Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تفشى "خطاب الكراهية" في سودان ما بعد الانتفاضة؟

تحتاج البلاد ترياقاً اجتماعياً يعتني بواقع التعدد القبلي والإثني والسياسي ويقر بحقيقة التنوع والحقوق المكفولة للجميع

تفشي خطاب الكراهية دفع مواطني بعض الأقاليم إلى المطالبة بوضع تشريعات وقوانين رادعة (اندبندنت عربية – حسن حامد)

"الناس في بلدي يصنعون الحب"، أغنية شبابية ذاع صيتها في تسعينيات القرن الماضي، وهي تحكي عن التسامح والسلام أملاً في فجر جديد، حين ضاق أولئك الشباب ذرعاً بممارسات النظام السابق. وظهرت أغنيات أخرى على الوتيرة نفسها حين تفاقم الصراع في أقاليم جنوب السودان ودارفور والنيل الأزرق على أساس قبلي وإثني. وبعد انفصال جنوب السودان إلى دولة مستقلة عام 2011، بقيت مسارح الصراع في دارفور والنيل الأزرق. وعندما سقط النظام السابق كان المجتمع والأحزاب السياسية تشبعت بأرتال من الخصومات السياسية من جراء الكبت الذي مورس عليهم، ولم يستطع أحد صناعة الحب.

 تجلى مفهوم التسامح كقيمة إنسانية في معظم الحضارات القديمة، كما نجده واضحاً في المنظومة الفلسفية في عصر "العقلانية"، إذ عد الفيلسوف جون لوك "التسامح هو الحل العقلاني لظاهرة الصراعات والحروب الدينية". أما الفيلسوف الفرنسي فولتير فقال كلمته المشهورة، التي صارت حكمة تُتوج بها النصوص حين يراد الحديث عن الإعلاء من شأن الحرية والقبول بالآخر وعدم إقصائه وتهميشه، "إنّني لا أوافق على ما تقول، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقول ما تريد".

قد تكون ثقافة التسامح إلى الآن بعيدة عن سودان ما بعد الانتفاضة، والصورة ليست مشرقة تماماً والبلاد تعاني "أزمة الوحدة المتنوعة". وعلى رغم دعوات التكامل والوحدة قديماً، إلا أنها لم تنأ عن ثقافة الشعارات والهتافات التي تفرغ لها الانتفاضة، وذلك في مقابل ما كان يقوم به النظام السابق حين أعلن عن تخوفه من "نظرية المؤامرة والخوف من الآخر" الذي، في عرفه، دائماً ما يضمر شراً.

تدابير تشريعية

على إثر حدة الخطاب العنصري، تفشى "خطاب الكراهية" مما حدا بمواطني بعض الأقاليم المطالبة بوضع تشريعات وقوانين حاسمة ورادعة، لمحو أي خطاب يتضمن عبارات تشي بالكراهية. وقد شهدت أقاليم عدة في السودان نزاعات قبلية بسبب خطاب الكراهية.

قال حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة بادي، إنه أصدر توجيهات للقوات النظامية بـ"عدم التساهل مع مثيري العنصرية والكراهية في الإقليم"، وذلك بعد أيام من تصعيد أمني خطير، إذ حدثت اشتباكات قبلية دامية في يوليو (تموز) الماضي في ثلاث محليات بولاية النيل الأزرق بين قبائل الأنقسنا والهوسا، أسفرت عن حوالى 65 قتيلاً على الأقل وعشرات الجرحى كما أحرقت أعداد كبيرة من المنازل والمتاجر علاوة على نزوح الآلاف.

وفي إقليم النيل الأزرق أيضاً، الذي يعاني من صراع إثني، أقيمت أخيراً ورشة بالخصوص شدد خلالها حاكم الإقليم أحمد العمدة بادي على "أهمية حسم خطاب الكراهية والعبارات التي لا تليق بحقوق الإنسان لضمان وحدة السودان وتماسك شعبه"، مبيناً أن "حكومة الإقليم تعول على رجالات الدين الإسلامي والمسيحي والشباب والمرأة في مناهضة خطاب الكراهية المبني على النوع والجنس". ولفت إلى "ضرورة الاستفادة من الفعاليات الثقافية والنقاش للخروج بنموذج يمهد الطريق للتصالح والتسامي والتعايش واحترام النوع والتعدد في الثقافات، كي لا ينقاد المجتمع  لمستوى النعرات القبلية ويمنع انتشارها".

