Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تسجيلات نيكسون: اللغز الذي تتظاهر أميركا بنسيانه

"اندبندنت عربية" تتحدث مع الرجل الذي فرغ 20 ألف صفحة من الأشرطة وقاضى بلاده للإفراج عن المزيد

عدد من تسجيلات نيكسون لا تزال رهن الأدراج السرية (أ.ف.ب)

بحلول أمس الإثنين 21 نوفمبر (تشرين الثاني) يكون قد مر 49 عاماً على لغز الدقائق المفقودة من تسجيلات الرئيس ريتشارد نيكسون الذي أزاح الستار عنه لأول مرة فريد بوزهارت مستشار الرئيس آنذاك في نوفمبر عام 1973، قبل أن ترتبط هذه الدقائق المبتورة لاحقاً بفضيحة التجسس على مقر الحزب الديمقراطي، وتبقى مدعاة لتساؤل المؤرخين والباحثين الأميركيين في حقبة نيكسون الجدلية ليومنا هذا.

واشتعل الحديث عن الـ18.5 دقيقة التي اختفت من أشرطة نيكسون بعد أشهر قليلة من الكشف عن نظام التسجيل الصوتي في البيت الأبيض خلال شهادة متلفزة أدلى بها نائب مساعده ألكسندر باترفيلد في 16 يوليو (تموز) 1973، وهي التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ عنونت "نيويورك تايمز"، في اليوم التالي، قائلة إن "نيكسون سجل بنفسه المحادثات التي تجرمه، وأن شخصاً فقط بجنونه يمكنه فعل ذلك".

وعلى رغم أن فضيحة "ووترغيت" لا تزال تحتل موقعاً أثيراً في الذاكرة الشعبية في الولايات المتحدة، وتحوز اهتمام طيف واسع من الكتاب ومخرجي الأفلام والوثائقيات، فإن هذا الحرص في أشهر فضيحة بتاريخ السياسة الأميركية يقابل بغموض يكتنف تفاصيلها، ويعوق الوصول إلى إجابات لأبسط الأسئلة التي يمكن أن تثار لحل لغز جرائم عادية، ناهيك بجريمة تحولت إلى قضية رأي عام وأطاحت رئيساً أميركياً.

والأكثر غرابة أن الغموض في شأن "ووترغيت" يتزامن مع وجود ملايين المواد من تسجيلات وشهادات قضائية توثق حقبة ريتشارد نيكسون الذي دخل التاريخ كأول رئيس أميركي يغادر البيت الأبيض بالاستقالة، بعد محاولته التستر على دور إدارته في التجسس على حملة الحزب الديمقراطي في صيف عام 1972.

وعلى رغم أن المحكمة العليا أجهضت مساعي نيكسون للاحتفاظ بالأشرطة على أساس الامتياز التنفيذي الذي يخوله الحفاظ على سرية وثائق البيت الأبيض، فإن حكمها لم يخدم المؤرخين الأميركيين الذين ما إن غمرتهم النشوة بعد عثورهم على قطعة من التاريخ الخام تطفو في محيط من الخطابات المغلفة في واشنطن، حتى اصطدموا ببيروقراطية الحكومة الأميركية التي لا تزال إلى اليوم تحجب ملايين الصفحات من التسجيلات والمواد والشهادات القضائية التي تخص إدارة نيكسون، لأسباب تتعلق بالأمن القومي والخصوصية الشخصية، وأخرى ذات صلة بقوانين إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية المعنية بمراجعة وحفظ سجلات ووثائق الرؤساء.

وفيما ضاعف تحفظ الحكومة الأميركية التكهنات حول فضيحة "ووترغيت"، وجاء على هوى مروجي نظريات المؤامرة، إلا أن الإيجابي في الأمر أنه دفع بعض المؤرخين إلى سلوك طرق استثنائية في التنقيب والبحث، ومن هؤلاء أستاذ التاريخ في جامعة تشابمان بكاليفورنيا لوك نيكتر الذي رفع دعوى قضائية قبل 13 عاماً أسهمت في نشر معظم الوثائق المتعلقة بقضية "ووترغيت"، وقدم أكثر من 2000 طلب بموجب "قانون حرية المعلومات" لرفع السرية عن أشرطة الرئيس الراحل.

