فتوى دستورية بحجة "الظرف الاستثنائي"... تمنح بن صالح ولاية جديدة في الجزائر

الاستمرار في قيادة الدولة من دون قيد زمني حتى تنظيم انتخابات رئاسية جديدة

الضغط الشعبي أدى الى تأجيل الانتخابات (أ.ف.ب.)

تنتهي الولاية الرسمية للرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح، منتصف ليل اليوم الثلاثاء، وهي ولاية محددة بثلاثة أشهر وفقاً لنص المادة 102 من دستور البلاد، بعد استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وبموجب نص المادة 102 التي ارتكز عليها الرئيس السابق، لإنهاء فترة حكمه، فإن ولاية الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، كان مقرراً ان تجرى خلالها انتخابات رئاسية تعوض انتخابات 18 أبريل (نيسان) الماضي الملغاة، إلا أن رفض الشارع إجراء رئاسيات بوجود "حكومة بدوي وعدد من رموز النظام السابق"، جعل المجلس الدستوري يخرج فتوى تتيح لبن صالح بالاستمرار في قيادة الدولة من دون قيد زمني، أي إلى غاية تنظيم انتخابات رئاسية جديدة.

وكان المجلس الدستوري، قد أفتى في الثاني من يونيو (حزيران) الماضي باستحالة تنظيم الانتخابات الرئاسية التي كنت مقررة الخميس الماضي (4 يوليو)، ومن ثم التمديد  لرئيس الدولة حتى انتخاب رئيس جمهورية جديد، ولم يقيد المجلس بالتالي ولاية بن صالح الجديدة، وأبقاها مفتوحه إلى غاية الرئاسيات المقبلة، والمفردة الوحيدة التي تصيغها السلطات القائمة حول تاريخ الرئاسيات هي "في أقرب الآجال".

وقال المجلس الدستوري في فتواه "بما أن الدستور أقر أن المهمة الأساسية لمن يتولى وظيفة رئيس الدولة، تنظيم انتخاب رئيس الجمهورية، فإنه يتعين تهيئة الظروف الملائمة لتنظيمها وإحاطتها بالشفافية والحياد، لأجل الحفاظ على المؤسسات الدستورية".

ظرف استثنائي

يجادل كثير من القانونيين في صحة فتوى المجلس الدستوري، بما أنه احتكم إلى فقرة تتعلق بحالات انسحاب أو وفاة مرشح للرئاسيات في الدور الثاني، ومعلوم أن رئاسيات الخميس الماضي (ثاني رئاسيات ألغيت) كان ترشح لها اثنان فقط، تبين عدم استيفائهما الشروط القانونية لاحقاً.

وحول تلك الفتوى، يرى الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمراقبة الانتخابات عبد الوهاب دربال أن قرار المجلس الدستوري ورأيه "متساويان في الإلزام، وملزمان لكل مؤسسات الدولة، ومن ثم فإن عهدة رئيس الدولة بن صالح لا تنتهي هذا الثلثاء، وإنما بعد تسليمه المهام إلى الرئيس المنتخب".

ويقول "هو إجراء استثنائي جاء استجابة لظرف استثنائي"، تحقق بعد تأكيد المجلس "استحالة" تنظيم الانتخابات الرئاسية، والهدف من هذا الإجراء "تجسيد مبدأ استمرار الدولة وتفادي الفراغ الدستوري وتعطيل مؤسساتها".

وكان قرار إلغاء الرئاسيات استجابة لرفض الشارع وعزوف عن الترشح من قبل غالبية القوى السياسية، بيد أن نص الدستور القائم، غفل عن ظروف مشابهة، فلم يذكر بتاتاً احتمال إلغاء الرئاسيات التي يكلف بها الرئيس المؤقت بعد استقالة، أو وفاة رئيس الجمهورية.

في المقابل، يشير أستاذ القانون في جامعة الجزائر عمار بلحيمر، أن المجلس الدستوري "ابتعد عن حرفية النص بتمديد فترة الرئاسة، لكنه سمح بالمقابل بالحفاظ على روحه وهو العمل داخل الإطار الدستوري الواسع والقوانين المؤسساتية الموجودة، وذلك خوفاً من حدوث فراغ قد يمس استقرار الدولة وأمنها".

ويضيف "تصنف مبادرة المجلس الدستوري كونها على هامش النص الدستوري، إذ من بين حيثياتها المادتان 7 و8 اللتان تخولان السيادة للشعب وهدفها تفادي الفراغ الدستوري وتمديد العمل بالمادة 102 تخوفاً من اللجوء إلى المادة 107 في حالة المساس بالمؤسسات والأمن والاستقرار والسيادة الوطنية".

