في ذروة الخلاف السياسي والاقتتال العسكري... مصر تحضر لاجتماع موسع يضم النواب الليبيين

القاهرة تدفع في اتجاه الاتفاق على تشكيل حكومة موحدة جديدة يخضع لها القرار العسكري

آثار الدمار جراء المعارك في منطقة تاجوراء شرق العاصمة الليبية طرابلس (أ. ب.)

تحتضن العاصمة المصرية القاهرة السبت المقبل اجتماعاً موسعاً لأعضاء مجلس النواب الليبي الذي استعصى اجتماعه بكامل نصابه القانوني بسبب الخلافات المستشرية بين كتله حول الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية في نهاية العام 2015.
ومنذ ما يزيد على السنتين لم يتمكن البرلمان الليبي، المؤلف من 200 نائب، من عقد جلسة مكتملة النصاب بسبب الخلافات حول المصادقة على اتفاق الصخيرات السياسي وما نجم عنه من آثار ترتبت على إنشاء المجلس الرئاسي الذي تشكلت إثره حكومة الوفاق. وعلى الرغم من رفض تشكيلته الحكومية مرتين في البرلمان إلا أن المجلس الرئاسي تمكن من فرض حكومته مستفيداً من الانقسام النيابي حولها، لتتحول تلك الحكومة بمرور الوقت إلى طرف سياسي مضاد لمساعي "الجيش الوطني" لبسط سيطرته على كامل الأراضي الليبية.
في منتصف العام الماضي اضطرت رئاسة مجلس النواب إلى تعديل اللائحة الداخلية الخاصة بنصاب الجلسات لتمرير بعض الاستحقاقات المهمة مثل قانون الاستفتاء على الدستور، لكن الخلاف عاد مجدداً حول عملية "الجيش الوطني" التي أطلقها في 4 أبريل (نيسان) الماضي المشير خليفة حفتر، للسيطرة على العاصمة طرابلس.

 

جلسة جامعة

وتقوم المساعي المصرية الحالية على عقد جلسة تجمع مؤيدي عملية الجيش بطرابلس ورافضيها، بإشراف اللجنة المصرية المعنية بالملف الليبي، بغية بلورة رؤية موحدة حول هدف "الجيش الوطني"، وتشكيل مسار سياسي موازٍ لعملية الجيش يهدف إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون جاهزة لتولي قيادة البلاد سياسياً بعد نهاية المعارك في العاصمة. وتشكلت اللجنة المصرية المعنية بليبيا بقرار من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أغسطس (آب) من عام 2016، وأسندت رئاستها إلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية حينها، الفريق محمود حجازي، وعقدت اللجنة جملة من الاجتماعات واللقاءات مع مختلف الأطراف الليبية، وعلى الرغم من أنها معنية بتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية المختلفة، إلا أن أبرز أعمالها تمثلت في عقد ستة اجتماعات بين ضباط الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده حفتر وآخرين عن "حكومة الوفاق" في الغرب الليبي، بهدف توحيد مؤسسة الجيش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

"دعوة مريبة"

وصرح عضو مجلس النواب "محمد الرعيض" إلى "اندبندنت عربية"، عن شعور النواب الرافضين عملية الجيش في طرابلس بأن الدعوة المصرية إلى عقد جلسة في القاهرة "مريبة"، وأنها "جاءت في هذا التوقيت لإنقاذ موقف حفتر العسكري الضعيف بعد فشل عمليته في طرابلس"، مؤكداً عدم موافقة مجلس النواب المنعقد في طرابلس على الدعوة المصرية.
وبدأ 30 نائباً بعقد جلسات في طرابلس منفصلة عن جلسات مجلس النواب الرسمية في طبرق، منذ مطلع مايو (أيار) الماضي، وفي منتصف الشهر ذاته أعلنوا عن اختيار رئيس لجلساتهم بطرابلس نظيراً لرئيس المجلس (مقره البيضاء في شرق ليبيا) عقيلة صالح الذي اتهموه بــ "رهن قرار مجلس النواب لخدمة مصالح حفتر"، لافتين إلى أن "مجلس النواب لم يعقد جلسة للموافقة على عملية طرابلس".
وتتألف جلسات "مجلس نواب طرابلس"، التي حضرها عمداء بلديات وشخصيات موالية لحكومة الوفاق بهدف تكثيف الحضور، من نواب مقاطعين لجلسات البرلمان منذ العام 2014، ودعم أغلبهم عملية "فجر ليبيا" التي أطلقها تيار الإسلام السياسي في طرابلس للانقلاب على نتائج الانتخابات البرلمانية التي لم تكن في صالحهم، وتسببت بانقسام سياسي حاد في البلاد منذ ذلك الحين.
وعلى الرغم من عدم إعلان اللجنة المصرية المعنية بالملف الليبي عن الاجتماع رسمياً، إلا أن الرعيض أكد تسلم نواب طرابلس دعوةً رسمية، من دون أن يدلي بتفاصيل أخرى حول جدول أعمال الاجتماع ما يبقيه في دائرة التكهن بنتائجه.
 