"اندبندنت عربية" أجرت حواراً مطولاً مع نيكتر الذي روى قصة التزامه غير المسبوق في التنقيب عن أشرطة نيكسون وتأليفه ثلاثة كتب تتمحور حولها. وكشف عن عدد التسجيلات التي ما زالت تحكم الحكومة الأميركية القبضة عليها، وتصوره للغز الـ18.5 دقيقة المفقودة منها، إضافة إلى المحادثة الأولى بين نيكسون والسيناتور الصغير آنذاك جو بايدن والتسجيلات التي أخرجها إلى النور، فأغضبت هنري كيسنجر منه، آخر الأعضاء الأحياء من إدارة نيكسون.

أسلاف نيكسون سجلوا أنفسهم

ربما فاز نيكسون بلقب أول رئيس أميركي يغادر منصبه بالاستقالة، لكن وعلى رغم أشرطته الأكثر شهرة، فإنه ليس أول رئيس سكن البيت الأبيض، وسجل نفسه، وفق نيكتر، بل إن جميع الرؤساء الأميركيين منذ فرانكلين دي روزفلت ركبوا أحدث أنظمة التسجيل أثناء حقبتهم، والحديث هنا عن ترومان، وأيزنهاور، وكينيدي، وجونسون، لكن ما ميز نيكسون على نحو مدمر هو أن نظام التسجيل الذي أدخله كان يسجل تلقائياً، ويلتقط كل الأصوات، في الغرف التي يغطيها النظام، هذا بخلاف الرؤساء السابقين الذين كانوا يديرون النظام يدوياً، حيث يشغلونه ويطفئونه متى ما أرادوا، ولذلك كان الإفراج عن التسجيلات قاتلاً لرئاسة نيكسون.

فراغ تملؤه نظريات المؤامرة

لدى سؤال نيكتر عن أسباب الافتقار إلى إجابات مقنعة لأسئلة عهد نيكسون إلى يومنا هذا، رد بإجابة لا تخلو من سخرية ورثاء للحال وقال، إن ابنته البالغة من العمر 8 أعوام، لو عملت على مشروع مدرسي حول "ووترغيت"، فإنها ستكون ذكية بما فيه الكفاية، لتطرح تساؤلات أولى مهمة حول هوية الشخص الذي أعطى الضوء الأخضر للعملية، وما أراده المقتحمون، وسبب ارتباط عدد كبير منهم بالـ"CIA" والـ"FBI"؟

المفارقة أن السيد نيكتر الذي فرغ قرابة 400 ساعة من أشرطة نيكسون أي ما يعادل 20 ألف صفحة، ويملك أكبر مجموعة خاصة من تسجيلات نيكسون وأسلافه، يقول إنه لا يملك إجابة لهذه الأسئلة بعد، وذلك لأن امتلاكنا لهذه التسجيلات لا يعني أننا كنا جزءاً من تلك المحادثات، إضافة إلى استحالة تسجيل كل أحاديث الرئيس فمنها ما كان على متن الطائرة الرئاسية، أو في أثناء إجازاته خارج البيت الأبيض، أو زياراته الدولية. وعلى رغم أن التسجيلات المتوفرة تساعدنا على الخروج بافتراضات مستنيرة حول عهد نيكسون، فإن عدم تغطية نظام التسجيل لكل الأماكن التي يذهب إليها الرئيس يجعل ربط خيوط الحكاية للوصول إلى فهم شامل صعباً، لكن نيكتر يعتبر منع العامة والباحثين من الاطلاع على مجموعة كبيرة من سجلات حقبة نيكسون بعد خمسة عقود مثيراً للتكهنات. وقال إن المشكلة التي تواجه المؤرخين هي أن الطرح التاريخي غير الرسمي حين يكون غير مرض، فإنه يترك فراغاً تملؤه نظرية المؤامرة، مشيراً إلى أن "ووترغيت" يمكن أن تنضم إلى قضايا أخرى ما زال الغموض يعتريها، مثل "اغتيال كينيدي"، و"أحداث 11 سبتمبر" التي تتبنى لها الحكومة تفسيرات رسمية، وتواصل في الوقت نفسه فرض السرية على السجلات المتعلقة بها، في حين يحاول المؤرخون الكشف عن المخبوء مع تجنب أفكار المؤامرة، على حد وصفه.