من جانبه، قال رئيس المفوضية القومية لحقوق الإنسان رفعت الأمين، إن "المفوضية تقوم بأدوار عدة بدءاً من المساعدة في الحماية وتعزيز واحترام حقوق الإنسان، والقيام بالدور الوقائي من خلال نشر وتعزيز الوعي بثقافة حقوق الإنسان، إلى جانب القيام بدور الإنذار المبكر للمشكلات التي يمكن أن تضعف تمتع الإنسان بحقوقه". وأكد الأمين أن "المفوضية تنبهت منذ أمد بعيد للمخاطر المرتبطة بخطاب الكراهية التي باتت تنتشر في الكثير من بقاع السودان". وأضاف "خطاب الكراهية من المشكلات التي تتطلب من الجميع تضافر الجهود والتنبه إلى الحاجة للتدابير التشريعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهددات الوحدة

ويقول فائز السليك المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، إن "خطاب الكراهية ظل أحد معوقات استقرار الفترة الانتقالية، بل وأحد مهددات السودان كله في وحدته". وقال "ظلت مواقع التواصل الاجتماعي مضخات كبيرة تضخ آلاف الكلمات المشحونة بعبوات الكراهية الناسفة على مدار اليوم".

ومن واقع الرصد والمتابعة التي قام بها في موقعه كمسؤول حكومي سابق وكمتخصص في مجال الإعلام والصحافة، فقد رد جذور خطاب الكراهية إلى عوامل عدة "أولاً، شابت كل مراحل الانتقال في العالم خطابات كراهية بسبب الصراعات بين القديم والجديد، وبين الجديد المتسابق على السلطة، في غياب ثقافة الديمقراطية وقبول الآخر المختلف سياسياً ودينياً ومذهبياً وإثنياً واجتماعياً، ويمكن الإشارة إلى تجارب بعض الدول المحيطة".

ويضيف إلى العوامل "يعاني السودان من تصدعات قديمة مرتبطة بطبيعة نشوء الدولة القومية وغياب المشروع الوطني. فالسودان كان عبارة عن دويلات وممالك قبلية مثل الفونج والمسبعات والفور وغيرها، فوحد الاستعمار التركي للمرة الأولى تلك الممالك تحت سلطة مركزية في ظل غياب الوحدة الفكرية والسياسية، وفي بلد مترامي الأطراف، متعدد الأديان والأعراق، ما انعكس بصورة واضحة في الحروب الأهلية في الجنوب والغرب". ويؤكد أن "السودان ظل منذ تاريخ وحدته يفتقر إلى مستمسكات الوحدة الوطنية، فسادت القبلية والعنصرية وتفشت الكراهية".

مشروع إقصائي

وسلط السليك الضوء على أن جذور الكراهية تكمن أيضاً في أن "نظام حكومة (الإنقاذ) السابقة القائمة على أساس ديني، ولدت ضغائن مستمرة لمدة 30 عاماً من خلال سياسات التمكين للعناصر الإسلامية، والإقصاء في الوقت ذاته لكل الذين لا ينتمون إليه، مع وجود استثناءات قليلة. ولكن الأخطر من ذلك هو الخطاب الدعائي المبني على تدمير المختلف تدميراً كاملاً". ويضيف "أسس النظام الإسلامي المتطرف لذلك نظرياً عبر خطاب (وليعد للدين مجده، أو تُرق منهم دماء، أو تُرق منا دماء، أو تُرق كل الدماء)، وذلك المشروع الإقصائي اعتمد على سفك الدماء في جميع الأحوال. ورسخ النظام لذلك عبر حرب الجنوب، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، فكان أن وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات لقياداته بمزاعم ارتكابهم جرائم إبادة جماعية".

وتابع المستشار الإعلامي السابق "رسخت جماعات سياسية لخطاب الكراهية عبر تكوين شبكات منظمة، وتعمل بطريقة ممنهجة ضد الانتقال ورموز الفترة الانتقالية، وذلك عبر استهداف الرموز والبرامج. وكان فيسبوك قد أزال ملايين الحسابات الوهمية والمزيفة التي كانت تدار من خارج السودان عبر شبكتين، تنتمي إحداهما إلى قوات الدعم السريع، والثانية إلى الحركة الإسلامية".

كما نوه إلى أنه "في ظل غياب الوعي الثقافي والديمقراطي وضعف المؤسسات الحزبية، وتضييق قوى الحرية والتغيير لقاعدة الانتقال، ساد الشطط والتطرف ومحاولات إلغاء وجود الآخر".

