Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي تعنيه قاذفة "رايدر" النووية الشبحية الجديدة لأميركا؟

تمتلك قدرات اختراق دفاعات الخصم وإدارة المعركة والتحكم في شبكات الدرون معاً

تكتم أميركي حول تفاصيل آداء الطائرة القاذفة الجديدة كي لا يتم تطوير إجراءات مضادة فعالة (أ ف ب)

ظهرت أحدث قاذفة قنابل نووية شبحية أميركية للمرة الأولى يوم الجمعة الماضي بعد سنوات من التطوير السري، وكجزء من رد البنتاغون على المخاوف المتزايدة بشأن صراع مستقبلي مع الصين، التي تستعد لامتلاك 1500 سلاح نووي بحلول 2035. لكن طائرة "بي 21 رايدر" الشبحية الجديدة، التي تعمل بطاقم أو من دون طاقم، والتي تمثل خلاصة 50 عاماً من تكنولوجيا الإخفاء، ستحدث تغييراً مهماً قد يضيف للولايات المتحدة ميزة استراتيجية، فما هي قدرات هذه الطائرة؟ ولماذا تراهن عليها واشنطن لتأكيد تفوقها العسكري على خصومها؟


لماذا "رايدر"؟

تحت اسمها الأشهر "بي 21 رايدر" والمعروفة بين الطيارين بلقب "تي 1" أو "001"، ظهرت أحدث قاذفة قنابل نووية أميركية للمرة الأولى يوم الجمعة الماضي بعد سنوات من التطوير السري، ضمن استعداد وزارة الدفاع الأميركية لصراع مستقبلي محتمل مع الصين، وهو ما يشير إليه ضمنياً اختيار اسم (رايدر) للقاذفة الأكثر تطوراً في العالم، على عكس نسخ القاذفات السابقة التي اكتفت برموز مختصرة مثل "بي 1" و"بي 2" و"بي 52"، إذ إن اسم "رايدر" مشتق من "دوليتل رايدرز"، وهي الضربات الجوية الأولى التي نفذتها القاذفات الأميركية عام 1942 على طوكيو خلال الحرب العالمية الثانية، كرد مباشر على هجمات اليابانيين غير المبررة على ميناء بيرل هاربور الأميركي.

ويبدو أن اختيار هذا الاسم يحمل إشارة غير مباشرة إلى قدرة القاذفة الشبحية الجديدة التي يصعب رصدها بأجهزة الرادار، على الوصول بسهولة إلى أراضي الصراع المحتملة في المحيطين الهادئ والهندي، في حال بدء بكين صراعاً عسكرياً مع حلفاء الولايات المتحدة حول تايوان أو الأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي أو الشرقي. وهو أمر يتوقعه محللون عسكريون في الولايات المتحدة عام 2027 أو بعد ذلك بقليل، وفي ذلك الوقت ستكون الولايات المتحدة قد أنتجت عشرات من القاذفة النووية المتعددة المهام، والتي لم تُعرف حتى الآن التفاصيل الدقيقة حول قدراتها الأكثر تفوقاً في العالم.

ردع الخصوم

تعد القاذفة "بي 21 رايدر" جزءاً من جهود البنتاغون لتحديث ثالوث الولايات المتحدة النووي، والذي يتضمن صواريخ باليستية نووية تطلق من الصوامع، ورؤوس حربية تطلق من الغواصات، فضلاً عن القاذفات النووية التي تمتلك منها 171 قاذفة، وفقاً لتقديرات عام 2013، في مقابل 118 قاذفة لدى الصين و195 لدى روسيا. بينما يعتزم البنتاغون إنتاج 100 قاذفة على الأقل من "رايدر" والتي ستصبح مكوناً رئيساً لقوة القاذفات الاستراتيجية الأميركية، إلى جانب قاذفات "بي 52" المُحدثة والمعاد تصميمها لعقود مقبلة، ما يوفر قدرات الردع النووي والهجوم التقليدي، بحسب ما أوضح مسؤولو القوات الجوية الأميركية.

ويعتبر البنتاغون أن "بي 21 رايدر" ضرورية بشكل خاص لضمان قدرات الردع في مواجهة الترسانة الاستراتيجية الصينية المتنامية، التي تقترب من امتلاك 1500 سلاح نووي بحلول عام 2035، كما أن مكاسبها في مجال الصواريخ الهايبرسونيك الأسرع من الصوت والحرب الإلكترونية وقدرات الفضاء، تمثل التحدي الأكثر أهمية للأمن القومي للولايات المتحدة والنظام الدولي الحر والمفتوح، وفقاً لتقرير الصين السنوي الصادر عن البنتاغون أخيراً.

