Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تقنين "شيشة" المصريين بالرسوم... حتى آخر "نفس"

ذهب البعض إلى أن إتاحة النرجيلة يأتي في إطار جهود توفير موارد إضافية للدولة في ظل أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة

التدخين بأنواعه جزء من تفاصيل الحياة الصغيرة المعتادة والمعروفة في مصر (أ ف ب)

أوقف الشاب التابع لجمعية خيرية تعمل في مجال مناهضة التدخين وعلاج مرضى السرطان رجلاً أربعينياً خرج لتوه من محطة مترو الأنفاق. قدم نفسه وشرح له نشاط الجمعية، وأمضى ما لا يقل عن 15 دقيقة يعرض له صوراً فوتوغرافية عما يفعله التدخين في رئة المدخن ورسوماً بيانية عما يتكبده المواطن والدولة من خسائر مادية مقابل علاج مرضى السرطان، ونتائج دراسات علمية عما يصيب أسرة المدخن من أمراض تنفسية ومصاعب اقتصادية إن عاش، وصدمات عصبية وضغوط حياتية إذا مات.

كان الرجل يصغي بكل اهتمام ويهز رأسه بين الحين والآخر دليل الاهتمام والتعاطف. وحين وصل إلى جزئية "هل لك في التبرع ببضعة جنيهات لمصلحة الجمعية؟"، أخرج علبة سجائره من جيب القميص، وأصر على أن يعطي الشاب حفنة من السجائر "يمشي بها نفسه" حتى تفرجها السماء.

سماء المحطة

أما السماء أمام المحطة، فكانت ملبدة بأدخنة متداخلة تنفثها مئات الأفواه التي ظلت محرومة من سجائرها طيلة رحلتها من المرج أو غمرة أو السيدة زينب أو مار جرجس إلى السيدة زينب (محطات مترو الأنفاق في القاهرة) لم تكن السماء ملبدة فقط بدخان السجائر "كليوباترا" و"بوسطن" و"ماتوسيان" وغيرها من السجائر المحلية التي ما زالت أسعارها في متناول المدخن العادي، وإن كان التناول بات عصيباً بعض الشيء، هذا الدخان امتزج بغيره من أدخنة أنواع الشيشة المختلفة التي تقدم وتستهلك خلف الأبواب نصف المغلقة.

أبواب المقاهي نصف مغلقة منذ القرارات الاحترازية لمواجهة كورونا، إذ نصت مجموعة الإجراءات التي أعلنتها الحكومة المصرية في مارس (آذار) 2020 على تعليق حركة الطيران وحظر تقديم الشيشة في المقاهي.

 

لا يخلو بيت مصري من مدخن واحد على أقل تقدير. أقل ما يمكن أن توصف به الأرقام والنسب المتداولة حول التدخين أنها بالغة التراوح لدرجة التناقض. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن العام الماضي أن نسبة التدخين في مصر 17.7 في المئة من السكان فوق عمر 15 سنة، أي إن تعداد المدخنين هو 18 مليون شخص معظمهم من الذكور، وهذا يعني أن 41 في المئة من الأسر المصرية فيها شخص واحد مدخن في الأقل.

أما موقع "ماكرو ترندز" (المتخصص في الإحصاءات)، فيقدر نسبة المدخنين في مصر بنحو 24.3 في المئة من السكان ومن الدراسات والبحوث ما يقدرها بـ10 و15 و35 في المئة.

لكن رؤى العين تقول إن التدخين بأنواعه جزء من تفاصيل الحياة الصغيرة المعتادة والمتوقعة والمقبولة والمعروفة، بل أحياناً المرحب بها في مصر. في حافلة النقل العام لافتة بعرض الزجاج الأمامي المواجه للسائق تحذر من التدخين إذ إن الغرامة يتم تحصيلها فورياً. في سيارات الأجرة، كثيراً ما يعتبر السائق مركبته كالطائرة حيث القائد رئيس جمهورية الطائرة. يدخن وعلى الراكب المتضرر إما فتح النافذة أو العثور على سيارة أخرى. في المؤسسات الحكومية التدخين ممنوع بالطبع، لكن رائحة السجائر في كل مكان وإن كان الفاعلون غير مرئيين.

