Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ملف الهجرة... سمعة بريطانيا الحقوقية على المحك

الأوضاع الطارئة من ضغوط الوباء و"بريكست" والحرب الأوكرانية دفعت اليمين واليسار إلى نهج أكثر صرامة

 

ملف الهجرة واللجوء أصبح وثيق الصلة بكل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا (أ ف ب)

حركة المهاجرين واللاجئين إلى بريطانيا لم تعد على صفيح ساخن، بل أصبحت هي نفسها الصفيح الساخن الذي تجري عليه الصراعات السياسية الحامية والمعارك الاقتصادية الدامية، ناهيك بجهود الضرب تحت الحزام الأوروبية، ومحاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الداخل البريطاني المتأزم.

الأرقام التي أعلنها "مكتب الإحصاءات الوطني" البريطاني قبل أيام لأعداد المهاجرين منذ مطلع العام وحتى يونيو (حزيران) الماضي بلغت 504 آلاف، وهو العدد الأكبر على الإطلاق، بريئة من تأزم الأوضاع الشديد الحالي في بريطانيا، لكنها قد تكون مجرد عامل إضافي مساعد بملف الهجرة واللجوء المتفجر حساسية وغضباً وخطراً.

الهجرة جيدة "إلا أن"

خطورة ملف الهجرة واللجوء قديمة، لكن تجارب الهجرة الناجحة تطغى على الساحة حيناً، والجماعات الحقوقية تجمل الأوضاع حيناً آخر، والحرج السياسي يسكت الأفواه أحياناً، أما الطرح الواقعي فمؤجل حتى مرحلة ما قبل الانفجار.

هذه الآونة، لم يعد السكوت ممكناً أو التأجيل وارداً، تكالبت الأزمات على بريطانيا ووجد ملف الهجرة واللجوء نفسه في قلب الحدث المتأزم، حتى حلفاء الهجرة واللجوء التقليديون وجدوا أنفسهم في خانة "الهجرة جيدة إلا أن".

"إلا أن" تبقي القوس مفتوحاً، أحاديث جانبية تدور في أحد أفرع السوبرماركت المعروف بأسعاره المنخفضة نسبياً تتطرق إلى الأزمة الاقتصادية الطاحنة الحالية، التي نالت من الجميع، لا سيما الطبقات الأكثر احتياجاً.

والتطرق لا يخلو من إشارة على استحياء إلى "القادمين الجدد"، ربما كانوا الأوكرانيين الهاربين من الحرب، أو الألبان الباحثين عن فرصة بعيداً من الفساد وتدني الرواتب، أو الأفغان الهاربين من عودة حكم حركة "طالبان"، أو الإيرانيين أو العراقيين أو السوريين أو الإريتريين أو السودانيين أو غيرهم من الهاربين من توليفة طاردة قوامها السياسة والأمن والاقتصاد والرغبة في حياة أفضل.

الأحاديث التي تدور بجوار صندوق ضخم يحتوي على معلبات يتبرع بها عملاء لديهم فائض لصالح آخرين رازحين تحت وطأة شظف الحياة المتفاقم تسير على نهج "ما يحتاج إليه بيتك يحرم على الجامع"، لكن من دون ذكر الجامع.

إدارة سيئة

مجموع البريطانيين الذين يعتقدون أن حكومتهم تدير ملف الهجرة بشكل سيئ يقدر بالملايين، وبحسب استطلاع أجرته "يو غوف" (متخصصة في البحوث على الإنترنت) قبل أيام، فإن 87 في المئة من البريطانيين غير راضين عن تعامل الحكومة الحالية مع ملف الهجرة، وبينهم 62 في المئة يصفون التعامل الحالي بـ"السيئ جداً".

كما أن 37 في المئة من البريطانيين يعتبرون ملف الهجرة واللجوء إلى بريطانيا مسألة بالغة الحيوية، وهي نسبة آخذة في الارتفاع السريع، إذ كانت 24 في المئة حتى الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

الشعور الشعبي العام في بريطانيا هو أن موجات اللجوء والهجرة غير الشرعية القادمة، التي ترسو على الشواطئ البريطانية أو في مياهها الإقليمية بحاجة إلى "تعامل ما" يختلف عن الوضع الراهن.

الوضع الراهن يشير إلى زيادة في أعداد من ينجحون في دخول بريطانيا بطريقة غير شرعية من خارج منطقة الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عودة نشاط حركة السفر والتنقل بعد عامين من قيود الوباء، بما في ذلك القيود على الهجرة غير الشرعية.

