هل يتجه العالم نحو ركود اقتصادي جديد؟

تراجع قدرة البنوك المركزية على التدخل يهيمن على مؤشرات القلق

تراجعت معظم التوقعات لترسو على أن الاقتصاد العالمي سيحقق نمواً فقط بنسبة 2.7% في 2019 في مقابل 3.1% العام الماضي (أ.ف.ب.)

تباطؤ في الاقتصاد العالمي ونشاط في أسواق الأسهم، هذه المفارقة تقلق المحللين الاقتصاديين الذين يلاحظون من خلال مراجعتهم للأرقام الشهرية المتعلقة بأداء الشركات الأميركية أن هناك تراجعاً واضحاً في نشاطها. فبعدما استثمرت بكثافة في العام 2018، بدأت تخفّض إنفاقها وسط التوترات التجارية مع الصين. وتشير التوقعات إلى تراجع النمو إلى 2.5٪ في السنة 2019، أي أقل بنسبة 0.4 نقطة مئوية عن العام الماضي.

ويبدو هذا الاتجاه أكثر وضوحاً في أوروبا. فبريطانيا تعاني ركوداً في الاستثمار التجاري منذ الاستفتاء على "بريكست"، فيما يقبع النمو الإيطالي في حال شلل. أما في ألمانيا فارتفع معدل البطالة فيها، ولا يزال المصنّعون يكافحون من أجل التعافي من صدمة إصدار لوائح جديدة للسيارات.

وفي اليابان، يسهم تراجع إنتاج المصانع لديها وانخفاض صادراتها، في مزيد من الضعف الاقتصادي. ويلاحظ الانكماش أيضاً في الصين كما تؤكد شركات ضمان الائتمان. فقد أدت الحرب التجارية إلى انخفاض الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 10% في الأشهر الأربعة الأولى من 2019.

وأمام مجمل هذه الوقائع تراجعت معظم التوقعات لترسو على أن الاقتصاد العالمي سيحقق نمواً فقط بنسبة 2.7% هذه السنة، في مقابل 3.1% العام الماضي.

المضاربات والفرص

وفي محاولة لفهم مفارقة انتعاش أسواق الأسهم في زمن تباطؤ اقتصادي، سألت "إندبندنت عربية" الاقتصادي الدكتور فهد بن جمعة، عضو "مجلس الشورى السعودي"، الذي رجّح أن يكون "السبب وراء ارتفاع أسواق الأسهم العالمية، هو المضاربات وانتهاز الفرص تحديداً في وقت الأزمات السياسية والتغيرات الاقتصادية السريعة المرتبطة بمعدل مخاطرة أعلى".

البنوك المركزية

المؤسسات النقدية الكبرى ولا سيما منها "الاحتياطي الفيدرالي" الأميركي و"البنك المركزي الأوروبي" و"بنك اليابان" يبدو أن قدرتها على منع ركود عالمي مقبل محدودة جدا. فبعد أزمة العام 2008، خفّضت أسعار الفائدة واشترت سندات ومدّدت الدعم الحكومي للمنتجات المالية وأقرضت البنوك. تلك المرحلة كانت استثنائية من حيث التجارب، لكن البنوك المركزية أنقذت اقتصادات مهددة بالانهيار.

أما اليوم، فتظل أسعار الفائدة قريبة من الصفر في اليابان وأوروبا. وهي منخفضة وفق المعايير التاريخية في الولايات المتحدة، ما يترك مساحة أقل لمنع الانكماش. ولا تزال السلطات النقدية تحتفظ بمبالغ هائلة من السندات والأوراق المالية الأخرى التي اشترتها لدعم اقتصاداتها في الأزمة الماضية، ما قد يصعّب أي عمليات شراء أخرى.

وفيما يصرّ مسؤولو "المركزي الأوروبي" على تأكيد الاستعداد للتصرف بقوة إذا حدث ركود آخر، يشير مجلس "الاحتياطي الفيدرالي" إلى أنه قد يخفض أسعار الفائدة قريباً للتغلب على المخاطر المتزايدة في الولايات المتحدة. لكن الاقتصاديين يقولون إن البنوك المركزية لم تعد قادرة على أن تكون المنقذ الوحيد عند حدوث انكماش. وتصطدم هذه الحقيقة بالقيود السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث قد يثبت المشرعون أنهم غير قادرين، أو غير مستعدين، لطرح رزم تحفيز باهظة الثمن.

