Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المكس" السكندرية تكافح أمواج المجهول بالصور والحكايات

"ذاكرة مكان" مشروع فني يقدم سرداً بصرياً للمنطقة وتاريخها وقصص أهلها قبل "طوفان التطوير"

قيمة منطقة المكس ليست خاصة بسكانها فقط إنما بأهالي مدينة الإسكندرية عموماً (الخدمة الإعلامية)

على شاطئ البحر المتوسط، تحديداً غرب الإسكندرية، بعيداً من صخب المدينة تقع منطقة المكس بطابعها الفريد فكان يتمركز في جزء منها الصيادون، وتشغل الجزء الآخر بنايات خشبية قديمة عرفت بـ"شاليهات المكس" التي يعود إنشاؤها لفترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.

منطقة شاليهات المكس كانت قديماً استراحات لليونانيين العاملين في الميناء وهي بنايات خشبية على الطراز اليوناني تعطي للمكان طابعاً وملمحاً مميزين، ومن المفردات الرئيسة أيضاً في المنطقة فنار المكس الذي تم بناؤه في عصر محمد علي وهو من أشهر معالمها وظهر في كثير من الأفلام السينمائية التي صورت بالإسكندرية.

بعد رحيل اليونانيين من الإسكندرية أصبحت هذه المنازل بيوتاً لأسر مصرية استقرت فيها وبعضها تعاقبت عليه أجيال، فهناك أشخاص ولدوا في هذه المنازل وما زالوا مقيمين فيها منذ عشرات الأعوام.

في السنوات الأخيرة كانت المكس مثار سجال كبير بعدما أعلنت الدولة عن مشروع كبير لميناء سيتم إنشاؤه في المنطقة مما سيترتب عليه إزالة مناطق واسعة منها وتعويض أهلها ونقلهم إلى مكان آخر، وبالفعل بدأت بعض مراحل المشروع، لكن سكان المنطقة الهادئة التي ترقد منازلهم مباشرة أمام البحر باتوا لا يعرفون مستقبل هذه المنازل، وهل ستدخل ضمن مشروع التطوير، بالتالي الإزالة أو ستظل قائمة.

لكنهم يرون أنفسهم مثل السمك الذي لا يستطيع العيش بعيداً من البحر فقد كان جزءاً من حياتهم على مدى سنوات مضت.

 

المكس وطابعها وحكايات أهلها أثارت اهتمام فنانين إسكندريين ليتبنوا مشروعاً لتوثيق المنطقة ومنازلها وحكايات أهلها فيخرج إلى النور مشروع "ذاكرة مكان" بتعاون فني بين سمر بيومي ومحمد طارق اللذين وثقا بالكاميرا قصصاً مصورة تعكس الجانب المعماري في المنطقة وحكايات ناسها.

يعرض مشروع "ذاكرة مكان" حالياً في القاهرة بالتعاون بين "معهد غوته" واستوديو وغاليري "تخشينة"، ويقدم تجربة فنية متكاملة لا تعتمد فقط على القصص المصورة، بل تضم كتابات وتسجيلات باستخدام تقنية الواقع الافتراضي ليعايش المتلقي التجربة كاملة ويستشعر أجواءها.

بين الإنسان والمكان

الفنانة سمر بيومي المدرسة المساعدة في كلية الفنون والتصميم بالجامعة البريطانية في القاهرة تقول لـ"اندبندنت عربية"، "تشغلني فكرة العلاقة بين الإنسان والمكان فهي مجال بحثي الأكاديمي، كيف يتأثر الإنسان بالمكان وكيف لطابع معين في بعض المناطق أن يؤثر في البشر، ومشروع ’ذاكرة مكان‘ بدأ عام 2016 بتوثيق منطقة قرية الصيادين التي تمت إزالة جزء كبير منها حالياً ضمن مشروع كبير للتطوير، وكان الهدف الأساس من ذلك توثيق منطقة ذات طابع خاص ومهددة بالإزالة ليمتد بعدها كمشروع متكامل لتوثيق المكس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف "في أواخر عام 2020 اتجهنا إلى مكان آخر بالمكس هو منطقة الشاليهات وكان الهدف هذه المرة إلى جانب توثيق المكان بالصور، العمل على التوثيق الشفهي بالتواصل المباشر مع الأهالي والتعرف إلى جوانب من حياتهم وتأثير المكان فيهم وتأثرهم بطابعه الخاص، ولمدة عامين عملنا على هذا المشروع، ففي البداية واجهتنا بعض الصعوبات حتى اكتسبنا ثقة الناس ليفتحوا لنا ليس فقط منازلهم بل قلوبهم وألبومات صورهم القديمة، ويحكوا لنا عن ذكرياتهم ومشاعرهم التي حاولنا توصيلها بوسائل فنية مختلفة، فالهدف الرئيس من المشروع هو حفظ ذاكرة المكان عن طريق الناس".

