العشائر العراقية تتوقف عن ملاحقة مسعفي ضحايا الحوادث المرورية

ضعف أجهزة الدولة سمح للقبائل بفرض أعراف تحول فاعلي الخير إلى جناة

العشائر العراقية تحاول استيعاب الجدل الاجتماعي بشأن ظواهر سلبية ارتبطت بها (صفحة الحوادث المرورية في العراق)

بعد مباحثات ومداولات مطولة، توصل زعماء قبليون في مدينة كربلاء، جنوب غربي العاصمة العراقية بغداد، إلى اتفاق يعفي المارة الذي يقدمون الإسعاف لأشخاص تعرضوا لحوادث مرورية، من أي ملاحقة عشائرية، ما يكشف تراجعاً في تأثير أجهزة الدولة الرسمية في الحياة العامة.

 

ضعف الحكومة
 

وخلال الأعوام الماضية، عندما ضعفت قبضة الحكومة على ملف الأمن، تقدمت العشيرة لتكون بديلاً من الدولة في متابعة حقوق أفرادها، في النزاعات مع أشخاص أو كيانات غير رسمية أو عشائر أخرى. وفي حال واجهت العشيرة خصماً يشغل منصباً حكومياً، فإنها تسعى إلى منعه من استخدام موقعه الوظيفي لحماية نفسه، من خلال الضغط على عشيرته، ومطالبتها بتحمل مسؤولية أفعاله.
ولم تعد مراكز الشرطة، قادرة على حسم أي نزاع ذي خلفية عشائرية، إذ تقتصر مهمتها على حجز المتهم، إلى حين اكتمال التفاهمات العشائرية بشأنه.
وتفاقم التأثير العشائري في المجتمع العراقي كثيراً خلال السنوات التي تلت اجتياح تنظيم "داعش" مساحات واسعة من أراضي البلاد في العام 2014، حتى تحول إلى مصدر قلق كبير للأجهزة الرسمية. واستغلت عشائر عدة في جنوب البلاد ووسطها، حالة الانفلات الأمني آنذاك، وعززت مستوى تسليح أفرادها، الذين تستخدمهم في تصفية الحسابات وحسم النزاعات مع العشائر الأخرى. وفي كثير من الأحيان، أبلغ ضباط ميدانيون في الجيش والشرطة قادتهم، بأن تسليح عشيرة ما يفوق ما تملكه الأجهزة الأمنية، ما يحدّ من فرص الفوز في أي مواجهة معها. وفي الغالب، كانت العشائر تختار تصفية حساباتها مع رجال الشرطة الذين يعترضون طريقها، بشكل فردي، كأن تهاجم منازلهم، أو تهدد أقاربهم.
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

فاعلو الخير... جناة!
 

من بين الظواهر التي ارتبطت بهذا التأثير، عزوف المارة في الشوارع، عن تقديم المساعدة والإسعاف لأشخاص يتعرضون لحوادث مرورية، يلوذ مرتكبوها بالفرار، خوفاً من تحول فاعل الخير إلى جانٍ. وسُجلت عشرات الحالات، التي أصرّت فيها عشائر على ملاحقة مسعفين، قاموا بنقل مصابين بحوادث مرورية إلى مستشفيات لتلقي العلاج، ولا سيما في الحالات التي تنتج منها حالات وفاة. وعندما يأتي ممثلو العشيرة إلى المستشفى للسؤال عن حالة الضحية التي تمتّ إليهم بصلة قرابة، يسألون مباشرةً عن الشخص الذي قام بنقلها إلى المستشفى، ويهددونه بعقوبة تصل إلى القتل، في حال لم يرسل من يمثله إلى منزل الضحية، للاتفاق على ترتيبات دفع الدية. وفي معظم الأحيان، تحتجز مراكز الشرطة المسعفين المتطوعين، بناءً على طلب عشيرة الضحية، على الرغم من علمها بعدم مسؤوليتهم عن الحادث. ويبقى المسعف المتطوع محتجَزاً، حتى تتفاهم عشيرته مع عشيرة الضحية. وفي حال لم يقع هذا التفاهم، فإن حياته ستكون في خطر، بعد أن تبرئ الشرطة ساحته وتطلق سراحه. وفي هذه الحالة، يتحول الشخص الذي يقدم المساعدة، إلى جانٍ، ما دفع الناس إلى العزوف عن التدخل في حالات الحوادث المرورية، خشية الملاحقات العشائرية.
 

 

المارة يتفرجون على أطفال مصابين
 

وخلال إجازة عيد الأضحى الماضي، أظهر تسجيل فيديو، مشاهد صادمة، لعدد من المارة، وهم يتجنبون الاقتراب من أطفال مصابين في سيارة تعرضت لحادث مروري مروع، على طريق سريع يربط العاصمة العراقية بمحافظات جنوب البلاد.
وفجرت المشاهد، عاصفة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ انقسم المعلقون بين منتقد لعزوف المارة عن التدخل، وبين مبرر لتصرفهم، خشية ملاحقتهم عشائرياً.
وخلال الأيام القليلة الماضية، وقّعت عشائر مدينة كربلاء العراقية، "وثيقة شرف" تنص على حماية "المسعف التطوعي" من أي ملاحقة قانونية وعشائرية.
 

وثيقة عشائرية

 

 
وجاء في نص الوثيقة، التي اطلعت "اندبندنت عربية" عليها، أن شيوخ عشائر محافظة كربلاء وقعوا وثيقة شرف لحماية المسعف التطوعي عشائرياً وقانونياً، "بقصد إنقاذ حياة الناس من جراء حوادث السير والطرق وإسعافهم، ونقلهم إلى المستشفى". وشددت الوثيقة على أن المسعف الطوعي "لا يترتب عليه أي أثر أو مسؤولية من ناحية العشائر". وطالب الموقعون "مجلس القضاء الأعلى، ومجلس النواب العراقي، باتخاذ اللازم، وتشريع قانون حماية المسعف التطوعي".
ووفقاً للأعراف القبلية، فإن هذا التطور، سيحرج عشائر عدة، ويدفعها إلى الإعلان عن موقف مماثل، وإلا فإنها ستكون خارجة عن التقاليد، ما يعرضها إلى المقاطعة الاجتماعية.
وعلى الرغم من أن هذه الوثيقة، هي دليل صارخ، على عجز الحكومة عن الوفاء بأكبر التزاماتها، المتمثل باحتكار العنف، إلا أنها ربما تمهد لإجراءات رسمية أكثر حزماً، في ملف العشائر.