وبالنسبة إلى المؤرخ الأميركي الذي يمضي وقته بين التدريس والبحث، فقد بات تتبع خيوط بكرات الأشرطة، والتنقيب فيها عن اللافت، وتفريغها وإخراجها للعامة، بمثابة الهواية التي يمارسها مدفوعاً بفضول المعرفة. فإضافة إلى الدعاوى القضائية التي رفعها، فقد قدم نيكتر أكثر من ألفي طلب لرفع السرية عن تسجيلات نيكسون بموجب قانون حرية المعلومات وهو قانون فيدرالي ينص على أن لكل فرد الحق في طلب الوصول إلى سجلات الوكالة الفيدرالية، في محاولة للكشف عن مزيد من التسجيلات التي يقول إنها "ستعمر أكثر من عمله"، راجياً كغيره من الباحثين التوصل لإجابات مرضية.

وعن سر الالتزام الذي تجسد في تأليفه ثلاثة كتب عن تسجيلات نيكسون، قال بتواضع، "لا يوجد شيء فريد عني، فأنا أتحدر من عائلة من الطبقة العاملة، ووالداي ليسا من خريجي الجامعات"، لكن وإضافة إلى الفضول المعرفي، أقر نيكتر بأن ما دفعه لخوض غمار هذا التحدي هو إدراكه أن أجزاءً كبيرة من تاريخ بلاده لا تزال مفقودة. واسترسل قائلاً "حين نسير في أروقة مكتبة بحثية، يبدو الأمر كما لو أننا نعرف كل شيء حين نلحظ عشرات الكتب التي تتحدث عن ووترغيت، وفيتنام، والعلاقات بين أميركا، والصين، والحرب الباردة"، لكن الحقيقة وفق الباحث هي أن ما زال هناك كثير للكشف عنه، وتحديداً فيما يتعلق بعهد نيكسون، لافتاً إلى أن ما أدركه بعد سنوات هو أن كل الأشرطة التي تم تفريغها وإتاحتها للعامة كانت تدور حول "ووترغيت" فقط، وشكلت نحو 5 إلى 7 في المئة فقط من مجموع محتويات الأشرطة، الأمر الذي دفعه إلى السعي إلى كشف مصير الـ95 في المئة من التسجيلات التي توثق كل شيء من رحلة نيكسون إلى الصين إلى العلاقات مع الروس.

"قابلت كيسنجر وأحد كتبي أغضبته"

فيما مثلت تلك التسجيلات المفرج عنها منجماً ثميناً من المعلومات للمؤرخين، وأدلة كافية للحزبين لسحب الثقة، فإنها كانت الصداع الذي أقض مضاجع مسؤولي إدارة نيكسون بينما يتحولون إلى مركز الأنظار في فضيحة سياسية ستصبح هي الأشهر في التاريخ الأميركي.

أحد هؤلاء المسؤولين هنري كيسنجر، الذي قابله نيكتر أول مرة في عام 2008 في لقاء ثنائي خاص حول الأشرطة، بدا فيه وزير الخارجية السابق كما لو أنه يحاول إقناع المؤرخ بعدم جدوى التنبيش في تلك التسجيلات. يقول نيكتر، "سألني ماذا ستفعل بالأشرطة فأجبت بأني سأعمل على تفريغها واستخلاص الدروس منها"، وما لبث كيسنجر أن قاطعه قائلاً، "إذا كنت تريد أن تفهم سياسات إدارة نيكسون، فعليك أن تدرس مراسلاتي مع الرئيس".

أجبرت جملة كيسنجر المؤرخ الأميركي بحسب روايته للموقف، التوقف للحظة، قبل الرد عليه بالقول، "مع احترامي الكامل، ما تظهره الأشرطة يفوق ما يمكن للمراسلات الرسمية كشفه"، مبرراً رده هذا بتأثير الأشرطة ودورها في تعريف الناس بما يحدث وراء الكواليس، كونها لا تكشف عن القرار النهائي فقط، بل طريقة التوصل إليه من خلال محادثة حيوية تعرفنا على الخيارات التي كانت في عين الاعتبار، والخيار الذي اتفق عليه، إضافة إلى الدوافع السياسية، بخلاف المراسلات أو الخطابات الرسمية المصقولة التي ربما كتبها شخص لم يكن جزءاً من المحادثة، ولذلك يعتقد الباحث أن تسجيلات نيكسون أحدثت تغييراً كاملاً في قواعد اللعبة من حيث فهم المؤرخين والعامة للعملية السياسية.

