العدالة الانتقالية في المغرب... الإنجازات والنقائص

هناك تحركات تطالب بإعادة فتح ملف المختطفين مجهولي المصير

وقفة أمام مبنى البرلمان المغربي في الرباط للمطالبة بإعادة فتح ملف المختطفين مجهولي المصير (اندبندنت عربية)

نظم "المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف" و"لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري" وقفة أمام مبنى البرلمان في العاصمة المغربية، الرباط، للمطالبة بإعادة فتح ملف المختطفين مجهولي المصير. وهذا المطلب كان في صلب عمل آلية العدالة الانتقالية التي أطلقها المغرب منذ بداية القرن الواحد والعشرين، بهدف المصالحة مع فترة انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفها البلد بين سبعينيات القرن الماضي وتسعينياته.

خلفيات العدالة الانتقالية

عرف المغرب فشلاً في تدبير المجالات الاقتصادية والاجتماعية بعيد الاستقلال. ما دفعه إلى البحث عن سبل حل ذلك الخلل، يُرجع كتاب "تجربة العدالة الانتقالية" للباحث المغربي عبد الكريم عبد اللاوي أسباب إطلاق المغرب آلية العدالة الانتقالية إلى حقبة "صدور التقرير المشهور للبنك الدولي في شأن المغرب في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وهو التقرير الذي أُعد بطلب رسمي من السلطات العليا في البلاد، عمل على تحليل وتشريح المؤشرات الاقتصادية السيئة للحقل الاقتصادي المغربي، وتأثيراتها الكارثية في الأوضاع الاجتماعية للمغاربة في ذلك الوقت.

وتبين أن هناك إحساساً متزايداً لدى الدولة للشروع في تغيير ما يمكن تغييره في السياسات العمومية المتبعة في الماضي، وأن هاجس السعي إلى امتلاك أدوات الانتقال التاريخي بدأ يسيطر على الفاعلين الكبار للحقل السياسي المغربي".

يضيف عبد اللاوي "تكمن تلك المؤشرات في دلالتين: الأولى في اعتراف الدولة، ولو أن ذلك تم بطريقة غير مباشرة بفشل السياسات التي اتبعت في ما مضى، وقد وصف الملك الراحل الحسن الثاني في عام 1995 خلاصة التقرير بأنها تعني أن المغرب على وشك الإصابة بالسكتة القلبية". والدلالة الثانية، وفق عبد اللاوي، "هي سعي الدولة في السنوات اللاحقة لصدور التقرير في شخص ملك البلاد، بكل ما أوتيت من سلطة ونفوذ إلى إشراك فصائل المعارضة السياسية في الحكم، عن طريق الترغيب أحياناً والترهيب أحياناً أخرى... وهو المخاض ذاته الذي ستتولد عنه حكومة التناوب التوافقي في عام 1998".

محاولات الانقلاب والمعتقلات السرية

أدى فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلى ضغط تفجر على شكل انتفاضات ومحاولات قلب نظام الحكم. ما أدى بالنظام إلى تشديد الخناق على الحريات وفتح معتقلات سرية.

كتب الباحث زهير عطوف، في دراسة صادرة عن مركز إدراك للدراسات والاستشارات، أنه في عام 1960 أشيع عن مؤامرة لاغتيال ولي العهد آنذاك الحسن الثاني. ما دفع السلطات المغربية إلى خطف واعتقال العديد من الناشطين والمعارضين السياسيين. وفي عام 1963 اتهمت الدولة معارضين بارزين بالتآمر ضد النظام الحاكم. واعتقلت مئات منهم وعرضتهم على محاكمات عسكرية، وبعد إعداد دستور يزيد من سلطات الملك ويقيّد الحريات عام 1962، ازدادت القبضة الأمنية، وفي مارس (آذار) عام 1965 حدثت مجزرة مروعة بحق مئات الطلاب والمتظاهرين. ما دفع الحسن الثاني إلى إعلان حالة الطوارئ.

بعد ذلك كادت محاولتان انقلابيتان عسكريتان، عامي 1971 و1973، أن توديا بحكم الملك الحسن الثاني وبحياته، ليشهد المغرب بعدها حالات انتقامية واعتقالات واسعة ومحاكمات صورية. واستعمل محمد أوفقير وزير الدفاع والداخلية آنذاك القوة المفرطة ضد كل من خالفه الرأي من اليسار المغربي. وفتح سجن تزمامارت الرهيب، أحد أشهر وأبشع مراكز الاعتقال في تاريخ المغرب، وزُج بمجموعة من المعتقلين فيه.

معتقل تازمامارت الرهيب

في وصفه لقسوة سجن تازمامارت يقول الضابط المغربي السابق أحمد المرزوقي أحد الناجين من ذاك المعتقل، في كتاب "تازمامارت الزنزانة رقم 10" "جاؤوا بنا إلى هذا السجن الدموي الذي كان بحق اختراعاً مروعاً انبثق من مخيلة شيطان رجيم لعنته قبل أن يولد كل أبالسة الأنس والجن...، لقد انقلبنا إلى هياكل عظمية لا يميزها عن سكان القبور إلا لحى شعثاء تدلت إلى الصدور، وشعور مغبرة...، وكان نصفنا يلزم الأرض من شدة الوهن وتفاقم العلل، والنصف الباقي إما يمشي على أربع، أو يتكئ في وقوفه المتذبذب على الجدار، أو يزحف على مؤخرته إلى الباب... لالتقاط ما كانوا يسمونه بالطعام...، كانت أغلى أمنياتنا هي أن نموت موتة فجائية تقينا أهوال الاحتضار الطويل البطيء الذي كان فيه السجين ينقلب إلى جيفة مهترئة يتكالب على نهشها البعوض والذباب... وقد كان الغول المهول الذي ينحصر فيه تفكيرنا بخوف مزلزل وترقب مدمر هو جحيم البرد القارس الذي كنا نفقد حياله كل سلاح أو مقاومة".