أماكن وذكريات

ربما تكون القيمة الأكبر لأماكن معينة هي ارتباطها بالذكريات وبلحظات سعيدة خاصة بفترات معينة من الحياة. توضح بيومي "لا أحد يعرف حالياً هل ستبقى شاليهات المكس أو ستتم إزالتها ضمن مشروع التطوير، لكن للأماكن ذاكرة كالبشر بما حملته من حكايات وذكريات لسكانها، وواحدة من الأفكار الأساسية هنا أنه عندما يفتقد الناس أشخاصاً بعينهم فإنهم يذهبون إلى أماكن محددة لاستعادة الماضي وشحن الروح بالذكريات، ولكن ماذا لو اختفت الأماكن ولم يعد لها وجود؟".

تضيف "هناك مناطق من بينها المكس تتميز بطابع من الدفء يتمثل في البعدين التاريخي والاجتماعي على حد سواء، إضافة إلى ارتباطها الوثيق بالبحر الذي يعد عاملاً رئيساً في حياة سكان المنطقة، فالذي يسكن أمام البحر وأحياناً يعمل فيه دائماً ما يشكل بالنسبة إليه مفردة أساسية في جميع نشاطاته اليومية، فهو يطل عليه من شرفته ويجتمع أمامه مع العائلة والأصدقاء، وهذا الأمر يجعل انتقال هؤلاء الأشخاص إلى العيش في منازل عادية بالإسكندرية أو في أي مكان آخر أمراً شديد الصعوبة، فالبحر والمنطقة أصبحا جزءاً من تكوينهم".

حكايات الناس

هناك علاقة وطيدة وتواصل بين كل من الإنسان والمكان في المكس، إذ تجمع بينهما فكرة البساطة والبراح والحياة التي تخلو من التعقيد، والمتأمل في المنطقة سيجد أنها مكان هادئ حيث يجلس الناس على الشاطئ، أو يلعب أطفال على الرمال، وربما تجد بعض محبي الصيد في انتظار ما يجود به البحر، والطابع العام للمكان هو الهدوء المصاحب لرائحة البحر وأصوات الأمواج المتلاطمة ومشهد المنازل البسيطة الراقدة على الشاطئ في ما يشبه اللوحات التشكيلية التي أصبح الناس جزءاً منها كذلك.

 

يقول محمد طارق وهو طبيب بيطري يهوى التصوير وشريك في المشروع "مفردات المكان أصبح لها تأثير كبير في الناس، فالفنار يعتبر خلفية كل الصور والمشاهد في حياة سكان المكس، وهو من العلامات الرئيسة هناك، بل إن بعضهم أصبح يراه بمنظور مختلف، فعم لول صاحب أحد مطاعم الأسماك البسيطة الشهيرة في المنطقة كانت له مقولة معبرة جداً وهي أنه عندما يواجه أي ضيق أو مشكلة فإنه يجلس أمام البحر متأملاً الفنار الذي واجهته أمواج وعواصف على مدى عصور طويلة بينما لا يزال قائماً في مكانه وهو يحاول أن يتشبه به في مواجهة مصاعب الحياة وتقلباتها".

ويضيف طارق "من القصص المؤثرة أيضاً حكاية أم محمود التي عاشت منذ طفولتها في المنطقة، ثم تزوجت فيها، وكانت حريصة على إعداد كوبين من الشاي بالنعناع وقت الفجر لها ولزوجها أمام البحر، وحتى بعد رحيل الزوج ما زالت تصنع كوبي الشاي وتجلس على البحر كأنه ما زال موجوداً، وترى أن هذا البيت هو حياتها وعمرها وكامل ذكرياتها".

قيمة منطقة المكس ليست خاصة بسكانها فقط إنما بأهالي الإسكندرية عموماً. يشير طارق إلى أن "المكس مكان للبسطاء في المدينة، إذ كان به شاطئ مجاني يرتاده أهل الإسكندرية بعيداً من الشواطئ غالية الثمن، وهو ملتقى محبي الصيد وراغبي الهدوء والبساطة الذين قد يأتون كل فترة للتمشية أو الجلوس على البحر أو ربما لتناول وجبة سمك في مطعم بسيط بعيد من أجواء المدينة المزدحمة".

المزيد من فنون