Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يسقط أطفال مهاجرون في ليبيا بـ"فخ العبودية"؟

السلطات تحبط تهريب 500 مهاجر دون الإعلان عن مافيا الإتجار بالبشر وحقوقيون يؤكدون تعرض القصر للاستغلال الجنسي والمهني

تدفق دخول الأطفال القاصرين إلى ليبيا ما زال مستمرا رغم جهود السلطات في إحباط عمليات التهريب (أ ف ب)

الهجرة غير الشرعية واحدة من الإشكالات التي أرقت الحكومات المتعاقبة على ليبيا منذ انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وهي الأزمة التي تلقي بظلالها أيضاً على دول الجوار، إذ تضررت هي الأخرى من تلك الظاهرة العابرة للحدود البحرية والبرية الليبية نحو القارة الأوروبية. ويزداد الأمر سوءاً إذا كان هؤلاء المهاجرون أطفالاً لا يتجاوزون 17 سنة تسللوا داخل البلاد من دون ذويهم، ما يثير مخاوف من تعرضهم للاستغلال الجنسي والمهني في بلد غير مستقر أمنياً وسياسياً.

وأحبط جهاز الهجرة غير الشرعية في المنطقة الشرقية الثلاثاء الماضي، رحلة بحرية كانت متوجهة من المياه الإقليمية الليبية نحو إيطاليا على متنها قصر مهاجرون دون أوراق ثبوتية، تتنوع جنسياتهم بين المصرية والسورية.

وكان فرع الجهاز في مدينة شحات (شرق البلد) أكد عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" أن "الأجهزة الأمنية في مدينة طبرق تمكنت الثلاثاء الماضي من إحباط عملية تهريب أكثر من 500 مهاجر من بينهم عدد كبير من الأطفال القاصرين، دون الإعلان عن العصابات التي تقف وراء هذه العملية".

المصدر ذاته كان نشر مقطع فيديو مصوراً، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي يبين عثور الأجهزة الأمنية على 287 مهاجراً مصرياً من بينهم أكثر من 70 طفلاً جمعوا في مخازن تابعة لتجار البشر حتى يحين موعد تهريبهم إلى السواحل الإيطالية وفق المعلومات التي جاءت على لسان بعضهم في المقطع المصور الذي تابعته "اندبندنت عربية" على الصفحة الرسمية لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شحات.

بدفع من أهاليهم

الأطفال المهاجرون أكدوا لوكالة ليبيا 24 في طبرق، أن ركوبهم لقوارب الموت كان بعلم ذويهم، ومن بينهم الطفل المصري كرولس شنوده، البالغ من العمر 14 سنة، إذ قال إن عائلته هي من دفعت تكاليف السفر من مصر نحو ليبيا، مؤكداً أن "والده هو من أوصله للمسؤول عن عملية التهريب التي تمت عبر الحدود البرية المشتركة بين البلدين".

زياد عدوي، مصري آخر لم يتجاوز 12 سنة أوضح أن "تكاليف عملية وصوله من أسيوط المصرية إلى ليبيا التي كان من المفترض أن تتواصل نحو الأراضي الإيطالية بحراً، 120 ألف جنيه مصري  (4800 دولار أميركي)".

ويضيف طفل مهاجر آخر أنهم اضطروا إلى قطع 50 كيلو متراً سيراً على الأقدام دون أكل أو ماء وتنقلوا بين ستة مخازن كانت تستغلها "مافيا" تهريب البشر لاحتجازهم إلى حين موعد تهريبهم عبر السواحل البحرية الليبية نحو إيطاليا، مؤكداً أنهم تعرضوا للضرب والإهانة خلال فترة احتجازهم حسب حديث له مباشرة من ميناء طبرق.

العدد في ارتفاع 

وتعليقاً على تزايد هجرة الأطفال، قال الناشط في مجال الهجرة غير الشرعية ورئيس مؤسسة "بلادي" الحقوقية طارق لملوم لـ"اندبندنت عربية" إن "هذه الظاهرة شهدت تزايداً خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2022، بسبب الأطفال السوريين الذين يدخلون عبر مطار بنينا شرق ليبيا، بالتنسيق مع مهربين من دمشق رتبوا لهم رحلات جوية من سوريا إلى بنغازي عبر خطوط أجنحة الشام السورية التي ما زالت حتى تاريخ اليوم تسير رحلات إلى الشرق الليبي".

 وتابع لملوم أن "تدفق دخول الأطفال القاصرين المصريين من الحدود المصرية الليبية ما زال مستمراً، على رغم أن مدة وجودهم لا تستمر طويلاً في ليبيا، حيث يرحلون من طريق البر خلال أيام إلى بلادهم في حال اكتشفت أماكن احتجازهم من قبل جهاز الهجرة غير الشرعية".