النزاعات التجارية

وأدى فشل البنوك المركزية الكبرى في تحقيق أهداف التضخم البالغة 2% إلى زيادة خطر انخفاض الأسعار بشكل خطير. وبينما كانت الوعود بتخفيض أسعار الفائدة لفترة أطول مصدراً رئيساً للحوافز في الأعوام الأخيرة، فقد تفقد تلك التعهدات بعضاً من قوتها في عالم يريد فيه المستثمرون أسعار فائدة منخفضة بشكل دائم. وتثير هذه القيود قلقاً خصوصاً في وقت تبدي فيه الحكومات شهية قليلة على العمل معاً لتعويض تباطؤ عالمي واسع النطاق. فالولايات المتحدة وأوروبا في وسط نزاع تجاري أعقب قرار الرئيس ترمب فرضَ رسوم على الصلب والألومنيوم وتهديده بفرض ضرائب على السيارات الألمانية وغيرها من السيارات الأوروبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف الدكتور فهد بن جمعة عوامل أخرى، "فالاضطرابات السياسية العالمية كما يحدث في الخليج العربي وحظر الصادرات الإيرانية النفطية وتهديد الملاحة العالمية، لها أيضا تأثيرها وهي تهدد نمو التجارة العالمية"، ورأى أن "النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين وفرض رسوم تعوق تدفق التجارة يؤثران على نمو حجم التجارة العالمي ولا سيما في البلدان الناشئة، وكلما امتدّ هذا النزاع إلى الهند وبعض دول الاتحاد الأوروبي كلما كان الأثر سلبيا على نمو الاقتصاد العالمي"، ويضيف أن "هذه العوامل هي خارج السياسات النقدية التي تمارسها البنوك المركزية لدعم النمو أو خفض معدل التضخم"، وأكد أن "ما يحدث الآن لا يشبه ما حصل في العام 2008، لأن الأمر مرتبط بعوامل سياسية ونزاع تجاري، بينما في السابق كانت الأزمة مالية بحتة وبدأت من الاقتصاد الأميركي نفسه".

البورصات المالية

وبينما تشهد "وول ستريت" أطول فترة انتعاش في تاريخها، فإن التباطؤ الاقتصادي الوشيك يجب أن يدفع بالمستثمرين إلى توخي الحذر، لكن العكس هو الذي يحصل. فمنذ بداية السنة، ارتفع مؤشرS&P 500، وهو المؤشر الرئيس للمستثمرين في بورصة نيويورك للأوراق المالية، بنسبة 19.29%، ومؤشر داو جونز بنسبة 15.41%. وفي فرنسا، حقق مؤشر "كاك 40" 18.24%، والمؤشر الأوروبي Euro Stoxx 50 أكثر من 17%.

ويرى مستشارو الاستثمار أن البنوك المركزية هي التي تمدّد الارتفاع. فتقديراتهم للأشهر العشرة المقبلة أن يكون نمو أرباح الشركات العالمية قريباً من الصفر. لكن مشغّلي السوق يعتمدون على أن يلجأ "الاحتياطي الفيدرالي" الأميركي إلى خفض أسعار الفائدة نقطة واحدة على مدار سنة، لإنعاش الحركة الاقتصادية. ويعتبرون أنه في حال لم يتخذ هذه الخطوة الأولى في نهاية اجتماع السياسة النقدية في 31 يوليو (تموز)، فقد تكون هناك مشكلة.

ديون ضخمة

ومنذ أزمة العام 2008، استفادت الشركات والحكومات بشكل كبير من التسهيلات التي توفرها سياسات البنوك المركزية، من خلال الحفاظ على أسعار فائدة منخفضة، وعبر إطلاق برامج إعادة شراء الدين العام والخاص، فقد زادت السيولة وشجعت الائتمان. ونتيجة لذلك، ارتفع الدين العالمي بنحو 50% في الأعوام العشرة الماضية، وفق دراسة نشرتها في مارس (آذار) وكالة التصنيف "ستاندرد آند بورز". هذه الزيادة مدفوعة من قبل الدول المتقدمة والشركات في البلدان الناشئة، ولا سيما منها الصين.

ويمثل إجمالي الدين العام والخاص في جميع أنحاء العالم اليوم قرابة 234% من الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل 208% في العام 2008. لكن بعض الاقتصاديين يرون أنه عندما تكون معدلات الاقتراض منخفضة، يتراكم الدين العام بسرعة أقل، وتكون كلفته على الموازنة والاقتصاد أقل، ويشجعون الحكومات على تعديل سياساتها المالية وتعزيز استثماراتها قبل الأزمة المقبلة.

تراكم المخاطر

وفي بيئة يُعد سعر الفائدة فيها منخفضاً للغاية، لا يكلف اللجوء إلى الاستدانة شيئا. لكن وضع أموال في صناديق السندات لا ينتج شيئاً أيضا. ففي الأعوام الأخيرة، شرع المستثمرون في البحث عن عوائد. ويوضح نجاح القروض المدعومة (الممنوحة للشركات المثقلة بالديون) على مدى الأعوام الخمسة الأخيرة في الولايات المتحدة هذه الرغبة في الأصول ذات المخاطر العالية. ولا يقتصر الأمر على الشركات المقترضة، بل تم دمج هذه القروض في المنتجات المالية، ما يذكّر بمرحلة الرهون العقارية عالية المخاطر، التي أشعلت أزمة العام 2008.

وعلى الرغم من كل المؤشرات هذه غير المشجعة، يرى الدكتور "بن جمعة" أنه "ما زال ممكناً التوصل إلى تسويات بين الأطراف المتنازعة خلال السنة الحالية، وأن يتحسن النمو الاقتصادي العالمي في السنة 2020"، مشيراً إلى أنه "عندما يسود الاستقرار المالي وترتفع نسب الاستثمار في أسواق المال فإن ذلك سينعكس حتماً على النمو العالمي"، وقال إن "صندوق النقد الدولي توقع في أبريل (نيسان) تراجع النمو لهذه السنة، بسبب التوترات التجارية وتراجع اقتصاد الصين. فقلّص توقعه للناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى %3.3 في 2019، من 3.5% في 2018، لكن النسبة قد تتحسن في السنة 2020 بنحو 3.6%".