Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سان سيمون يخبر العالم أن الصناعة وحدها تبني العصور الحديثة

يوم اكتشفت القاهرة أفكاره التقدمية وتابعت مشروع قناة السويس على خطاه

يرى سان سيمون أن الوضعية الأكثر ملاءمة للصناعة هي تلك الملائمة للمجتمع (مواقع التواصل)

هناك فصل من تاريخ الحداثة في العالم العربي، لا سيما في تاريخ مصر، كان يبدو لسنوات خلت منسياً تماماً، فأيقظته من النسيان قبل ما يقرب من عقد ونصف العقد من الزمن ندوة أقيمت في المجلس الأعلى للثقافة في القاهة تناولت حياة المفكر الفرنسي سان سيمون وإنجازاته. ولكن لماذا في مصر؟ بالتحديد لأن الفصل المذكور إنما يتعلق بحضور الـ "سان – سيمونية" كمذهب فكري وممارسة تقدمية في مصر تحديداً عند بدايات القرن الـ 19، وذلك عبر مجموعات من المهندسين والعلماء معظم أفرادها من الفرنسيين من أتباع وحواريي سان سيمون الذين قصدوا "المحروسة" كأرض خصبة لتطبيق أفكار معلمهم الاشتراكية.
والغريب في الأمر أن تلك الحقبة كانت شبه مجهولة في مقابل الشهرة الواسعة التي تمتع بها الجانب الفكري والإبداعي والعلمي من حملة نابوليون بونابرت في مصر، والسمعة الكبيرة التي حازها شق قناة السويس على يد المهندس فرديناند دي ليسيبس يعاونه المصري محمد مظهر الذي كان قد تدرب لدى الـ "سان سيمونيين"، وربما لأن نشاطهم الذي كان شق قناة السويس أصلاً من مشاريعه الكبرى وتوسط المرحلة التي فصلت بين "الحملة" وشق القناة، فكان من المنطقي أن ينسى حتى تأتي الندوة القاهرية بعد ما يقرب من قرنين، لتعيده إلى الواجهة معيدة العديد من أفكار سان سيمون نفسه إلى التداول في الحياة الفكرية والعربية بخاصة. ومن أبرز تلك الأفكار ما يتعلق بالصناعة والعمران، علماً بأن كارل ماركس استعار كثيراً من أفكار الرجل وتحديداً في ثنايا كتابه الرئيس "رأس المال"، ولا بد من أن ننطلق في كلامنا هنا من تركيز سان سيمون على الصناعة في جل أفكاره التي راح حواريوه ينشرونها في العالم، باعتبار أن "المجتمع بأسره يتمركز على الصناعة، فالصناعة هي الضمانة الوحيدة لوجوده والمصدر الوحيد لثرواته كلها وازدهاره".

من الصناعة إلى المجتمع

ومن هنا يرى سان سيمون أن "الوضعية الأكثر ملاءمة للصناعة هي تلك الملائمة للمجتمع، وهنا تكمن في الوقت نفسه نقطة انطلاق جهودنا ومبتغاها"، مما يجعل مهمتنا في رأي سان سيمون تقوم على الكشف عن أهمية الصناعة وعن التأثير السياسي الذي من شأنها أن تمارسه، ويبدو هو بكل وضوح منتمياً إليها".

ويضيف المفكر أن "مهمتنا هي توعية الصناعة بمصالحها وتعريفها أكثر بطبيعة قواها وإمكاناتها، وإظهار العقبات التي ينبغي عليها قهرها، ومهمتنا أن نساند الصناعة ونساعدها في مشاريعها، من جهة لكي نتصدى للاستبداد ومن جهة ثانية لكي نعلن قدوم الثورات، ومهمتنا هي تعزيز النظام الصناعي عبر تعزيز الصناعة".