عيوب نظام رئاسي

في نهاية المطاف، لم ترث الجزائر عن فترة حكم بوتفليقة "عاهات" في تسيير وزارات الدولة وفساداً تشارك فيه مسؤولون سياسيون ورجال مال وأعمال فقط، فقد ترك بوتفليقة منظومة قانونية ودستورية في صالح حكم شخص واحد، إذ ينظر إلى الوضعية الحالية التي تقع فيها الجزائر الرسمية، كتعبير واضح عن عيوب النظام الرئاسي المفرط والذي همّش الجهاز التنفيذي والبرلمان معاً.

في سياق متصل، توضح الخبيرة في القانون الدستوري فتيحة بن عبو، أن المجلس الدستوري أصدر فتواه "للحفاظ على مؤسسات الدولة والسهر على تنظيم انتخابات رئاسية، انطلاقاً من مبدأ استمرار الدولة، فإنه لا ينبغي أن تبقى من دون مؤسسة دستورية تسيّر شؤونها ورئيس الدولة يجسّد هذه الاستمرارية".

وعلى الرغم من موجة "التزكية" القانونية والسياسية لفتوى المجلس الدستوري، بحجة "الظرف الاستثنائي"، ثمة من بدأ من القانونيين في الترويج لخيارات أخرى، من باب الضغط على المؤسسة العسكرية التي تتشدد بشكل كامل ضد أي مفاهيم تؤدي إلى "فراغ دستوري" في البلاد.

ويقول رجل القانون ماسنسن شربي، أن "المشكلة هي أن المجلس الدستوري في قراره اعتبر أن بقاء رئيس الدولة في منصبه إلى أن يتولى رئيس الجمهورية الجديد منصبه قرار مستوحى من روح الدستور". وبحسب رأيه فإن "عبد القادر بن صالح لم يعد لديه منصب رئيس الدولة ولم يعد بإمكانه توقيع المراسيم. لكن مع ذلك، فإن هذا الدستور، من خلال إقرار المجلس الدستوري كضامن للقانون الأساسي وتفسيره، جعل من الرئيس عنصراً مشاركاً".

بن صالح لإنهاء الحوار وتسليم الرئاسة

بداية من المرحلة الثانية لولايته الرئاسية المؤقتة، يستفيد بن صالح من "ليونة" في موقف عدد كبير من السياسيين، ما يمنحه "أريحية سياسية" باتجاه تكليف شخصيات توافقية لقيادة الحوار "الوطني الشامل" وتجهيز ترسانة قانونية ودستورية مؤقتة تؤسس لهيئات رقابية للإشراف على الرئاسيات.

وتبعاً لهذه التحضيرات، أعلن رئيس المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني، خالد بورياح، عن ترشيح الأمين العام، محمد جميعي، رسمياً، لرئاسة البرلمان في الجلسة العلنية المقررة غداً، في خيار مفاجئ يعيد مشاهد الفترة السابقة ذاتها، حين تولى معاذ بوشارب رئاسة البرلمان، ثم جمع لاحقاً قيادة الحزب الحاكم، جبهة التحرير الوطني.

وكشف رئيس المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني، خالد بورياح لـ"اندبندنت عربية" أن نواب الحزب في البرلمان "نقلوا تصورات إلى الأمين العام محمد جميعي تفيد برغبتهم في ترشيحه لرئاسة المجلس الشعبي الوطني".

وأضاف "قرار ترشيح جميعي تم بعد الاستماع والتشاور مع ممثلي اللجان الدائمة في الحزب ونواب البرلمان وأيضاً الهياكل الدائمة في الهيئة ذاتها وحتى هيئة العقلاء المنبثقة من آخر دورة للجنة المركزية".

ويغلق قرار ترشيح جميعي، الذي يتولى قيادة جبهة التحرير الوطني، منذ بضعة أشهر فقط، الباب أمام بقية المرشحين ممن أبدوا نية لرئاسة البرلمان، قياساً لامتلاك جبهة التحرير الوطني لأكبر عدد من المقاعد.

وتستفيد الجبهة من دعم نواب التجمع الوطني الديمقراطي، ونواب من تجمع أمل الجزائر والحركة الشعبية الجزائرية، ما يعني انتخاباً مريحاً لجميعي.

وترشح محمد جميعي، يصنف ضمن عملية "تأمين" المرحلة المقبلة، على الرغم مما سيقابل به هذا الرجل من انتقادات حتى داخل حزبه، إلا أن ظروفاً سياسية في نظر السلطة القائمة في الفترة الراهنة، ترتئي وفقها "تأمين" الحزب الحاكم من "تأثير محسوبين على النظام المنهار"، والأمر ذاته بالنسبة إلى البرلمان، وينظر إلى جميعي بأنه يستوفي، هذا الشرط على الأقل.

المزيد من العالم العربي