقابهم، وتحوَّلوا إلى ذئاب تنهش جسم الأمة، وتستبد بخيراتها، وتستبعد كل من ليس منها عن صفوف العمل العام، ليستبدلوا بهم كوادر ليس لهم ميزة إلا كونهم مقربين من الحزب، وبعد فترة أخذوا يطردون مِن حواليهم رفاق دربهم الذين لا يرضون بكل ما يرتكبون، بل أخذوا يختلقون شتّى الوسائل للفتك بكل من يتوقعون منه معارضةً أو مناهضةً لهم في المستقبل القريب أو البعيد. وقضوا على معظم المنظمات أو أفرغوها من مضمونها لتبقى لهم الساحة فارغة، يعيثون في الأرض فساداً كيفما شاؤوا.

وأخيراً، اختلقوا انقلاباً كان يجري على أسماعهم وأبصارهم، لكنهم استغلوه ليوقِعوا بسببه الضربةَ القاضية على كل من يتوقعون منه المعارضة ولو باحتمال ضئيل.

ولنترك الأرقام تصف لنا المجازر التي قاموا بها على أبناء وطنهم. اُحتجز 512 ألف شخص واُستجوبوا، واُعتقل 120 ألفاً منهم، ليس لهم ذنب إلا أنهم يعارضون الإسلام السياسي، كما طُرِدَ 250 ألف موظف حكومي عن وظائفهم. وأُغلقت 3500 مؤسسة، بما في ذلك الجامعات والمؤسسات التطوعيّة والمدارس الخاصة، وصُودرت أموال وشركات وممتلكات 35 ألف رجل أعمال، وطُرِدَ 6500 مدرس جامعي من وظائفهم، وفُصِلَ 4500 من القضاة والمدعين العامين عن مهامهم. وأُغلق ما يقرب من 200 مؤسسة إعلاميَّة، واستولوا على جميع ممتلكات أصحابها بشكل غير قانوني، وأُلقي القبض على 319 صحافياً، وسُجِنت 840 امرأة (معظمهن يرتدين الحجاب) حديثي الولادة مع أطفالهن بشكل يعارض القوانين الساريَّة، وصُفِيّ 152 شخصاً في السجن، كانوا في المواقع الحسَّاسة بالدولة.

لكن، كل هذا لم يشفِ غليلهم، بل كانوا يريدون أن يفعلوا أكثر فأكثر، وكمثالٍ على تحمّسهم لمزيدٍ من المجازر أود أن أعطي مثالاً عن ابن رجل يُعتبَر من أهم بطانات أردوغان، يُدعَى متين قابْانلي أوغلو، الذي كان يقول في أحد خطاباتهم للموالين إليه: "إن نساءهم (أي المعارضين) حلالٌ لكم، وأموالُهم هي لكم، ولكم حق التصرف فيها كيفما شئتم". وهذه وقاحة لم يَسبق لها مثيل في تاريخ البلاد. لكن أردوغان كافأ هذه العائلة بأن نصَّب أخاه والياً على مدينة صاقارْيَا القريبةِ من إسطنبول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت المحاكم أَثبتت بالأدلة الدامغة تورُّطَ أربعة من الوزراء في قضية الرشوة من رجل أعمال إيراني، لكن غاية ما فعله أردوغان معهم هو أن يقيلهم من مناصبهم ليواصلوا حياتهم أحراراً طلقاء، وكأنهم لم يرتكبوا شيئاً، والأنكأ للجرح أن أردوغان بعد سنوات أربع من إقالتهم عَيّن اثنين منهم مستشارين له.

ولم يَسبِق لإدارة الشؤون الدينية أن توغَّلت في القضايا السياسيَّة، مثل ما توغّلت في هذه المرحلة، إذ اشترك أعضاؤها في المهرجانات الانتخابية الحزبية. وعندما اتخذت المحكمة الدستورية قراراً لا يحلو له، قال أردوغان: "إنني لا أعترف بقرارات المحكمة، ولا أحترمها".

وعندما اُغتصب الأولاد الصغار في مساكن الطلاب التابعة لجمعية "الأنصار" المقرَّبة من الحزب، وانكشف لدى الرأي العام أن هذه الفضيحة تكررت عدة مرات في هذه المؤسسات، نُقِلَ القضاة والمدعون العامون بل والقائمقام إلى بلاد أخرى، بسبب عدم تسترهم على تلك الفضيحة النكراء، ومُورس الضغط على عائلاتِ أولئك الأطفال ليسكتوا عن الحادث، وتم ترضيتهم بعشرة آلاف ليرة تركية دفعت إليهم.

ومن المقرر في القوانين التركية أن الموظفين في الدولة لا يشاركون بالمهرجانات الحزبيَّة، ولا يمارسون العمل السياسي مباشرة، لكن هذا الأمر طُبّق على العكس، إذ أُجبر الموظفون على المشاركة في مهرجانات أردوغان السياسيَّة، وسُجلت أسماء الذين لم يشاركوا فيها بقوائم المعارضين.

ولمَّا استفحلت قضايا الرشوة في صفوف الحزب، أصدر بعض مرشديهم فتاوى بأن هذه الهدايا تعتبر من قبيل "الخمس" (المعمول به لدى الشيعة).

وخلاصة القول هي أن العالَم بدأ يطلع على ما عسى أن يفعله الإسلاميون السياسيون بشعوبهم عندما يسيطرون على السلطة، وأصبح الناس في تركيا يترحمون على الكماليين المتشددين عندما عاشوا من الإسلامويين ما عاشوا.

وأنا شخصياً أعترف بأنني كنت مخطئاً في الوثوق بأردوغان، الذي أَعلَن في عام 2003 أنه خلع قميصه السياسي الإسلاموي، وأنه سيواصل طريقه من حيث تركه الرئيس الأسبق تورغوت أوزال، وأنا أتيقن بأن كثيراً من أبناء شعبي يشاركونني المشاعر الخائبة نفسها.

وكلي أمل في أن تتطهر الساحة التركيَّة في المستقبل القريب من أوساخ أردوغان ومَن معه من النخبة السياسية الإسلاموية ليأخذوا مكانهم اللائق بهم في الصفحات السوداء من التاريخ التركي.

ولا أشك في أن المتعاطفين مع هذا الحزب بدوافع شريفة سينتبهون هم أيضاً إلى الدمار الذي ألحقته هذه العصابة الخطيرة بالبنية المجتمعيَّة التركيَّة.

إنني، وبوصفي محللاً سياسياً، لا أنتمي إلى حزبٍ بعينه، لكن إذا تيسّر لي الرجوع إلى بلدي، فلن أدلي بصوتي على أساس دينيٍّ أو مذهبيّ أو عرقيّ، بل سيكون المعيار الأساسي في تصويتي هو التركيز على الجانب الإنساني في رسالة الأحزاب.

المزيد من تحلیل