والحقيقة أن هذا الكلام لم يأت في تقرير حكومة اشتراكية بل في سياق الكتاب الأشهر بين مؤلفات ذلك المفكر الفرنسي، "الصناعة"، والذي نشر بين عامي 1817 و1818 ليحدث في زمنه ضجة كبرى، ذلك أن المجتمعات بالكاد كانت في تلك الحقبة قد خرجت من النظام الاقطاعي والارستقراطي لتدخل العصور الحديثة، وهي عاجزة عن فهم دخولها إلا من منطلق أخلاقي، وقد فاتها أن للأمر أبعاداً اجتماعية واقتصادية وسياسية، وها هو سان سيمون يقول لها إن الصناعة التي بدأت تعيش نشاطاتها ليست مجرد نشاط اقتصادي فقط، بل هي كذلك وعلى وجه الخصوص نمط حياة وأداة لإحداث تبديل جذري في سيرورة المجتمع.

والحقيقة أن ما كان يهم سان سيمون هنا لم يكن الصناعة بصفتها فقط أسلوب عمل، بل الصناعة نفسها وإنما بكونها منطلقاً لهيمنة القوى الصناعية في العالم الحديث، وانهيار النظام القديم المنظور إليه باعتباره انهياراً نهائياً لبنية اجتماعية معينة، والحلول الحتمي في المقابل للمجتمع الصناعي.

بين الدوق والكونت

هناك اثنان على الأقل في تاريخ الفكر الفرنسي يحملان اسم سان سيمون، أولهما دوق والثاني كونت، أما الأول فقد خلف بين القرنين الـ 17 والـ 18 مذكرات في عدد كبير جداً من الأجزاء تحكي تاريخ فرنسا في زمنه، وأما الثاني والذي عاش بعد الأول بـ 100 عام فخلف كتباً ودراسات أسست للفكر الاشتراكي، معلنة بدايات العصور الحديثة ومطلقة في العالم رواداً يطبقون أفكارهم، وفي أكثر الأحيان على شكل جمعيات تضم مهندسين وتقنيين ومفكرين وحتى رجال صناعة وابتكار.

قادمة لا محالة

بالنسبة إلى الكونت سان سيمون فالأمر يتعلق بـ "المجيء الحتمي للمجتمع الصناعي"، إذ "مهما كانت الجهود التي تبذلها الشرائح الرجعية لقلب مسيرة الثورة فإن النمو المتعاظم للنشاطات الصناعية سيحطم في شكل جذري التنظيم الاجتماعي القائم لمصلحة بناء متلائم مع متطلبات الصناعة، والحال أن كتابات سان سيمون ونشاطاته كلها سواء كانت نصوصاً نظرية جرى التعبير عنها وعن غيرها في كتاب "الصناعة" كما في غيره، أو كانت من تلك الخطوات العملية التي مارستها الجمعيات "سان – سيمونية" في أنحاء عدة من العالم، ستكون تأملاً في هذه الحتمية من ناحية واشتغالاً عليها من ناحية أخرى، وبرهاناً في الوقت عينه على الأسباب التاريخية والاقتصادية لهذه الضرورة، وبحثاً عن الخطوط الكبرى لمجتمع المستقبل هذا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ترتيب فلسفة التاريخ

وهذا التأمل المركزي هو الذي دفع سان سيمون إلى إعادة ترتيب فلسفة متكاملة للتاريخ، "فإذا كان الحدث التاريخي الأساس هو تنظيم هذا المجتمع الصناعي فسينبغي البحث عن ارهاصاته في مسيرة التاريخ نفسها، لكونه يتكون في بطء وحتى داخل المجتمع الاقطاعي".

ويرى سان سيمون هنا أننا في هذا السياق نفسه، ولرصد جذور قيام المجتمع الصناعي الحديث "علينا أن نعود لزمن انعتاق الكومونات الحرفية والتصنيعية في العصر الوسيط"، إذ إنه عبر تلك الكومونات جرى انفصال النظام المدني عن النظام الاقطاعي ليكون عناصر مجتمع المستقبل.

