لماذا يطالب قضاء الزبير العراقي بفصله عن البصرة؟

السلطات المحلية أعلنت إصرارها على جعله محافظة مستقلة إدارياً

تظاهرة احتجاجية في الزبير للمطالبة بتحسين الخدمات العامة في القضاء (اندبندنت عربية)

يتواصل الجدل في محافظة البصرة، الواقعة جنوب العراق، على الصعيدين السياسي والشعبي بعد ظهور مطالبات مصحوبة بتحركاتٍ إدارية لشطر المحافظة الغنية بالنفط إلى محافظتين شبه متساويتين من حيث المساحة. وهذه المحاولة تتبناها السلطات المحلية في قضاء الزبير، وهو أكبر قضاء في البصرة، وثاني أكبر قضاء في العراق.

رغبة بالانفصال

السلطات المحلية في الزبير أعلنت إصرارها على جعل القضاء محافظة مستقلة إدارياً عن البصرة. وأصدر المجلس المحلي في الزبير توصية بذلك خلال جلسة استثنائية عقدها قبل أيام قليلة. ثم عقد وجهاء من القضاء مؤتمراً صحافياً أشهروا فيه رغبتهم بتحقيق المشروع، وطالبوا القوى السياسية بعدم عرقلته والاعتراض عليه، وعلقوا آمالهم على مجلس الوزراء بالموافقة على طلبهم.

قائمقام الزبير عباس ماهر السعيدي قال لـ"اندبندنت عربية"، إن "المطالبات الجديدة بتأسيس محافظة الزبير هي امتدادٌ لمطالبات تعود إلى أعوامٍ سابقة"، مبيناً أن "الزبير بحاجةٍ إلى تخصيصاتٍ مالية وصلاحياتٍ إدارية من أجل توفير الخدمات الأساسية لسكانه البالغ عددهم أكثر من 800 ألف نسمة، وعندما يكون الزبير محافظة سيحظى بتخصيصاتٍ وصلاحياتٍ واسعة".

وأشار السعيدي إلى أن "محافظة الزبير ستمتد حدودها من شط البصرة شرقاً إلى بادية السماوة غرباً، ومن الناصرية شمالاً إلى الحدود الكويتية والموانئ العراقية جنوباً"، مضيفاً أن "السلطات المحلية في الزبير تتوقع من الحكومة العراقية في بغداد موقفاً أفضل من موقف الحكومة المحلية في البصرة، التي أبدت تحفظها على المشروع".

اعتراض على المشروع

الحكومة المحلية في البصرة، بشقيها التشريعي (مجلس المحافظة) والتنفيذي (ديوان المحافظة)، تعارض تأسيس محافظة الزبير لما يسببه المشروع من إضعاف سياسي واقتصادي للبصرة وتقليص مساحتها التي تناهز مساحة دولة الكويت. والملاحظ أن السياسيين الراغبين بجعل البصرة إقليماً هم أشد المعترضين، إذ يعتقدون أن سلخ الزبير عن البصرة يعني بالضرورة إجهاض مشروع تأسيس الإقليم.

ووفق عضو مجلس محافظة البصرة كريم شواك المالكي، فإن "جعل الزبير محافظة يتقاطع مع مشروع تأسيس إقليم البصرة الذي قطعنا فيه شوطاً كبيراً، ونخشى من قيام قوى سياسية معارضة لمشروع الإقليم بدعم مشروع محافظة الزبير"، موضحاً أن "الزبير يمكنها أن تصبح محافظة بعد إنجاز مشروع تأسيس إقليم البصرة. فالإقليم يمكن أن يتكون من محافظةٍ واحدة أو أكثر".

ولفت المالكي إلى أن "قضاء الزبير ليس وحده من يريد تحويله إلى محافظة، بل حتى قضاء القرنة انطلقت منه أصوات تنادي بجعله محافظة"، معتبراً أن "البصرة غير قابلة للتجزئة والتقسيم".

أهمية استراتيجية

يشترك قضاء الزبير بحدوده الإدارية المحلية مع الحدود العراقية الكويتية، وفيه تقع موانئ خور الزبير وأم قصر الجنوبي والشمالي، ومنشآت صناعية ونفطية كبيرة، من بينها حقل الرميلة النفطي، ومصنع البتروكيماويات، وحقل الزبير النفطي، ومصنع الحديد والصلب، ومصنع الأسمدة الكيماوية. كما تنتج المزارع الموسمية في القضاء حوالى 350 ألف طن من الطماطم سنوياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المكانة الاقتصادية التي يتمتع بها القضاء لم تنعكس على أحوال سكانه، الذين يعاني الكثير منهم البطالة وضعف الخدمات العامة. كما أن التصاعد المستمر في وتيرة النزوح إلى القضاء من محافظات مجاورة للبصرة أسهم في تفاقم المشكلات الخدمية والاقتصادية والأمنية. وفي خضم هذه الظروف، يرى المؤيدون لمشروع محافظة الزبير أن مشروعهم سيؤدي إلى تحسين أحوال الزبير.

في المقابل، يعتقد المعارضون أن تأسيس المحافظة يُفقد البصرة جزءاً كبيراً من أهميتها الاستراتيجية، ويسلبها صفتها الرسمية كعاصمة اقتصادية للعراق.

عمق تاريخي

فوق أهميته الاقتصادية، يكتسب قضاء الزبير أهمية كبيرة على مستوى التاريخ الإسلامي. فمدينة الزبير الحالية بنيت في موقع مدينة البصرة القديمة، التي مصرها القائد الإسلامي عتبة بن غزوان مع بداية الفتوحات الإسلامية سنة 14 هجرية، وفيها يقع مسجد الخطوة التاريخي، وهو أول مسجدٍ بني في العراق. وفي الزبير مقبرة قديمة تضم قبور العديد من الصحابة والتابعين والفقهاء والأدباء، أحدهم الصحابي الزبير بن العوام، الذي منه اكتسب القضاء اسمه.

قبل أن تكون قضاءً، كانت بلدة الزبير مشيخة لغاية عام 1921، وهو نظامٌ للحكم يشبه إلى حدٍ بعيد أنظمة الحكم التي كانت سائدةً في الخليج. وخلال القرون الأربعة الماضية استوطنت الزبير عشرات الأسر المهاجرة من قرى وبلدات نجد، وكونت مجتمعاً نجدياً اكتسب خصوصية في لهجته وعاداته وتقاليده. وفي عام 1953، زار الملك سعود بن عبد العزيز بلدة الزبير، وكان حينها ولياً للعهد، ولاقى حفاوة كبيرة من أهلها، وبعد أن توج ملكاً زارها مرة ثانية عام 1957.

معظم الأسر النجدية التي كانت تستوطن الزبير رحلت خلال العقود الأربعة الماضية إلى السعودية واكتسبت جنسيتها. كما استقرت بعض الأسر في الكويت، ونال أفرادها الجنسية الكويتية. وسكان الزبير الحاليين معظمهم ينحدرون من مناطق مختلفة في البصرة وذي قار والمثنى وميسان، وبسبب تنوعهم المذهبي وتعايشهم السلمي اكتسب الزبير منذ أعوام اسماً رديفاً غير رسمي هو "قضاء الوحدة".

المزيد من العالم العربي