الشارع مدخن

أما الشارع، فمدخن حتى الثمالة. صحيح أن الثمالة الجهرية تظل حكراً في معظمها على الذكور، بدءاً من الأطفال مروراً بالمراهقين والشباب وانتهاء بالكهول والمسنين، إلا أن هذا لا يمنع أن الأفواه النسائية بينها من يدخن وبشراهة وإن كان إما سراً أو حتمياً بسعة صدر الأماكن الراقية والتجمعات الحكر على الأعضاء وأبناء الطبقات المخملية. هناك التدخين ضار بصحة الجميع. أما في الفضاء العام في الشارع، فهو ضار بصحة الذكر و"قلة تهذيب" الأنثى ودليل دامغ على سوء أخلاقها.

وربما على سبيل سوء النية، يلوح بعضهم بأن قراراً رسمياً صادراً قبل أيام يهدف إلى شراء رضا المواطنين ومقايضة المنع والتضييق على الصحة العامة والخاصة بالمنح وغض الطرف، ولو موقتاً، عن الصحة وأمور أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل أيام، أعلنت وزارة التنمية المحلية تطبيق قانون المحال العامة رقم 154 لعام 2019 وذلك بدءاً من يوم الأحد المقبل 11 ديسمبر (كانون الثاني)، وضمن القانون، سيجري ترخيص "الشيشة" والسماح بتقديمها وفق ضوابط ورسوم يسددها صاحب المقهى.

الرسوم المفروضة مقسمة إلى أربع فئات لضمان العدالة الاجتماعية في نفث الدخان وإتاحة "الشيشة" للجميع بغض النظر عن المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، وتغطي كل النجوع والقرى والمحافظات والأماكن المتميزة.

الخبثاء انقسموا إلى فريقين، فريق يلوح بأن الإتاحة عبر الترخيص وسداد المصاريف في كل ركن من أركان المحروسة يأتي في إطار جهود توفير موارد إضافية للدولة في ظل أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة، وفريق آخر يشير إلى أن الظروف الضاغطة لأسباب بعضها خارجي يتعلق بأوضاع عالمية لا مجال للسيطرة عليها وبعضها الآخر وثيق الصلة بملف الاقتصاد المصري تضع المواطن العادي تحت قدر هائل من الضغط والاحتقان والتململ.

عشق الدخان

"هل هناك ما هو أفضل من سيجارة معتبرة تنفثها وتنفس بها عن قرفك؟"، سؤال تقريري لا استفساري يطرحه أحد كبار المساهمين في الـ17 مليار جنيه مصري (نحو 690 مليون دولار أميركي) التي أنفقها المصريون في العام المالي 2021-2022 على السجائر. رقم 17 مليار لا يعني السائل في شيء. يقول الخفير ليلاً والسايس نهاراً عزمي حمودة (47 سنة) الذي يعيش مع زوجته وأربعة من أبنائه السبعة (الباقون في القرية مع والده) في غرفة متناهية الصغر في فيلا يحرسها بحي الشروق على أطراف القاهرة إنه يعرف الألف والـ10 آلاف ويمكنه أن يتخيل المئة ألف. أما الملايين والمليارات، فلا يعرفها ولا يريد أن يعرفها.

يصف حمودة السيجارة التي يحتويها بين إصبعيه وينظر إليها بعشق واضح، "متعتي الوحيدة. ربنا يديمها نعمة ويحفظها من الزوال"، ويضيف "لو زالت فستتحول الحياة إلى جحيم. في الأقل تنسيني ما يتوجب عليّ توفيره من طلبات الأطفال وأمهم هنا وأخواتهم وأبي في البلد (القرية). في الأقل أولع (أشعل) السيجارة وأنفخ فيها بدلاً من أن أولع في نفسي في موجة الغلاء الحالية غير المسبوقة".

السيجارة أمن قومي

سبق ووقف رئيس مجلس إدارة سابق للشركة الشرقية للدخان "إيسترن كومباني" (وتملك الشركة القابضة للصناعات الكيماوية نحو نصف أسهمها) أمام جلسة استماع عقدتها لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري عام 2016، وقال إن السجائر قضية أمن قومي وهو ما اتخذته وسائل إعلام عدة عنواناً لها.