إشارات لروسيا والصين

 كما أن القاذفة "بي 21 رايدر" ستمثل حجر الزاوية في استراتيجية الأسلحة التقليدية الأميركية في مواجهة الصين عسكرياً على مسافات كبيرة وفي بيئة قتالية تتطلب الوصول إلى المنطقة، إذ يقول مارك جونزينغر، مدير المفاهيم المستقبلية وتقييمات القدرات في معهد "ميتشل" لدراسات الفضاء، إن الكلمة الوحيدة التي ترددت بقوة خلال العرض التقديمي للقاذفة "بي 21 رايدر" من جميع المتحدثين كانت "الردع "، وجزء من تحقيق ذلك هو إرسال إشارات للآخرين بأن الولايات المتحدة لديها قدرة جديرة بالثقة، ولكن في الوقت نفسه، يجب أن يكون هناك قدر كافٍ من عدم اليقين حول تفاصيل الأداء للطائرة القاذفة الجديدة حتى لا يطوروا إجراءات مضادة فعالة.

ويرى تود هاريسون، وهو محلل دفاعي في "ميتري استراتيجي إنسايتس"، أن الكشف العلني عن طائرة كهذه يمثل قراراً محسوباً لإظهار وجود قدرة متفوقة من دون الكشف عن الكثير عنها، ما قد يساعد في ردع روسيا أو الصين عن القيام بأشياء قد تدفعنا إلى الحرب. ولكن من ناحية أخرى، لا ترغب أميركا في إظهار الكثير، لأنها لا تريد أن تجعل من السهل على الخصوم تطوير الخطط والتقنيات لمواجهة قدراتها.

لا نظير لها

وبحسب وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، فإن هذه ليست مجرد طائرة أخرى، وإنما تجسيد لتصميم أميركا على التفوق والدفاع عن الجمهورية. وروج أوستن لقدرات القاذفة الجديدة، ولكن بشكل مقتضب، إذ أشاد بالمدى الذي تتمتع به "بي 21 رايدر" وكفاءة استهلاك الوقود، وأن الدفاعات الجوية الأكثر تقدماً في الخدمة حول العالم ستكافح لاكتشافها. كما سلط الضوء على درجة عالية من قدرة الطائرة على التكيّف المستقبلي، وستكون قادرة على حمل أسلحة جديدة لم يتم اختراعها بعد، وأنها لن تحتاج إلى دعم لوجيستي محدد لإبقاء أي هدف في خطر، لكنه لم يقل ما إذا كان حديثه يأخذ في الاعتبار إعادة التزود بالوقود في الجو أو المدى الإضافي المكتسب من استخدام أسلحة المواجهة مثل صاروخ "كروز" مستقبلي بعيد المدى.

ومع ذلك، فإن البيانات الصادرة عن الشركة المنتجة "نورثورب غرومان" والقوات الجوية الأميركية تشير إلى أن "بي 21 رايدر" تتمتع بقدرات واسعة ومدى أطول مع حمولات صافية ملحوظة، والتي يمكن أن تشير إلى تكنولوجيا المحرك المتقدمة، وهيكل الطائرة الفعال للغاية، وحمل الوقود الهائل، ما يجعلها أكثر الطائرات تقدماً على الإطلاق، وأنها هي آلة مهيبة ذات مظهر مستقبلي، كما يشير اتخاذها لوناً رمادياً فاتحاً للغاية إلى الثقة التي ستسمح باستخدامها نهاراً وليس فقط ليلاً، كما تفضل معظم القاذفات الاستراتيجية بهدف تحقيق أعلى درجات الأمان. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قدرات خيالية

وعلى رغم أنه لم يُعرف سوى القليل عن العلم والإبداع المنسوجين في تصميم القاذفة الجديدة، وأن الأمر سوف يستغرق سنوات حتى تظهر فكرة مفاهيمية شاملة عن الكثير منها، إلا أن توم جونز، رئيس وحدة أنظمة الملاحة الجوية في "نورثروب غرومان"، أشار إلى قدرة القاذفة على دعم رؤية القيادة والتحكم المشتركة الشاملة (جادسي 2) التابعة للجيش الأميركي، والتي تركز على تكامل الشبكات والربط بين القوات والأسلحة المتقدمة والقدرات المرتبطة بها ضمن العمليات العسكرية المستقبلية، كما تم تطويرها مع بنية الأنظمة المفتوحة التي تسمح لها مستقبلاً باستيعاب التطور المتوقع في نظم التسليح والتفوق التكنولوجي، ما يقدم حقبة جديدة من القدرة والمرونة والاستدامة التي تسمح لها بالعمل لفترة تتراوح بين 30 إلى 50 سنة مقبلة.

ويشير موقع "وور زوون" المتخصص في شؤون الدفاع والحرب، إلى أن الاستخدام الكبير لتقنيات وأدوات الهندسة الرقمية، سمح بتكرار وتطوير التصميم بسرعة وإجراء اختبار أكثر فائدة قبل أن تطير الطائرة، وأن "بي 21 رايدر" التي تنتمي للجيل السادس، هي عبارة عن منصة متعددة الأغراض أكثر من كونها مجرد قاذفة، وأنها قادرة على إدارة حرب إلكترونية والقيام بعمليات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات. كما كانت هناك مناقشات حول إمكانية أن يكون للطائرة دور قتالي جو-جو، بطريقة دفاعية فقط، فضلاً عن أنه من المفترض أن تلعب دور القائد لمجموعات من شبكات طائرات "درون" ذات درجات عالية من الاستقلالية.