فوائد جمة ولكن

شرعية الهجرة وكذلك عدم شرعيتها واللجوء كثيراً ما كان يتم التعامل معها من باب الفوائد الجمة والمنافع العظمى التي تعود على الدول المستقبلة لهذه الموجات، عقود طويلة وقصص النجاح والتفوق والإنجازات التي يقدمها مهاجرون ولاجئون وأبناؤهم وبناتهم للمجتمع البريطاني تتلى على المسامع وتسرد على الصفحات وتزخر بها لوحات الشرف والتميز والتفوق.

هذا السرد الإيجابي المستفيض الذي يرتكن إلى جانب كبير من الحقيقة والصحة لطالما أغفل ثلاث نقاط بالغة الأهمية: المهاجرون ليسوا مجتمعاً من العباقرة والمنتجين بالضرورة، والهجرة واللجوء ملف وثيق الصلة بالسياسة والاقتصاد، والوجه الحقوقي الإنساني الذي لا يخلو من سياسة يحرك الملف ولو من بعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المهاجرون واللاجئون بشر شأنهم شأن غيرهم، بينهم من يبدع ويتفوق، وبينهم من لا يبدع أو يتفوق، وبينهم كذلك من يسبب مشكلات ويقترف تجاوزات.

وزيرة الداخلية البريطانية سويلا بريفرمان، المثيرة لكثير من الجدل لخطواتها وسياساتها التي تبدو "معادية" للهجرة أو ربما ميالة إلى تقليصها بشدة وهي نفسها ابنة مهاجرين، أثارت قبل أسابيع سجالاً عنيفاً لم يهدأ بعد.

بريفرمان قالت إنها تنوي خفض معدلات الهجرة إلى بريطانيا لأن "المهارات التي يحملها عدد كبير جداً من العمال المهاجرين متدنية، كما أن كثيرين من الطلاب الأجانب الذين يأتون للدراسة يصطحبون معهم عائلاتهم".

وأضافت "هؤلاء يأتون إلى هنا ولا يعملون بالضرورة، أو يعملون في وظائف لا تتطلب مهارات عالية، ولا يسهمون في تنمية اقتصادنا".

نعوت سلبية

الاقتصاد البريطاني هذه الآونة لا يذكر إلا مصحوباً بنعوت مثل "قاتم" و"متشائم" و"مرعب"، "بيان الخريف" (عرض الموازنة) الذي عرضه وزير الخزانة جيريمي هانت قبل أيام قليلة يعكس صورة بالغة القتامة، فمستويات المعيشة انخفضت لأدنى حد لها على مدى ستة عقود، والتضخم حقق أعلى مستوى له في 41 عاماً، والنقطة المضيئة المتفائلة في البيان لا تخرج عن توقع استعادة الاقتصاد البريطاني المستوى الذي كان عليه قبل الوباء مع حلول عام 2024.

وما لم يرد في "بيان الخريف" هو توقعات تشير إلى أن وضع بريطانيا الاقتصادي يرشحها لأن تكون الأضعف اقتصادياً بين "مجموعة الدول السبع" في عام 2023.

هذا يعني الكثير سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وملف الهجرة واللجوء وثيق الصلة بكل ما سبق، وهذا يعني أن النقطة الثانية المنسية ألا وهي الصلة الوثيقة بين السياسة والاقتصاد من جهة والهجرة واللجوء من جهة أخرى تكشف عن نفسها بوضوح ومن دون مواربة بدافع الظرف الطارئ.

يمين ويسار المنح

داخلياً وكلاسيكياً، تنتهج الأحزاب الغربية ذات التوجهات اليمينية سياسات تتراوح بين المنع باستثناءات والمنح بقيود بالنسبة إلى استقبال المهاجرين واللاجئين، كما أن الأحزاب ذات التوجهات اليسارية تنتهج نهج الترحيب الكامل والفتح الشامل لهم.

لكن الأوضاع الطارئة من ضغوط الوباء و"بريكست" وحرب روسيا في أوكرانيا وغيرها دفعت اليمين واليسار إلى انتهاج نهج أكثر صرامة في مسألة الهجرة واللجوء، حتى "حزب العمال" المعروف بسياساته الأكثر استيعاباً وقبولاً في هذا الشأن، أخذ في التزحزح جهة اليمين قليلاً.

وزيرة الداخلية في حكومة الظل إيفيت كوبر مزجت اليسار باليمين حين قالت إن عوامل طارئة وفريدة تقف وراء ارتفاع أرقام الهجرة بشكل قياسي هذا العام.