حرب نفسية

بدأت حملة "خطاب الكراهية" بالتعصب القبلي، ولم تنته بالتعصب الفكري والسياسي. ففي ظل حالات الاستقطاب من ناحية والإقصاء من ناحية أخرى، لم يأخذ مفهوم "خطاب الكراهية" حقه من الطرح لأنه اختلطت به ممارسات عدة، بينت الافتقار إلى الاعتراف بالآخر، وهو وتر لا تزال تعزف عليه التيارات السياسية والدينية على حد سواء، ما أثر في طبيعة الشخصية السودانية التي تصنف في معظم الأحيان بأنها شخصية متسامحة.

وفي هذا تقول الاستشارية الأسرية والاجتماعية فوزية حسين "المجتمع السوداني معروف بطبيعته المتسامحة، لكن الظلم المتراكم وحالة العبث السياسي أثرا على هذه القيم وانعكس ذلك على السلوك المجتمعي".

وأشارت إلى أن "أصل خطاب الكراهية يعود إلى فترة الاستعمار، ثم الحكومات الوطنية المتعاقبة، فهي لم تعمل على مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية، وظهر في شكل تفضيل فئة أو قبيلة ما على أخرى، وذلك بالاستناد إلى بعض السمات التي تم التعارف عليها لتحدد القيمة الإنسانية الفعلية مثل العرق والقبيلة أو الدين أو العادات".

وأضافت حسين "تطورت الكراهية من مستوى الخطاب إلى الفعل، وهو ما نشاهده من تفلت أمني، ونهب مسلح، وتنمر اجتماعي".

وفي ما يتعلق باستشراء خطاب الكراهية بعد انتفاضة ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي تحمل شعار "حرية، سلام، وعدالة"، أوضحت حسين أن "الانتفاضة دعت إلى الوحدة ونبذ العنصرية والجهوية، وكشفت عما تتم ممارسته في الخفاء، وأزالت الحواجز بين بعض القوميات السودانية المختلفة. وطبيعي في هذه المرحلة الأولى من التفاعل أن تظهر أشياء كهذه، يحتاج علاجها إلى زمن ومجهود كبير وتكاتف بين مختلف فئات المجتمع".

وتابعت "الصراع على كرسي الحكم والاختلاف بين الأحزاب، أظهرا خطاب الكراهية والعنصرية إلى المشهد مرة أخرى وبقوة ووسائل جديدة على المجتمع، وصلت إلى حد القتل والنهب وحرب المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهي حرب نفسية بغيضة يتم فيها تصفية الأفراد والإساءة إلى أسرهم من خلال الإشاعات".

قيود التمركز

ثمّة ضوء آخر سطع بنشاط الدعوة إلى نبذ "خطاب الكراهية" استجابت لها وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها مسرح الخطاب الأشد تكثيفاً والأكثر استغلالاً لمثل هذا النوع من الخطاب، يستغلها الأشخاص والجهات المختلفة لشعبيتها الواسعة. وهذه الخطوة تسهل على المستخدمين والجماعات المناهضة لخطاب الكراهية الإبلاغ عن المحتوى المسيء، وعندما يظهر تجاوزاً لحدود حرية التعبير أو يتعلق الأمر بمصطلحات إجرامية وتحريضية، والحث على شن جرائم تهدد الناس.

وعلى رغم إيجابية هذه الوسيلة، إلا أنها غير كافية في ظل نشاط وسائل أخرى أو منتديات مفتوحة تتخذ كمسارح لنشر هذا الخطاب. وهذه الحملة ضد "خطاب الكراهية" ينبغي أن تقابلها حملة أخرى تسير في الاتجاه نفسه وبشكل أكثر جدية، بصياغة قوانين رادعة. وقبل ذلك، يحتاج مقابلة "خطاب الكراهية" بترياق اجتماعي يعتني بواقع التعدد القبلي والإثني والسياسي ويقر بحقيقة التنوع والحقوق المكفولة للجميع. أما سياسياً، فأكثر ما تحتاجه النخب هو ألا تتعامل مع هذه الحقوق كمنة تغدقها على من اختلفت سحناتهم أو أفكارهم وتوجهاتهم، فتنعم عليهم بقبولهم كهامش ذي دور تكميلي. وهذا التناقض في تطبيق مفهوم نبذ "خطاب الكراهية" يظهر اجتماعياً حينما يرفض الناس بعضهم بعضاً بينما ينادون سياسياً بقيم التعدد والاختلاف ويعبرون في شعارات براقة عن الانسجام، ولن يزول هذا التناقض حتى تكسر قيود التمركز حول "الأنا" الاجتماعية والسياسية، وهي "أنا" متعالية بطبيعتها بما وفرته لها النخبة خلال أزمان عدة.