إصلاحات

نهج المغرب منذ الأعوام الماضية من حكم الراحل الحسن الثاني مسلك الإصلاحات بهدف طي ملف انتهاكات حقوق الإنسان، يشير الباحث عبد اللاوي إلى أنه في سياق الضغط الدولي والمحلي، باشرت السلطة السياسية في المغرب إفراز شروط لممارسة جديدة، تتوخى التصفية التدريجية لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الذي شكل نقطة سوداء في مسيرة النظام السياسي المغربي لسنوات طويلة، وذلك عبر سلسلة من الإجراءات والتدابير اتُخذت في اتجاهات مختلفة ومتوازية بدءاً  بالسماح بتأسيس جمعيات تدافع عن حقوق الإنسان، وإدخال إصلاحات متفرقة ذات دلالات قوية... وصولاً إلى إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة بغرض تصفية ماضي الانتهاكات الجسيمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتمدت آلية العدالة الانتقالية في المغرب من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة التي أنشئت عام 2004 على مجموعة من التوجهات تتمثل في البحث عن الحقيقة، والتعويض عن الضرر، والمصالحة الوطنية، إضافة إلى ضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل.

ويُجمل الباحث زهير عطوف مهمات الهيئة في اختصاصين مركزيين، أولهما الاختصاص الزمني، وثانيهما الاختصاص النوعي، ويشمل الاختصاص الزمني التحري بشكل عام حول انتهاكات الفترة الممتدة من الاستقلال (1956)، إلى تاريخ المصادقة الملكية على إحداث هيئة التحكيم المستقلة عام 1999، أما الاختصاص النوعي فيهم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي اتسمت بالطابع الممنهج، وذلك انطلاقاً من أن اختصاص التحري والكشف عن الحقيقة يخول الهيئة التحقق من نوعية الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان ومدى جسامتها.

اختزال الملف في التعويض

يعتبر عبد اللاوي أن الدولة حاولت في مرحلة سابقة عبر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، خصوصاً هيئة التحكيم المستقلة، طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في التعويض المادي للضحايا وذويهم. وتلقت الهيئة أكثر من 5 آلاف ملف، واستفاد ما يفوق عن 3700 شخص من تعويضات مادية، بلغت مليار درهم (نحو 100 مليون دولار)، بينما تتمثل مطالب الحركة الحقوقية والديمقراطية، خصوصاً بعد تأسيس "منتدى الحقيقة والإنصاف" الذي ضم مختلف ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وعائلاتهم، ضرورة المزاوجة بين الكشف عن حقيقة تلك الانتهاكات واعتماد مقاربة شمولية لمبدأ جبر الضرر.

عدالة ناقصة؟

يعتبر بعض المعتقلين السياسيين السابقين أن آلية العدالة الانتقالية لم تكن كاملة لاحتوائها على العديد من النقائص. ويقول المعتقل السياسي السابق حسن أحراث في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إنه يمكن التوقف عند نقطتين أساسيتين: أولاهما استمرار المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مواقع المسؤولية. ما جعل من "الخصم"، أي الجلاد، حكماً، والنتيجة من دون شك هي الإفلات من العقاب وتكرار المآسي والجرائم نفسها. والأمثلة كثيرة بهذا الشأن (قتل واعتقالات، اختطافات، تعذيب، محاكمات صورية...).

وثانيهما عدم تسوية العديد من القضايا، ومنها بالدرجة الأولى قضايا الاختطاف والاختفاء القسري، ولوائح الضحايا مجهولي المصير حتى الآن تكذب ادعاءات المسؤولين وتفضح كذبة هيئة الإنصاف والمصالحة. أما جبر الضرر، خصوصاً بالنسبة إلى المناطق التي شهدت صور إبادة فظيعة، فحكاية أخرى. والثابت هو تدمير الذاكرة، بالتالي تلميع صورة "طي صفحة الماضي"، خصوصاً أمام الخارج.

أضاف "أما أوضاع المعتقلين السياسيين السابقين (ضحايا القمع السياسي وسنوات الرصاص)، فغنية عن التعريف. فالفتات الذي سمي بالتعويضات لم يحتكم لأي معايير مضبوطة، وخضع لمعيار الخضوع والعلاقات السياسية و"مزاجية" المتحكمين برقبة العدالة الانتقالية المغربية، وهناك العديد من التوصيات التي بقيت حبراً على ورق، حتى الحالات التي حسمت قسراً لم تخل من العيوب والتشوهات، وبقيت بعض عناصرها محط رفض واستنكار، خصوصاً نقطتي التقاعد والتغطية الصحية، والإدماج الاجتماعي".

المزيد من العالم العربي