وعلى هذا النحو تتكون "منهجية تاريخية تهدف إلى إعادة درس التاريخ انطلاقاً من ظواهر النمو الصناعي"، ومن هنا سيكون من المهم "من أجل الوصول إلى ادراك علمي لحركة هذا التاريخ إعطاء الأفضلية للظواهر الاقتصادية والبحث داخل هذه الظواهر عن السببيات الجوهرية التي تحدد العقلانية الاجتماعية خارج إطار التوهان في خضم السياسة".

من الصناعة إلى صانعيها

وفي انتقال ذي دلالة هنا، فمن النظري إلى العملي ينطلق سان سيمون من الحديث عن المجتمع الصناعي إلى الحديث عن صانعي هذا المجتمع وهم العمال والصناعيين، أولئك الذين لا يمتلكون سوى قوة عملهم ويستخدمونها ليعيشوا بفضلها، ولكن كذلك ليبنوا المجتمعات الجديدة استناداً إليها وانطلاقاً منها، ومن هنا يعيد سان سيمون الأمر إلى الانسان نفسه، إذ يجعل من هذا العلم علماً أساسياً إنسانياً، وذلك كما يقول في نص آخر له عنوانه "مذكرة حول علم الإنسان"، بالاستناد إلى "الكتب الأربعة الأكثر دلالة بالنسبة إلى هذا العلم، وهي بالنسبة إليه كتب "فيك دازير" و"كاباني" و"بيشا" و"كوندورسيه"، التي "خطت خطوة مهمة في المجال العلمي، وذلك حين عالجت علم الانسان انطلاقاً من المنهج المستخدم في بقية علوم التأمل الأخرى، أي عبر إسناد الحجج إلى وقائع ملاحظة ومناقشة، بدل أن يتبعوا المسيرة التي تتبناها العلوم الحدسية، إذ يتم ربط كل الوقائع بحجة واحدة".

في سبيل السعادة

ولا يفوت سان سيمون هنا أن يؤكد أن "كل شيء بالصناعة ومن أجلها"، وأن القرن الـ 18 لم يتوقف عن التدمير، أما "نحن فلن نتابع عمله التدميري هذا بل على العكس سنسعى إلى ترسيخ أسس بناء جديد نسعى لكي تكون السياسة والأخلاق والفلسفة منهمكة فيه، وذلك بالقيام بمهمتها الحقيقية وهي توفير السعادة الاجتماعية"، لأن المجتمع بأسره "يتمركز على الصناعة والصناعة هي الضمانة الوحيدة لوجوده".

والحال أن سان سيمون سيكرس حياته كلها لهذه الغاية، وهي حياة لم تكن طويلة، فهو ولد عام 1760 في باريس ابناً لعائلة نبيلة إنما فقيرة، وتلقى منذ بدايته تعليماً يليق بطبقته، وحين صار في الـ 17 جند ضابط صف في الجيش ثم أرسل ليحارب مع لافاييت في الولايات المتحدة، وهناك ترسخت أفكاره حول الثورة والصناعة والديمقراطية، وبعد ذلك كانت جولات له في أوروبا أبعدته من المشاركة في الثورة الفرنسية، لكنها لم تبعده من الاهتمام بالسياسة والنضال.

وفي العام 1802 نشر كتابه الأول "رسائل من قاطن جنيف إلى مواطنيه"، وهو خلال الفترة التالية من حياته وحتى رحيله عام 1825 شارك في النضالات السياسية ونشر كثيراً من الكتب وأسهم في نقاشات فلسفية، كما أشرف على تكوين الجماعات الـ "سان – سيمونية" التي راحت تنتشر في البلدان ناشرة أفكارها الاشتراكية، والاشتراكية الخيالية بالنسبة إلى بعضهم.

المزيد من ثقافة