Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

واشنطن تكافح لتقويض إعادة تشكيل النظام الدولي

تقرير الـ "بنتاغون" حول الصين انعكاس لاستراتيجية بايدن للأمن القومي وسباق التسلح أصبح واقعاً علنياً

صواريخ لشركة لوكهيد مارتن الأميركية المتخصصة في الدفاع والأمن والتكنولوجيا المتقدمة   (أ ف ب)

في العام 2019 رد سفير الصين لدى الأمم المتحدة تشانغ جون على مطالب الولايات المتحدة لبلاده بأن تكون طرفاً في معاهدة نزع الأسلحة النووية قائلاً، "أعتقد أن الجميع يعرف أن الصين ليست على المستوى نفسه للولايات المتحدة والاتحاد الروسي في ما يتعلق بالأسلحة النووية"، وهذه المطالب الأميركية تعكس قلقاً خاصاً مما يجرى في بكين تؤكده تقارير استخباراتية تراقب عن كثب طموحات التنين الصيني ونزعاته في السيطرة عبر منطقة المحيط الهادئ والهندي، فقبل أيام أشارت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) في تقرير حديث إلى أن حجم الترسانة النووية الصينية سيزداد بأكثر من ثلاثة أضعاف بحلول العام 2035 لتبلغ 1500 رأس نووية، مشدداً على أن بكين تواصل تعزيز قدرات سلاحها الجوي.

ووفقاً للتقرير السنوي حول الجيش الصيني فإن القوات الصينية تتقدم على الصعيدين النووي والتقليدي، مشيراً إلى تخطى المخزون الصيني من الرؤوس النووية الـ 400 حالياً.

إعادة تشكيل النظام الدولي

تقرير الـ "بنتاغون" في شأن التسلح النووي الصيني يأتي ضمن تنبه أميركي إلى ما سيكون له من تأثير في النظام الدولي، ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي نشر البيت الأبيض استراتيجية الأمن القومي الجديدة للرئيس الأميركي جو بايدن، تصور بكين باعتبارها المنافس الأكثر قدرة لواشنطن على المدى الطويل، في حين شكلت موسكو التهديد الأكثر إلحاحاً، وحذرت من أنه في غضون عقد من الزمن ستحتاج الولايات المتحدة إلى ردع قوتين نوويتين رئيستين للمرة الأولى، في إشارة إلى الترسانة الروسية التي تلوح بها موسكو على نحو متزايد، والمخزون الصيني الآخذ في الاتساع.

وفي مقدم الاستراتيجية يميز بايدن بين أنواع التهديدات التي تشكلها موسكو وبكين، وكتب الرئيس أن "روسيا تشكل تهديداً فورياً للنظام الدولي الحر والمفتوح، وتنتهك بشكل متهور القوانين الأساس للنظام الدولي اليوم، كما أظهرت حربها العدوانية الوحشية ضد أوكرانيا".

ويصف الصين من ناحية أخرى بأنها "الدولة الوحيدة التي لديها نية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وبشكل متزايد القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحقيق هذا الهدف"، وتصور الوثيقة بكين على أنها "التحدي الجيو-سياسي الأكبر لأميركا".

 في حين لا يضاهي المخزون الحالي للصين من الرؤوس النووية ما تمتلكه الولايات المتحدة وروسيا اللتان يبلغ عدد الرؤوس النووية لديهما 5428 و5977 على التوالي، لكن في الوقت نفسه فإن الدولتين الحائزتين على نحو 90 في المئة من إجمال الأسلحة النووية بالعالم ترتبطان بمعاهدات للحد من التسليح النووي، بينما ترفض بكين الانضمام إليهما في أية معاهدة نووية.

 

 

ووفق تقرير نشره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام عام 2019، فإن الصين تقف في منتصف عمليات تحديث مهمة لترساناتها النووية، إذ تعمل على تطوير ما يسمى بـ "ثالوث نووي" يتكون من صواريخ برية وبحرية جديدة وطائرات قادرة على حمل الطاقة النووية. 