 

ظن بعضهم أن المقصود بـ"الأمن القومي" هو الأمراض التي تنجم عن التدخين والتي تكلف الأنظمة الصحية في العالم نحو 1.4 تريليون دولار، إضافة إلى تكلفة الوفيات والرعاية المادية اللازمة للأسر، لكن ما قصده مسؤول الشركة التي تنتج الأنواع الشعبية من السجائر في مصر هو أن إتاحة السجائر غير المهربة للمصريين مسألة أمن قومي، بعدما بلغت خسائر الدولة من السجائر المغشوشة والمهربة ومنتهية الصلاحية نحو 3 مليارات جنيه سنوياً. وأسهب في المطالبة بتشديد الرقابة من الدولة على هذه "الملايين من المكاسب التي تدخل جيوب أرباب السوابق وتجار السوق السوداء يومياً" وذلك بدلاً من أصحاب الشأن. وأضاف مبرهناً على أهمية السجائر في حياة المصريين أن "المدخن لا يبحث عن السكر والشاي ورغيف العيش، بل عن علبة السجائر".

يبدو الكلام منطقياً فلا السكر أو الشاي أو الرغيف قابل للنفخ والتنفيث والتنفيس عكس التبغ ومشتقاته سواء كان سيجارة أو "شيشة" أو أياً من أدوات التدخين التي تعطي المدخن شعوراً بأنه ينفس غضبه و"يفش غله" وما أكثر مصادر الغضب ومنابع الغل هذه الآونة.

وداعاً للحملات

هذه الآونة قلما يسمع أحد عن حملات مناهضة التدخين أو مبادرات التحذير من آثاره المدمرة على المدخن ومن حوله. ولولا بقايا لافتات "ممنوع التدخين" و"التدخين ضار بالصحة" المتناثرة في بعض المؤسسات والواجهات، لنسيت الغالبية أن التدخين ضار بالصحة. ولولا الجردة الرمضانية التي تقوم بها مؤسسات ماضية على درب مناهضة التدخين حيث حصر المشاهد الدرامية التي تحوي سجائر أو "شيشة" أو أياً من أشكال التدخين، لظن المصريون أن التدخين لم يعد ضاراً بالصحة.

الصحة التي استهلكت 83 مليار سيجارة عام 2017-2018 بمعدل 280 مليون سيجارة يومياً إضافة إلى 50 ألف طن معسل هي صحة عليلة، لكن يبدو أن احتمال الصحة الجسدية العليلة حيث أمراض القلب والضغط والسرطان وغيرها أهون من يقين الصحة النفسية العليلة، أو هكذا يهيأ لكثيرين من المدخنين المصريين.

فقر ودخان وفتوى

في مصر، حيث نسبة من يعيشون تحت خط الفقر كانت تتأرجح بين 29.7 و32.5 في المئة من السكان، وذلك قبل الصعود المدوي للدولار في مقابل الجنيه المصري في الشهرين الأخيرين وما صحبه من جنون الأسعار، ما زال الإقبال على التدخين كبيراً ومثيراً. فكيف لشخص يشكو الفقر المدقع يجد سبيلاً لتوفير حق السجائر؟! لكن بحوثاً ودراسات وإحصاءات منظمة الصحة العالمية تؤكد أن معدلات التدخين في الدول النامية أعلى منها في الدول الفقيرة. الأسباب تتعدد لكن معظمها يتراوح بين تركيز الشركات المصنعة للتبغ حملاتها الإعلانية والترويجية على هذه الدول، وكذلك وقوع الفقراء تحت قدر أكبر من الضغوط والإحباطات يدفع بعضهم إلى البحث عن مخرج ومنفذ عبر التدخين.

"التدخين حرام شرعاً" كانت فتوى "لها شنة ورنة" كما يقول المصريون، أي أحدثت ردود فعل مدوية، عام 1999، فقد صدرت فتوى من دار الإفتاء المصرية حينئذ بأن "العلم قطع في عصرنا الحالي بأضرار استخدامات التبغ على النفس، وحرم الإسلام على كل مسلم كل ضار، لكي يحفظ على المسلم نفسه ودينه وعقله وماله وعرضه. وتمت طباعة لافتات ضخمة مكتوب عليها "التدخين حرام شرعاً" وتزامن ذلك ومبادرات عدة لمناهضة التدخين.

