Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جون راسكين الذي انتقل من مناصرة تورنر إلى الدفاع عن الماقبل رافائيلية

سيد النقد الإنجليزي في العصر الفيكتوري طالب بمكانة فريدة ومات في المصحات العقلية

الناقد البريطاني جون راسكين  (غيتي)

منذ التقى الناقد البريطاني جون راسكين (1819 – 1900) مواطنه الرسام ويليام تورنر بات المدافع الرئيس عنه وعن فنه في وجه مناوئيه ومنافسيه كما بات صديقاً له على رغم فارق العمر بينهما. ظلا صديقين طوال عقود من الزمن، لا سيما منذ كرس راسكين لتورنر صفحات قوية في كتابه الكبير "الرسامون المحدثون" مثنياً على ذلك بدراسات نشرها في صحيفة "التايمز" سيقول كثر عنها إنها أسهمت في تبوء تورنر مكانته في الصف الأول بين رسامي زمنه. ومع ذلك كان تورنر يبتسم حين يؤتى على ذكر راسكين أمامه قائلاً إن "صديقي العظيم لم يكتب في نهاية الأمر إلا عن نفسه، ولم يدافع عن مكانة أي شخص آخر بما في ذلك شخصي المتواضع، إلا من باب خالف تعرف".

والحقيقة أن كثراً كانوا يرون هذا الرأي ويستشهدون على ذلك بحقيقة أن راسكين، ما إن اكتشف الرسامين الماقبل رافائيليين في وقت كان قد بات ثمة إجماع من حول تورنر، حتى تبناهم تماماً على الضد من كل لندن وحياتها الفنية. ومن هنا حتى نقول إن راسكين كان يمثل في نهاية الأمر قدراً كبيراً من التناقضات، خطوة يقطعها كثر بسهولة، ولكن في مقابل هؤلاء الكثر كان هناك كثر آخرون يعتبرون هذا المسلك حقاً مشروعاً للرجل الذي جمع في شخصه قدراً كبيراً من المواهب والقدرات الإبداعية والفكرية بحيث يمكن بسهولة مقارنته بالألماني غوته.

حياة أوروبية

وجون راسكين الذي ولد لأب ثري كان من كبار تجار الخمور، مكنته ثروة أبيه من أن يعيش حياة مرفهة ويتنقل باكراً بين بلدان أوروبية عدة ليدرس الفنون والعلوم من مصادرها ويكتب ويرسم ويبتدع نظريات علمية، لا سيما في مجال علم طبقات الأرض الذي أولع به باكراً، ويؤلف في نظريات الهندسة المعمارية وينظم شعراً ويبدع نثراً ثم يجلس بكل هدوء في نهاية الأمر غير متورع عن تحليل إبداعاته لا سيما منها تلك التي كانت الأقل إثارة لاهتمام الآخرين، كرسومه مثلاً. وبخاصة تلك الرسوم التي حققها في جبال الألب الفرنسية التي كان كثيراً ما يتردد إليها، متزعماً ذات مرة حركة احتجاجية لمعارضة مشروع إقامة كازينو للقمار في مدينة شامونيكس في تلك المنطقة الرائعة من العالم.

بالتالي نقرأه وهو ينسف كل إبداعاته في هذا المجال ناسباً إياها إلى رغبات علمية كان يريد التعبير عنها لا أكثر، فيكتب "إنني لفخور بكون تلك الرسوم التي أنجزتها بالألوان المائية خصوصاً قبل يومنا هذا بثلاثين سنة عند سفح قمم ماترهورن، إنما كانت بكل ما فيها صالحة لتكون رسوماً جبلية تنفع تماماً في تقديم صورة صحيحة كل الصحة عما هو عليه علم طبقات الأرض، أو فن المناظر الطبيعية". ولحد علمنا قلة فقط من ممارسي الفن في تاريخ الإبداع أعطت عن فنها تلك الصورة العقلانية التي تحول نتاجات هذا الفن إلى ما يشبه الرسوم التوضيحية.

في مهب الإصلاح الاجتماعي

مهما يكن فإن راسكين لم يكتف أبداً بأن يكون فناناً ومنظراً للفن في وقت واحد، بل أراد دائماً أن يكون أكثر من ذلك بكثير، ومن هنا نراه في فترات كثيرة من حياته، يتحول إلى مصلح اجتماعي صاحب أفكار تكاد تكون اشتراكية قبل ولادة "الاشتراكيات". وحسبنا للتيقن من هذا أن نقرأ مثلاً ما كتبه في رسائله إلى العمال و"البروليتاريين". ولنضف هنا أنه كان مصيباً إلى حد كبير في معظم ما فكر فيه أو كتبه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ومن هنا، لئن كانت الخلافات قد اشتدت بينه وبين رفاقه المقربين، فإن من الإنصاف أن نشير إلى أن جمهور النخبة بل حتى الجمهور العريض كان معه على طول الخط بحيث لم يخطئ الذين رأوا أن آراءه الفنية كانت حاسمة عند بدايات العصر الفيكتوري، مما جعله لا يخسر في كل المعارك التي خاضها سوى تلك التي اصطدم فيها قضائياً بالرسام ويستلر، إذ حوكم وأدين حينها لأنه قال عن فن هذا الأخير إنه "لطخة دهان في وجه الجمهور"، لكن تلك لم تكن المعركة القضائية الوحيدة التي خاضها وخسرها بل لم تكن معركته مع ويستلر شيئاً بالمقارنة مع معركة طلاقه من زوجته التي لم يشفه منها سوى عدد من لوحات جبلية رسمها في شامونيكس الفرنسية، وتفنن فيها برسم الصخور وتفاصيلها وكأنه يستمد من تلك الصخور صلابة يحتاج إليها.