وبموجب اتفاق "ستارت الجديد" تلتزم واشنطن وموسكو بالحد من انتشار الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وحددت خفضاً بنسبة 30 في المئة للرؤوس النووية المنشورة والأغطية السفلية على قاذفات الصواريخ البالستية العابرة للقارات المنشورة وغير المنشورة، وقاذفات الصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية، ووقع الاتفاق الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، ليصبح بديلاً لـ "ستارت1" الذي انتهت صلاحيته في ديسمبر (كانون الأول) 2009، إذ اتفقا على خفض ترسانتهما النووية بما يصل إلى الثلث، أي ما لا يزيد على 1675 رأساً حربية استراتيجية، و1100 مركبة، وفي ذلك الوقت أصبح كلا البلدين ينشر أكثر من 2000 رأس نووية استراتيجية عبر ثالوث أسلحة برية وبحرية وجوية.

إعادة التفكير في الترسانة الأميركية

اللغة الجديدة التي حملتها الوثيقة الاستراتيجية لبادين ومجدداً تقرير الـ "بنتاغون" في شأن الترسانة النووية الصينية، ربما ينذر بإعادة التفكير في حجم الترسانة الأميركية، ففي حين استهدفت إدارة الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن تقليص مخزون الأسلحة النووية، فإنه سرعان ما عدلت إدارته عن قرارها وسط تلك التقديرات الاستخباراتية التي تفيد بتوسيع الصين مخزونها من الأسلحة النووية.

وفي تعليقات صحافية سابقة أعرب رئيس جمعية الحد من الأسلحة داريل كيمبال عن قلقه قائلاً، "إذا كان علينا القلق في شأن اثنين من المنافسين النوويين القريبين، فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى عدد الأهداف في روسيا والصين التي يعتقد الرئيس أننا بحاجة إلى تعريضها للخطر لردع تلك التهديدات النووية؟ وكيف يؤثر ذلك في العدد الإجمالي للأسلحة النووية الاستراتيجية التي تعتقد الولايات المتحدة والرئيس أنهما بحاجة إلى نشرها؟"

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف، "إنهم ينظرون بشكل أساس إلى القضايا والأسئلة التي يمكن أن تؤدي إلى حسابات أكبر، وهو ليس علماً صعباً، ويمكن أن يكون أكثر أو أقل، وأود أن أزعم أنه حتى لو كان لدى الصين ضعف عدد الأسلحة النووية فلا يزال بإمكاننا وينبغي علينا خفض العدد الإجمالي للأسلحة النووية الاستراتيجية، لأن ما لدينا هو مفرط في أي حساب معقول بالنظر إلى ما يتطلبه الأمر لردع هجوم نووي".

السنوات القليلة الماضية حملت إشارات إلى إعادة النظر من جانب واشنطن في شأن تقليص الترسانة النووية، ففي عام 2020 وخلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، عاد شبح سباق تسلح نووي جديد يلوح في الأفق مع انسحاب واشنطن من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، وسط اتهامات أميركية لروسيا بتطوير صواريخ كروز المحظورة، وهي المزاعم التي أيدها حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ حذر الخبراء من أن انهيار المعاهدة قد يقوض اتفاقات الحد من الأسلحة الأخرى، ويعجل بتآكل النظام العالمي الذي يهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية.

وأصرت واشنطن آنذاك على أن روسيا نشرت في جميع أنحاء البلاد "وحدات متعددة من صاروخ كروز لها القدرة على ضرب أهداف أوروبية غاية في الأهمية" في انتهاك للمعاهدة، لكن روسيا نفت هذه المزاعم وقالت إن مدى الصاروخ يجعله خارج المعاهدة، كما رفضت طلباً أميركياً بتدمير الصاروخ الجديد "نوفاتور9- M729" والمعروف أيضا باسم "إس إس سي 8".

 

 

سباق تسلح

ورداً على التقرير السنوي للـ "بنتاغون"، نفت الصين أن تكون سياستها النووية تندرج تحت أي نوع من سباق التسلح، ودافع المتحدث باسم الخارجية الصينية جاو لي عن السياسة النووية لبلاده باعتبارها "للدفاع عن النفس".

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي وبينما كانت بكين تطالب كلاً من روسيا والولايات المتحدة بخفض مخزونها من الرؤوس النووية، أكدت أنها "ستواصل تحديث ترسانتها النووية من أجل مسائل الموثوقية والسلامة"، لكن تقول دورية "نشرة علماء الذرة" العلمية الأميركية إن دعاة نزع السلاح يؤمنون أن عمليات تحديث الترسانات النووية التي تنطوي على إحلال المتقادم بما هو أكثر تطوراً تتعارض بالأساس مع الهدف الرامي إلى القضاء على الأسلحة النووية.

