Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نوسترومو" من رواية فيتزجيرالد المفضلة إلى تحفة لين المجهضة

تيار وعي في نهاية الرواية يلحقها بالتحف الأدبية التي لم تتحمل السينما تعقيداتها

جوزف كونراد (1857- 1924) (غيتي)

حين كان كاتب العصر الذهبي الأميركي سكوت فيتزجيرالد يُسأل وقد باتت شهرته خلال النصف الأول من القرن العشرين، تضعه ولا سيما بفضل روايته الكبرى "غاتسبي العظيم" في مكانة متميزة بين أكثر الكتاب الأميركيين شعبية، عن روايته المفضلة والتي كان يتمنى لو كان هو كاتبها، كان يجيب من دون تردد "من المؤكد أن تلك الرواية هي "نوسترومو" التي كنت أفضّل لو كنت كاتبها بدلاً عن كل ما كتبت". بينما كان غراهام غرين يقول أن "نوسترومو" كانت دائماً في باله وهو يكتب أجمل رواياته وأقواها... ناهيك بأن أي قارئ لتحفة غابرييل غارثيا ماركيز "مئة عام من العزلة" لا يمكنه إلا أن يفكر بـ"نوسترومو" وإن كان من الصعب إيجاد علاقات حدثية أو أسلوبية بين الروايتين. وربما يتأتى ذلك من جغرافية "نوسترومو" أكثر من أي أمر آخر. بشكل أو بآخر، لا بد أنه كان ثمة دائماً إجماع بين كبار أدباء العالم في القرن العشرين من حول تبجيل رواية جوزف كونراد هذه، لكن الحظ لم يحالفها سينمائياً على الإطلاق ولا سيما حين كاد حلم كثر باقتباسها للشاشة الكبيرة وربما أيضاً للصغيرة يتحقق في نهاية الأمر لولا... الأقدار التي لعبت على أية حال دوراً كبيراً في حياة كونراد وأدبه.

نهاية مؤسية لمخرج كبير

ففي عام 1990 وبعد سنوات قليلة من تحقيقه آخر أفلامه الضخمة، "ممر إلى الهند" عن رواية إي أم فورستر، كان المخرج البريطاني دافيد لين يضع، مع كاتبيه المفضلين روبرت بولت وكريستوفر هامبتون، اللمسات السينارستية الأخيرة على مشروع كان بدأ يشتغل عليه منذ أواسط الثمانينيات وهو اقتباس سينمائي لـ"نوسترومو". والحقيقة أن لين، الذي بدأت نجاحاته السينمائية بأفلام حميمة من أهمها "لقاء عابر" ثم تابع طريقه بأعمال اجتماعية مقتبسة من تشارلز ديكنز مثل "دافيد كوبرفيلد" و"أوليفر تويست" لينتقل بعد ذلك ومنذ "جسر على نهر كواي" و"لورانس العرب"، فيلميه الضخمين، قد اعتاد خوض السينما التاريخية وسينما المغامرات الكبيرة بنجاح، فكان من الطبيعي له أن يفكر يوماً بكونراد وأدبه ففكر أولاً بـ "في قلب الظلمات" ليستقر أخيراً عند "نوسترومو" واشتغل عليها سنوات بدعم من ستيفن سبيلبرغ الذي أبدى استعداده لإنتاجها. وربما لو تحقق الفيلم لكان واحداً من أضخم الإنتاجات في ذلك الزمن. لكن المشروع لم يتحقق لسبب بسيط وهو أن دافيد لين رحل عن عالمنا في ربيع 1991. وهكذا، من جديد وجد عمل لكونراد نفسه محروماً من التحوّل إلى سينما على غرار حكاية "في قلب الظلمات" الرواية الكبيرة التي فكر في أفلمتها عشرات المخرجين الكبار لكنها لم تتحقق إلا حين نقل فرانسيس فورد كوبولا أحداثها من الكونغو إلى فيتنام في "القيامة الآن"، وأحدث فيها من التغيير ما كان من شأنه أن يجعل كونراد يتقلب في قبره.

 

اقتباسات مضجرة

مهما يكن، لا بد من الإشارة هنا إلى أن السينما والتلفزة اقتبستا "نوسترومو" ولكن ليس بالقوة والأمانة اللتين كان من شأن لين أن يسم بهما فيلمه العتيد. كما أن السينما الصامتة دنت من الرواية نفسها منذ عام 1926، لكن كل هذا ظل بعيداً من العوالم الحقيقية لتلك الرواية المتقلبة والكبيرة. فرواية كونراد تدور أحداثها في بلد في أميركا اللاتينية يسميه الكاتب كوستاغوانا، لكنه في العديد من الملامح يكاد يكون كولومبياً. والحقيقة أن كونراد في حديثه عن روايته يروي كيف أن أصل الفكرة كان دار في رأسه منذ كان في السابعة عشرة من عمره وهو يزور خليج المكسيك كبحار ليسمع من يحدثه عن رجل تقول الحكاية إنه تمكن وحده من أن يسرق ويخفي حمولة مركب صغير من الفضة. لكن الكاتب نسي الموضوع طوال خمسة وثلاثين عاماً حتى قرأ مرة كتاباً وضعه ذلك الرجل نفسه روى فيه مغامرته. وهكذا عادت تلك الحكاية تداعب خياله حتى كتبها بعنوان "نوسترومو" راوياً فيها ما يحدث تحديداً في المدينة المرفئية سولاكو التي على رغم ازدهارها الاقتصادي، ما برحت تعيش العديد من التقلبات السياسية. وها هي الآن عند بداية الرواية وإذ يحكمها رئيس ليبرالي هو الدكتاتور المتنور ريبييرا، تبدأ بالغرق في معارك جديدة بفعل تحركات متمردين يتبعون دكتاتوراً آخر يمثل مصالح مختلفة هو الجنرال مونتيرو ومن هنا، مع اقتراب المتمردين يتحرك تشارلز غولد، صاحب مناجم الفضة، التي تعيش المدينة ازدهاراً بفضلها، مكلفاً المغامر والبطل المحلي جوفاني باتيستا فيدنتسا، المعروف بلقب نوسترومو بإخفاء شحنة ضخمة من الفضة كيلا تقع في أيدي المتمردين.