لكن ظل التدخين جزءاً من ثقافة المصريين العصية على التعديل أو التغيير حتى في ظل الفتاوى. وعلى رغم موجة التدين الهادرة التي تبدو معالمها واضحة في الشارع المصري، إلا أن موهبة الالتفاف على فتاوى بعينها والتمسك بتلابيب غيرها إضافة إلى خفوت الصوت الرسمي المناهض للتدخين في الأعوام القليلة الماضية جعلت من متصل يسأل أحد المشايخ الذين يطلون على الملايين على مدار الساعة عبر الشاشات عن حكم فتح كشك يبيع السجائر وقول الشيخ إنه حرام شرعاً إلى تأكيد المتصل للشيخ أنه إذا كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لاكتساب الرزق، فإن الله غفور رحيم. ثم أنهى الاتصال.

الطريف والمثير أن دار الإفتاء ما زالت تؤكد أن التدخين حرام شرعاً، لكنه (التدخين) في الوقت نفسه لا يبطل الوضوء. من جهة أخرى، التدخين، وعلى وجه الدقة "الشيشة"، جاري تقنينها وتحصيل الرسوم المقررة عليها لعل المضغوطين والمحبطين والمتعبين يجدون متسعاً من المنافذ للتنفيس عن ضغوطهم.

 

وبعيداً من ضغوط المدخنين والمحبطين وخطوات الحكومة وأرباح التجار وأصحاب المقاهي، ومن وجهة نظر علمية وصحية أوضحت المستشارة الإقليمية لمبادرة "التحرر من التبغ" في المكتب الإقليمي لـ"منظمة الصحة العالمية" لشرق المتوسط، فاطمة العوا لـ"اندبندنت عربية" أن الضرائب المفروضة على "الشيشة" في مصر تعتبر منخفضة جداً، إذ تفرض الضريبة على طن التبغ وليس "حجر الشيشة". ولأن "منظمة الصحة العالمية" و"مبادرة التحرر من التبغ" تعتبران خفض استهلاك التبغ غاية لتحسين الصحة وتقليل أعباء القطاعات الصحية لعلاج الأمراض الناجمة عن التدخين، فإن إحدى الوسائل المعتمدة هي فرض الضرائب.

وتقول العوا إن "الشيشة" لم تمنع رسمياً في مصر إلا بسبب كورونا. مشيرة إلى أن فترة منع "الشيشة" بسبب الوباء أثبتت حسن إدارة الموقف من قبل الحكومة المصرية، وقدرتها على التطبيق الصارم والمستمر، إلا أنه بعد انتهاء الإجراءات الاحترازية عادت الأمور لما كانت عليه.

وتطالب العوا بصرامة تطبيق القانون في ما يختص بمنع "الشيشة" والتدخين عموماً داخل الأماكن المغلقة حفاظاً على الصحة العامة. كما تؤكد ضرورة تطبيق مبدأ مستوى واحد لفرض الضريبة على منتجات التبغ جميعها، حتى لا يلجأ المدخنون إلى هجر وسيلة تدخين لأخرى أرخص.

وفجرت فاطمة العوا مفاجأة، إذ إن معظم دول العالم تشهد انخفاضاً في معدلات المدخنين، ما عدا ست دول بينها أربع في إقليم شرق المتوسط هي مصر ولبنان والأردن وعمان، وذلك بحسب "تقرير منظمة الصحة العالمية العالمي عن اتجاهات انتشار تعاطي التبغ 2000-2025" الصادر عام 2021.

العوا تؤكد أن الإجراءات التي تهدف إلى رفع أسعار منتجات التبغ عادة يكون لها تأثير إيجابي في استهلاك التبغ، لكن ما تقصده المستشارة الإقليمية بـ"التأثير الإيجابي" هو خفض الاستهلاك، وهو حتماً ليس التأثير الإيجابي المرجو والمتمنى من قبل المدخنين المصرين على نفث دخان القرف والضغط والقلق والتوتر في سيجارة أو حجر "شيشة" أو سيجارة إلكترونية.