وكان عليها بالطبع أن تشير إلى "سوء إدارة حزب المحافظين الحاكم" للملف، وهو ما زاد من حجم المشكلة، كما لفتت إلى أن مسألة نقص مهارات المهاجرين وطالبي اللجوء القادمين إلى بريطانيا عبر القوارب أمر لا يمكن التنبؤ به أو السيطرة عليه، مضيفة "نحتاج إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات في هذا الشأن، وبدلاً من ذلك، لا يتخذ المحافظون أي إجراء".

كلاهما سيئ

الطريف أن النسبة الكبرى من البريطانيين، بحسب استطلاع أجرته "إيبسوس" (شركة متخصصة في بحوث) وأعلنت نتائجه قبل أيام قليلة، ترى أن حزب العمال يتعامل بشكل أفضل مع ملف الهجرة واللجوء، بمن في ذلك المنتمون والمصوتون لحزب المحافظين.

 لكن النسبة الكبرى أيضاً لا تثق بهذا أو بذاك في التعامل الحالي مع موجات الهجرة غير المسبوقة في هذه الظروف الضاغطة اقتصادياً.

وزيرة الداخلية بريفرمان حين عللت ارتفاع معدلات الهجرة في الأشهر القليلة الماضية بشكل غير مسبوق بقولها "إن الأرقام القياسية مفهومة بسبب ما يجري في أوكرانيا وأفغانستان وهونغ كونغ وكذلك بسبب كرم الشعب البريطاني"، أضافت كذلك أن "الشعب يتوقع منا أن نضبط الحدود ونلتزم بخفض الهجرة، حيث استمرارها بالمعدلات الحالية يضغط بشكل رهيب على قطاعات الصحة والتعليم والسكن وقطاع الخدمات بشكل عام".

إحياء وعد التقليص

يشار إلى أن الحكومة البريطانية في حقب حديثة متتالية وعدت غير مرة بتقليص صافي الهجرة، ويبدو أن الوعد هذه المرة يتجدد بشكل ممهد له سياسياً واجتماعياً.

هذه المرة تبدو الأجواء أكثر ترحيباً بتحويل تصريح وزيرة الداخلية بريفرمان الذي أثار كثيراً من الجدل والغضب قبل أسابيع إلى واقع.

قالت بريفرمان إنها ترغب في إعادة إحياء هدف الحكومة في تحقيق صافي هجرة أقل من مئة ألف شخص، وهو الهدف الذي تم تفويته أكثر من مرة.

يشار إلى أن صافي الهجرة هو الفرق بين أعداد من يدخلون ومن يغادرون بريطانيا.

الأجواء ليست فقط مهيأة شعبياً إلى حد كبير بسبب الظروف الاقتصادية غير المسبوقة، لكن أصوات إعلامية عديدة تدق بصخب وعنف على وتر "تقليل الهجرة وتقليص اللجوء".

استعادة السيطرة

رأي "الديلي ميل" يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي تحت عنوان "دعونا نستعيد سيطرتنا على الهجرة" طالب بشكل واضح وصريح بتطبيق أحد وعود "بريكست" ألا وهو تحقيق قدر أكبر من السيطرة على الحدود، وهو ما كان من ضمن أسباب التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو أيضاً الهدف الذي لم يتحقق، ما تسبب في شعور الملايين ممن صوتوا بـ"نعم" بأنهم تعرضوا للخداع.

وتابع المقال إن صافي الهجرة السنوية بلغ 504 آلاف شخص، أي تعداد مدينة مثل ليفربول. وأشار إلى أن العام الماضي وحده شهد انتقال 1.1 مليون أجنبي للعيش في بريطانيا، و"المزعج" على حد قول الصحيفة، هو أن هذه الأعداد غير المسبوقة لا تشمل مهاجري القنال الإنجليزي الذين يصلون بطرق غير شرعية، وإن كان جانب من التدفق سببه يد الصداقة الممدودة من بريطانيا لأولئك الهاربين من الحرب والاضطهاد في أوكرانيا وهونغ كونغ وأفغانستان.

وبعد التأكيد أن "ديلي ميل" ليست ضد الهجرة أو المهاجرين الذين قدم غالبهم مساهمات مهولة للاقتصاد والمجتمع، أشارت الصحيفة إلى أن بريطانيا تعاني مشكلة مزمنة في نقص السكن وخدمات التأمين الصحي والخدمات الاجتماعية والمدارس والنقل العام، متسائلة: كيف لنا أن نتعامل مع مزيد من الطلب؟

وأضافت الصحيفة أن اليسار ما زال يدعي أن معدلات الهجرة منخفضة جداً، أصحاب الأعمال ما زالوا غير قادرين على التحكم في تعطشهم النهم للأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة.