وأوضحت القوات الجوية الأميركية أن الطائرة "بي 21" هي جزء من عائلة من أنظمة الضربات طويلة المدى، والتي كان نطاقها الكامل محاطاً بالسرية، ومن المؤكد أنها تضمنت قدرة على حمل أسلحة جديدة، مثل صاروخ "كروز" النووي بعيد المدى في المستقبل، والذي سيكون بإمكان "بي 21 رايدر" و"بي 52" حمله، بالإضافة إلى أجهزة استشعار وأنظمة مهمة أخرى، وربما حتى تشمل بشكل مباشر العمل مع طائرات أخرى خفية مأهولة وغير مأهولة.

مواصفات التخفي

تم تصميم "بي 21 رايدر" بعد عقود من الدروس المستفادة من القاذفة الأم "بي 2"، التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، لجعل الطائرة قادرة على توفير قدرات تخفٍ عالية الجودة بشكل موثوق، ما يسمح لها تقديم مزايا مهمة عندما يتعلق الأمر باختراق أو تفادي الدفاعات الجوية للعدو لتنفيذ ضربات كبيرة بنجاح والعودة إلى القاعدة بأمان.

ومن المتوقع أن يستفيد الأنف الأقل بروزاً والحجم الأصغر للطائرة "بي 21 رايدر" والذي يقل بنحو 15 في المئة عن نموذج "بي 2"، من قدرتها على الطيران من دون أن يتم اكتشافها عبر المجال الجوي المتنازع عليه بشدة، حيث سيكون من الصعب رصدها، خصوصاً وأن المواد الماصة لأشعة الرادار على سطح الطائرة، تستخدم نوعاً جديداً من الطلاء يطلق عليه اسم (مادة بديلة عالية التردد)، والتي تعد من الأسرار العليا. ففي حين أن الطلاءات الحالية المطبقة على مقاتلات التخفي مثل "أف 35" تمتص ما يزيد على 70-80 في المئة من الطاقة الكهرومغناطيسية الواردة (موجات الرادار)، إلا أنها تتطلب درجة عالية من الصيانة شديدة الحساسية ومكلفة للغاية، وتمكنت شركة "نورثروب" من الاستثمار مع القوات الجوية في طلاءات ومواد جديدة في هيكل طائرة "بي 21 رايدر"، جعلها ليس فقط أكثر فاعلية من المواد السابقة، بل أيضاً أسهل في الصيانة النموذجية.

كلفة الطائرة

تتوقع القوات الجوية في نهاية المطاف استبدال جميع قاذفاتها الشبحية الحالية من طراز "بي 2"، بالإضافة إلى طائرات "بي 1" ذات الأجنحة المتأرجحة، بطائرات "بي 21 رايدر" في السنوات المقبلة، على أن يبدأ ذلك عام 2025، مع وجود أول أسراب من هذه القاذفات داخل قواعد جوية بولايات ساوث داكوتا وميسوري وتكساس. ومع ذلك من غير المعلوم حتى الآن مقدار كلفة كل طائرة، إضافة إلى البرنامج الإجمالي، لكن القوات الجوية كانت قد أعلنت أن متوسط تسعير الوحدة التقديري، من دون احتساب تكاليف البحث والتطوير، لا يزال أقل من الهدف البالغ 550 مليون دولار، في السنة المالية 2010، والذي تم تحديده سابقاً. وهذا يعني أن متوسط كلفة الوحدة المتوقعة الحالية يجب ألا يزيد على 692 مليون دولار في السنة المالية 2022.

وتقدر التكلفة الإجمالية المقدرة للبرنامج بأكمله حالياً بحوالى 203 مليارات دولار في السنة المالية 2019، لكن بعد تعديلها وفقاً للتضخم، تبلغ هذه الكلفة الإجمالية المقدرة بنحو 240.4 مليار دولار في السنة المالية 2022.

أول رحلة

وفي وقت ما من العام المقبل، من المتوقع أن يحلق اللفتنانت كولونيل كليفتون بيل وطيار الاختبار في شركة "نورثروب غرومان" كريس موس بطائرة "بي 21 رايدر" في الجو، ما يجعلها الرحلة الأولى لقاذفة مصممة لتكون أكثر الطائرات الحربية الشبحية تقدماً على الإطلاق. وستكون هذه أول رحلة تجريبية لقاذفة أميركية جديدة منذ 33 عاماً حينما أقلعت القاذفة "بي 2 سبيريت"، كأول قاذفة شبحية في العالم، من منشأة إنتاج "نورثروب" ذات الإجراءات الأمنية المشددة في مصنع 42 في بالمديل بولاية كاليفورنيا، وهبطت بعد 112 دقيقة في قاعدة إدواردز الجوية.