استغلال جنسي

وبخصوص الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال المهاجرون غير المصحوبين بذويهم قال رئيس مؤسسة "بلادي" الحقوقية، إن "أزمتهم تبدأ منذ دخولهم الصحراء الليبية، فعلى سبيل المثال يستغلون داخل مخازن الاحتجاز التي تنتشر بصفة خاصة في مدينة سبها جنوب البلد، وكذلك في مدينة الكفرة ومزارع منطقة تازربو في الجنوب الشرقي التي يكثر فيها احتجاز الفتيات القاصرات، وتبدأ معاناتهن باحتجاز أوراقهن الثبوتية إن وجدت ثم تشغيلهن عاملات في البيوت، دون أية ضمانات قانونية مقابل انتفاع مافيا تهريب البشر بمرتباتهن".

 وتابع لملوم أن "الاستغلال الجنسي للأطفال القصر (فتيات أو فتيان) منتشر حتى داخل المراكز التابعة للحكومات الليبية، حيث رصدت مؤسسة بلادي الحقوقية عام 2018 استغلالاً جنسياً وقع بحق أربع فتيات قاصرات من دول أفريقية مختلفة يعملن داخل مركز احتجاز رسمي يتبع الدولة الليبية، حيث أجبرن على ممارسة الجنس لفترات طويلة مقابل إطلاق سراحهن في ما بعد".

تجارة أعضاء 

وتعليقاً على إمكان انزلاق الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بأهاليهم في فخ تجارة الأعضاء البشرية أوضح لملوم أنه "حتى اللحظة لا توجد أية مؤشرات أو قرائن على وجود اتجار بالأعضاء البشرية في ليبيا، على رغم وجود جرائم أكثر فظاعة كالقتل الجماعي للمهاجرين بالسلاح أو حرقاً، بخاصة الأطفال القاصرين، حيث يستغلون، حالهم حال البالغين في ممارسة الأعمال الشاقة وحرمانهم من حقهم في التعليم".

وأكد أن "أكثر ما يتعرض له الأطفال المهاجرون هو الاستغلال الجنسي حيث رصدنا عشرات الحالات بين اغتصاب وتحرش جنسي في مراكز لجوء حكومية، وعلى رغم ذلك لم يفتح أي تحقيق أمني في الموضوع أو تقديم أي دعم نفسي لهم، فما بالك بالممارسات التي تقع داخل المخازن السرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وللوقوف على إشكالية استغلال الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بأهاليهم اتصلت "اندبندنت عربية" برئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا العميد محمد بلخوجة الذي وصف تقارير المؤسسات الحقوقية المهتمة بالملف بـ"غير الموضوعية"، مشيراً إلى أن الجهاز في طرابلس وفر أخيراً مركزاً نموذجياً للأطفال القصر الفاقدين لأهلهم في منطقة زاوية الدهماني بالعاصمة الليبية.

وبسؤالنا عن أوضاع المهاجرين القصر في الشرق والجنوب الليبي اكتفى رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا بالقول بأنه "لا يملك معلومات كافية عنهم بحكم أنه تم توحيد جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية أواخر الشهر الماضي".

بيع الأطفال المهاجرين 

أحد ضباط جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، فرع مدينة درنة، قال إن المدينة تعاني في صمت، مشيراً إلى أنه تم التواصل مع رئيس الجهاز محمد بلخوجة، غير أن مطالبهم لم تجد طريقاً لتلبيتها وعلى رأسها تخصيص مقر للجهاز أو مكان لإيواء المهاجرين في درنة أو سيارات للقيام بعمليات مداهمة لأوكار تهريب البشر التي تتخذ من المدينة متنفساً لها.

وأضاف الضابط الذي طلب عدم ذكر اسمه، "في الفترة الماضية جمعنا أكثر من 150 مهاجراً غير شرعي، يحمل بعضهم أمراضاً خطيرة كالسل والإيدز ومن بينهم قرابة 70 طفلاً مهاجراً دون مرافق لا تتجاوز أعمارهم 17 سنة، مكثوا قرابة أربعة أيام على الرصيف في العراء دون أكل بسبب رفض عميد بلدية درنة توفير وجبات غذائية لهؤلاء الأطفال القصر وبقية المهاجرين غير النظاميين". 

وتابع أنه "شاهد في أكثر من مرة مهاجرين أطفالاً يباعون من طرف مافيا تهريب البشر لورشات الحدادة أو المزارع كعبيد، غير أنه وقف عاجزاً عن التدخل لحمايتهم بسبب عدم وجود التجهيزات اللوجيستية (سيارات مداهمة، ومقر عمل، ومركز إيواء، وميزانية مالية) وتعرضه للتهديد في أكثر من مرة من هذه العصابات التي أصبحت تمارس بيع الأطفال المهاجرين أمام الجميع".

المزيد من العالم العربي