الماقبل رافائيليين

ومع ذلك تبقى علاقة راسكين بالماقبل رافائيليين من أمثال بيرن وجونز وتشارلز كولنز وهولمان هانت وجون إيفرست ميلليه وحتى روزيتي... إلخ، من أجمل علاقاته، وهو الذي آمن بهم وبعلاقة فنونهم بالتراث الأدبي والمسرحي وبتقلبات الطبيعة، منطلقاً من اعتباره أن الفنانين من قبل النهضوي رافائيل كانوا منتجي فنون نقية لا تخضع لأية شروط مسبقة ولا تخدم سوى إبداع الفنان نفسه، وأن كل ذلك قد تبدل بعد انتشار الفن النهضوي الذي، على رغم روعة إجازاته، تحول إلى فن توصية لا يمكن دفع ثمنه سوى الأثرياء.

وفي هذا السياق لم تغب أبداً عبارة قالها راسكين يوماً وفحواها أنه "منذ ظهور فن دورر لم يعد ثمة ما هو جدي وحقيقي في الفن"، مؤكداً أن الماقبل رافائيليين سوف يتمكنون "إن هم واصلوا سلوكهم الدروب الصادقة التي اختطوها لأنفسهم، من أن يؤسسوا الفن الأكثر نبلاً الذي عرفه العالم منذ ما لا يقل عن 300 سنة"، مضيفاً تلك العبارات التي "أخرست" النقاد إذ قال "إن في نية الماقبل رافائيليين أن يعيدوا الاتصال بالماضي البعيد ولو على صعيد واحد. فهم بقدر ما سيستطيعون سوف يرسمون إما ما يشاهدونه مباشرة وإما ما سوف يتخيلون أنه الأثر الحقيقي للمشهد الذي يتطلعون إلى نقله إلى لوحاتهم من دون أن يبالوا بأية قواعد متوافق عليها".

لغة الذات المطلقة

وهنا أيضاً قد يكون من شأن فنان من أقرب المبدعين من راسكين، تورنر على سبيل المثال، ألا يرى في هذا الحماس الراسكيني لأولئك الفنانين الشبان المجددين، سوى سلاح قاطع في وجه النقاد الذين لم يتمكنوا من أن يروا أمام هذا السلاح الذي أبدع راسكين في استخدامه أو التلويح به ضدهم، سوى جزء من معركته الخاصة التي لا يخوضها دفاعاً عن أولئك الفنانين ضد نقادهم، بل بوصفها حملته الهجومية التي كان يسوؤه أن يرى فيها تلك الجمهرة من النقاد وأقطاب الحركة الفنية اللندنية ينكرون عليه كونه الأوحد وفريد نوعه حتى وإن اعتبروه أولاً بين نقاد وفنانين آخرين.

ففي نهاية الأمر، لم يكن ليرضي جون راسكين أن يكون الأول، كان يريد أن يكون الوحيد. ويمكننا أن نقول هنا إنه يبقى بالتحديد صاحب مكانة متفردة، وهو الذي استخدم مواهبه وثروته وقوة شكيمته ليس في خدمة الفن التشكيلي كما في "الرسامون المحدثون"، وليس في خدمة العمران كما في "مصابيح الهندسة السبعة" ولا حتى في خدمة المجتمع كما في رسائله "إلى العمال الإنجليز"، بل تحديداً في خدمة ذاته وأناه المتضخمة تضخم مواهبه، ونجح في تلك "المهمة" إلى حد مدهش!

الكاتب المرجع

ولد جون راسكين في لندن وعاش معظم سنوات حياته متنقلاً في أوروبا كما أشرنا، ولكن بعد أن تلقى دروساً أولية في الرسم المائي على يد كبيرين من كبار هذا الفن، ثم كان في الرابعة والعشرين حين أصدر الجزء الأول بين كتبه الكبرى "الرسامون المحدثون" الذي لفت الأنظار حقاً ليتحول لاحقاً مع صدور جزئه الثاني إلى مرجع أساس للتأريخ لفنون ذلك العصر ومبدعيه. وفي عام 1849 أصدر ذلك الكتاب عن الأخلاق والهندسة المعمارية الذي لا يزال مرجعاً أساساً في هذا المضمار حتى اليوم، "مصابيح الهندسة السبعة". وبعد ذلك بعامين كان من نتائج نشره رسالتين حول الفن في "التايمز" أن بات اسمه علامة مميزة في نقد الفنون والربط بينها وبين المجتمع، ليبقى طوال حياته بعد ذلك حجر الرحى الذي لا يضاهى ولا يمس. غير أن ذلك كله لم يمنع عقله من التلاشي في سنواته الأخيرة إلى درجة أنه قضى جزءاً أخيراً من نهايته نزيل المصحات العقلية.

المزيد من ثقافة