ووفق تقرير الـ "بنتاغون" فإن عدد الرؤوس الحربية الصينية المثبتة على الصواريخ الأرضية العابرة للقارات "القادرة على تهديد الولايات المتحدة" من المتوقع أن يصل إلى حوالى 200 خلال السنوات الخمس المقبلة، لكن المراقبين يشيرون إلى أن واشنطن لا تزال تقود بكين في تطوير أخطر أنواع الأسلحة في العالم، فوفق دراسة نشرتها "مؤسسة كارنيغي" عام 2021 فإن "التحديثات الجديدة للقدرات الأميركية تذكر الخبراء النوويين في الصين باستمرار بإمكان تعرض رادعهم النووي للخطر"، وربما نتيجة لذلك اتفق الخبراء الصينيون على حاجة بكين إلى مواصلة تحديث قواتها النووية تدريجاً.

ونقلت إذاعة "صوت أميركا" عن الأستاذ المساعد في كلية السياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية إدواردو أرارال قوله "أعتقد أنه يوجد بالفعل سباق تسلح وهذا ليس بجديد، بل هو مجرد امتداد سواء كان بناء تحت سطح البحر أو إمكانات إلكترونية، أو الآن منافسة على قوى الأقمار الاصطناعية، وقدرة الأسلحة النووية هي مجرد استمرار لمخطط أكبر في التنافس بين الولايات المتحدة والصين".

لنجعل الصين عظيمة مجدداً

ويعتقد المراقبون أن القوى الدولية الكبرى تنجرف نحو سباق تسلح جديد، إما من خلال بعض الحنين الغريب للتنافس، أو لأنه لا يمكن لأحد التفكير في أي شيء أفضل للقيام به، لكن الأمر ربما يختلف قليلا بالنسبة إلى الصين، فوجود علامات على توسع الأسلحة النووية في بلد نادراً ما يناقش تطوراته العسكرية يعني أن بكين تأمل على الأقل في إظهار أن ترسانتها يمكنها مقاومة ترسانة واشنطن.

ويقول الأستاذ لدى مركز "دانيال ك. إينوي" لآسيا والمحيط الهادئ للدراسات الأمنية في هاواي ألكسندر فوفينغ في تعليقات لإذاعة "صوت أميركا"، "أعتقد أن هذه إشارة إلى الولايات المتحدة بأن الصين ليست راضية عن موقف واشنطن المتمثل في التمتع بالتفوق النووي".

وليس ذلك وحسب، فثمة قضية أكبر تتعلق بتايوان، تلك الجزيرة الواقعة قبالة البر الرئيس للصين ويبلغ عدد سكانها 23 مليون نسمة، بينما تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، علماً بأن بكين تعهدت قبلاً بإعادتها إلى كنفها ولو بالقوة. وفي أغسطس (آب) الماضي زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي حينها نانسي بيلوسي تايوان في واقعة أججت التوترات، وردت عليها الصين بإجراء مناورات عسكرية كانت الأوسع نطاقاً حول الجزيرة منذ تسعينيات القرن الماضي.

وفي حين انحسر التوتر منذ ذلك الحين، إلا أن مسؤولاً عسكرياً رفيعاً أشار إلى أن الأنشطة الصينية حول تايوان وإن انحسرت لا تزال أوسع نطاقاً من السابق وتشكل مصدر قلق، واعتبر تقرير الـ "بنتاغون" أن ممارسات الصين "في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تزداد قسرية وعدوانية"، وهو تعبير تعتمده الإدارة الأميركية للدلالة على تغير التحالفات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي تعليقات صحافية سابقة قال عالم السياسة لدى مجموعة أبحاث "مؤسسة راند" في واشنطن سكوت هارولد، إن الرئيس الصيني شي جينبينغ ربما يريد أسلحة نووية أفضل كجزء من خططه الأكبر للصين، مضيفاً "إن شي جينبينغ مخلص لفكرة جعل الصين عظيمة مرة أخرى، وإعادة الصين إلى مكانة ما يسميها تجديد الشباب الوطني أو تحقيق حلم الصين، وجزء واحد منه هو الحصول على جيش على مستوى عالمي بحلول منتصف القرن".

المزيد من تقارير