العدد الحقيقي


وفي حين لم توضح رئاسة مجلس النواب التي اتصل بها مراسل "اندبندنت عربية" موقفها من الاجتماع، صرح رئيس "الجمعية الليبية لدراسة السياسات" (أهلية) منصور سلامة أن المساعي المصرية ستكشف حقيقة عدد النواب المجتمعين في طرابلس، مضيفاً أن "العدد الحقيقي أقل من المعلن وهو 30 نائباً وبالتالي فلقاء القاهرة سيشكل فرصة لبلورة رأي موحد بشأن عملية الجيش في طرابلس لأنها أساس الخلاف حالياً".
ورجّح سلامة أن "يتم خلال الاجتماع الاتفاق على تشكيل حكومة موحدة جديدة يخضع لها القرار العسكري للقيادة العامة للجيش ويزيل مخاوف عدد من النواب الرفضين عملية الجيش واتهامه بالسعي إلى عسكرة الدولة".
ويعتقد سلامة أن لقاء القاهرة "مهم بدرجة كبيرة محلياً ودولياً كونه سيبيّن بشكل واضح دور الجيش المتمثل في تأمين البلاد واستعداده للخضوع لسلطة مدنية"، وهي تحليلات لا يرى المحلل السياسي "الطاهر كمال" أنها تتجاوز التكهن والمثالية، مؤكداً أن في عدم إعلان الجانب المصري رسمياً عن عقد اللقاء على الرغم من قرب موعده المقرر السبت المقبل، "دلالةً على إمكان فشله".
وقال كمال إن "الهدف هو احتواء انقسام مجلس النواب وذهاب عدد منهم إلى عقد جلسة موازية في طرابلس ورفضهم المشاركة يعني أن اللقاء لا معنى له"، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأن المساعي والمبادرات المصرية أقرب إلى الواقع الليبي "إذ سبق ولمست مصر أن واقع المشكلة في ليبيا أمني بالأساس وليس سياسياً ولذلك احتضنت جهود توحيد مؤسسة الجيش، والآن عرفت القاهرة أن أساس حل المشكلة يكمن في وجود حكومة وحدة وطنية يخضع لها الجيش الذي يتخوف قطاع محلي ودولي كبير من إمكان انقلابه على السلطة عسكرياً بعد سيطرته على طرابلس"، لكنه رأى من جهة أخرى أن الجانب المصري لم يبنِ علاقات واتصالات متينة مع الجهات النافذة في طرابلس يمكن أن "تشعرهم بالثقة فيها، ناهيك عن ميلها الأكبر إلى الجيش الذي يخاصمه قادة طرابلس".

 

حكومة وحدة وطنية
 

وكان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أعلن قبل أيام، أن المجلس سيجتمع في "فترة قريبة لإعلان حكومة وحدة وطنية"، موضحاً خلال لقاء تلفزيوني الأسبوع ما قبل الماضي، أن الحكومة الجديدة ستتولى مهمة الإعداد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. 
وعلّق الطاهر كمال على ذلك بالقول إن "لقاء القاهرة وإن تخلف عنه النواب المجتمعون في طرابلس يبقى رهين صدقية المجتمعين في مصر من خلال شكل الحكومة الجديدة لتكون مقنعة للجميع"، مشيراً إلى ضرورة اختيار شخصية حيادية لترأس هذه الحكومة وتؤلفها من مختلف الأطياف الليبية بما فيها طرابلس ومصراته اللتين تشكلان رأس الحربة ضد مشروع "الجيش الوطني" حالياً.

المزيد من العالم العربي