وأشارت كذلك إلى أن قوانين توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا السابق) التي وصفتها بـ"قوانين حقوق الإنسان" تجعل ترحيل المجرمين الأجانب والمهاجرين غير الشرعيين أمراً غير قابل للتحقيق.

قوانين حقوق الإنسان

قوانين حقوق الإنسان ليست مجرد نصوص أو قواعد أو قرارات، لكن النقطة الثالثة والمهمة المتعلقة بملف الهجرة واللجوء في بريطانيا وثيقة الصلة بالوجه الحقوقي لها.

وجه بريطانيا الحقوقي في ملف الهجرة واللجوء، الذي اكتسبته عن جدارة على مدى عقود طويلة، حتى وإن ظل البعض يلمح إلى ما يصفونه بالتماس الكامل بين قبول اللاجئين والمهاجرين والتخديم على السياسة الخارجية والمصالح البريطانية، يتعرض لهزة عنيفة هذه الآونة.

هذه الهزة مرشحة للتحول إلى نقطة غير ناصعة البياض في سيرتها الحقوقية، بالطبع هناك عديد من الأصوات والأفراد والجماعات والمنصات الإعلامية المدافعة عن حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء والمطالبة بفتح أبواب بريطانيا لهم على مصاريعها، لكن هذه الأصوات والكيانات هي الأخرى جزء من الوجه الحقوقي الذي ربما لن تقوى بريطانيا على الإذعان له أو حتى الحفاظ عليه من دون تدخلات بسبب الضغوط الاقتصادية والسياسية.

حقوق في خبر كان؟

قبل أيام، واجهت بريطانيا موجة عارمة من الأسئلة الانتقادية والاستنكارية لسياساتها المتعلقة بالهجرة والفقر، وذلك في مراجعة من قبل الأمم المتحدة لسجلها في مجال حقوق الإنسان وسط "ادعاءات" بتراجع الحريات.

وبحسب وكالة "رويترز"، فإن محللين أشاروا إلى أنه على رغم أن هذه المراجعات إجراء طبيعي تتخذه الأمم المتحدة كل بضع سنوات، فإن مستوى التدقيق هذه المرة في أداء واحدة من أبرز ديمقراطيات العالم ليس عادياً.

ضمن الانتقادات كانت خطة لندن إرسال طالبي اللجوء إلى رواندا لمواجهة تدفق وصولهم إلى ساحلها الجنوبي قادمين عبر القنال الإنجليزي من فرنسا.

يشار إلى أن شهوراً طويلة من الشد والجذب وتبادل التراشق بتحميل مسؤولية تدفق الهجرة غير الشرعية وطالبي اللجوء بين فرنسا وبريطانيا انتهت بتوقيع اتفاق بينهما منتصف الشهر الحالي، لوقف عبور المهاجرين عبر القنال الإنجليزي على متن قوارب صغيرة إلى بريطانيا.

بحسب الاتفاق، تدفع بريطانيا لفرنسا 72.2 مليون يورو (نحو 74.5 مليون دولار) في العامين 2022-2023، وذلك بغرض تمكين فرنسا من زيادة عناصر قوتها الأمنية الدورية على شواطئ فرنسا الشمالية، التي تشهد تسلل المهاجرين إلى بريطانيا.

بريطانيا الحائرة

بريطانيا حائرة، المسألة لم تعد: هل نسمح بدخول مهاجرين وطالبي لجوء أم لا؟ على رغم أن السؤال ملغم بالسياسة والسمعة الدولية والمكانة الحقوقية وصفحات التاريخ ودروس الجغرافيا، فإن السؤال الذي يجد كثيرون في بريطانيا حرجاً في طرحه هو: هل بريطانيا قادرة على استيعاب المزيد؟ هل البلاد قادرة على فحص المهاجرين واللاجئين والسماح بالمهرة والموهوبين وصرف الباقين إلى رواندا أو من حيث أتوا؟ هل يحق للبعض أن يقلق أو يتساءل أو يتضايق من التغيرات الثقافية التي تشهدها بريطانيا بسبب التغيرات الديموغرافية الناجمة عن أعداد المهاجرين؟ أم أن الأسئلة لا تليق بإحدى أعتى ديمقراطيات العالم؟