كنز في الجزيرة

وبالفعل يتمكن هذا البطل المحلي المعروف بقوة شكيمته وكبريائه، من تحميل الفضة على مركب بمساعدة مارتين ديكو المعتبر نفسه أوروبياً أكثر منه محلياً. ولكن في الوقت الذي تصادفهما عقبات تكاد تقضي عليهما، يتجه الرجلان إلى جزيرة صغيرة ينقلان الكنز إليها ويخبئانه. وإذ يعود نوسترومو إلى المدينة لمتابعة مهماته، يبقى ديكو في المكان لحراسة الكنز. لكنه بعد عشرة أيام من الوحدة والقلق والترقب لا يحدث فيها شيء، ينتهي به الأمر إلى الانتحار مغرقاً نفسه في البحر مستخدماً جزءاً من الفضة "ثقالة" كي لا يعوم. وهكذا إذ يعود نوسترومو إلى الجزيرة بعد حين يجد أن ديكو قد اختفى ومعه جزء من الكنز، فيظن أن شريكه سرق الفضة وهرب. مهما يكن، حين عاد نوسترومو إلى المدينة يستقبل استقبال الأشباح حيث كان الجميع يعتقد أنه غرق مع الكنز منذ البداية. لكن ما من أحد الآن يهتم حقاً بالكنز فالمتمردون كانوا قد انسحبوا وبات كل من السكان مشغولاً من جديد بهمومه الخاصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحقيق بوليسي

باستثناء نوسترومو الذي لم يرض كبرياؤه أن يشعر بأن المشروع الضخم الذي تعهده وكان بالنسبة إليه سياسياً واقتصادياً ومسألة شرف، قد تحول إلى مجرد حكاية سرقة واختفاء جديرة بتحقيق بوليسي. ولا سيما أنه الآن غير قادر على إعادة الكنز الفضي بعدما نقص جزء كبير منه. لكن نوسترومو، وإذ رأى أن معظم الناس المحيطين به باتوا على اقتناع بأن الكنز مدفون الآن في قاع البحر، راح هو الآخر يوطن نفسه على تلك الفكرة، وقد بات على قناعة بأن ما حدث إنما هو انتقام السماء منه انتقاماً يستحقه. غير أنه بعد أن سعى بينه وبين نفسه إلى تركيز هذه الفكرة التي راحت تشغل منه البال لكنها بدأت تريح ضميره، تستبد به فجأة جملة أفكار متناقضة، لعل في إمكاننا هنا أن ننسبها أسلوبياً إلى ما يمكن اعتباره "تيار وعي" مبكر في عالم الرواية التي تتحول في قسمها الثاني هذا إلى أفكار يدور معظمها في رأس نوسترومو، على عكس ما كان يحدث في القسم الأول من الرواية حين كانت المسألة تتعلق بتقديم الأحداث وعرض سمات الشخصيات. والحقيقة أنه لئن كان نوسترومو يشغل وحده قسماً كبيراً من صفحات القسم الثاني من الرواية، فإن ما كان لدينا في القسم الأول، من حول نوسترومو أو من دونه، عشرات الأشخاص بين محليين وأوروبيين وأميركيين شماليين، بين نساء ورجال، بين ثوار وتجار ومسؤولين، كل واحد منهم يطل برأسه وسط الأحداث فيما الكاتب يتوقف عندهم، وعند طوبوغرافية تحركاتهم وعلاقاتهم.

القدر بالمرصاد

والحال أن الأهمية القصوى لهذه الرواية التي كتبها جوزف كونراد في عام 1904، تبقى مرتبطة في قسمها الأول بكونها واحدة من أقوى روايات المغامرات، غير أن تلك الأهمية تتضاءل عند قراءة القسم الثاني والأخير من الرواية التي تتحول إلى نصّ أخلاقي تأملي فلسفي يحاول أن يستخلص من مغامرة نوسترومو معاني تليق بأعمق أفكار تيار الوعي بشكل استبق فيه كونراد ما أنجزه جيمس جويس وفرجينيا وولف وحتى روبيرت موتزيل لاحقاً في هذا المجال، بصرف النظر عن أحداث القسم الأول العاصفة. ومن الواضح أن الصفحات العديدة التي يشغلها القسم الثاني من الرواية كانت وراء صعوبة أفلمتها إسوة بحال رواية كونراد الكبيرة الأخرى "في قلب الظلمات" كما بروايات مثل "أوليسيس" لجويس و"الرجل البلا سمات" لموتزيل وحتى "مسز دالاواي" لفرجينيا وولف وكلها تنتمي إلى تيار الوعي ما يجعلها تحتاج إلى معالجة سيناريستية بالغة الخصوصية لأفلمتها، وهو ما كان يعوَّل عليه في مبادرة دافيد لين التي كانت تعتمد على استناده إلى اثنين من كبار كتاب السيناريو، لكن القدر كان، كعادته في كل ما يتعلق بكونراد... بالمرصد.

المزيد من ثقافة