وعلى رغم اختلاف وجهات النظر، فإن نيكتر أشاد باهتمام كيسنجر بالتاريخ. وقال إنه تلقى ردود فعله في شأن عمله مباشرة وفي أحايين أخرى من خلال وسطاء، مشيراً إلى أنه يرسل ملاحظاته الشخصية حول الكتب وحتى مقالات الصحف. أضاف، "ستسمع من خلال الناس عندما يكون [كيسنجر] سعيداً وعندما يكون منزعجاً، وأفهم أنه انزعج بعد نشر كتابي الأول حول أشرطة نيكسون في عام 2014، لأنه ظهر فيه على نطاق واسع وليس دائماً على نحو حسن"، لكن المؤرخ شدد على التزامه الحياد، كونه لم يعبر عن آرائه، بل اقتصر عمله "على نقل ما تضمنته الأشرطة بأمانة"، لافتاً إلى أن كيسنجر نفسه أشاد بعمله وكتب له في أحيان أخرى بأنه يقدم "هدية عظيمة للمؤرخين".

وعن علاقة كيسنجر بالرؤساء الأميركيين، ومنهم نيكسون الذي أفرد الأول له فصلاً خاصاً في كتابه الجديد حول القيادة، على رغم حقيقة كونه الرئيس الأميركي الوحيد الذي غادر مستقيلاً، أشار أستاذ التاريخ إلى معرفة كيسنجر العميقة بنيكسون، قائلاً إنه سيكون من العدل الاعتراف بأن الدبلوماسي الذي يقترب من قرنه الأول، امتلك علاقات شخصية مميزة مع كل رئيس، بدأ وهجها من جون كينيدي، وامتدت إلى نيكسون.

وذكر نيكتر بأن كيسنجر الألماني الأصل أبلغه في محادثة خاصة بأن الرئيس كينيدي، أوفده حين كان أستاذاً شاباً في جامعة هارفرد، في بعثات سرية إلى ألمانيا الغربية للتخفيف من بعض الخلافات مع مستشار ألمانيا الغربية كونراد أديناور، مشيراً إلى أنه كما عرف كيسنجر كينيدي عن قرب، فمن المؤكد أنه كان يعرف نيكسون أكثر من غيره من الرؤساء الأميركيين، بخاصة أنه قضى أوقاتاً طويلة إلى جانبه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مقاضاة الحكومة الأميركية

لم يكتفِ نيكتر بالنبش في الأشرطة المتوفرة لإشباع رغبته البحثية، بل راح على رغم افتقاره للتدريب القانوني يقاضي الحكومة الأميركية ممثلة في وزارة العدل، وهو الذي يصف نفسه بأنه "آخر شخص قد يعتقد المرء بأنه سيدافع عن نفسه ضد القسم المدني بوزارة العدل". ونظرت الدعوى التي رفعها من قبل أحد كبار القضاة في محكمة فيدرالية بالعاصمة واشنطن، يدعى رويس لامبيرث، الذي أشاد الباحث بصبره واهتمامه الشخصي بالقضية. واسترسل المؤرخ في وصف دور لامبيرث، قائلاً "كاتبته بصفته كبير القضاة في المحكمة، وقد بدأ الأمر بالأسئلة التي طرحتها علي قبل بضع دقائق، إذ بمرور هذه السنوات الكثيرة ما زلنا نفتقر إلى الإجابات الأساسية للأسئلة المتعلقة بحادثة (ووترغيت) التي لا تزال الفضيحة الرئاسية الوحيدة أدت إلى استقالة رئيس [أميركي]".

ونوه نيكتر بدور لامبيرث في مساعدته وحثه على تضييق نطاق البحث على نحو فعال، جنبه من الغرق في بحار بيروقراطية الحكومة وأنظمتها، إذ تمكن الباحث من خلال هذه الاستراتيجية الناجحة من الحصول على إذن لمراجعة بعض الوثائق والتسجيلات، مشيراً إلى أن الدور الذي لعبه القاضي لامبيرث ودعمه لمساعيه كان محورياً، إذ أعفى الباحث من رسوم التقاضي باهظة الثمن، وأبدى عناية خاصة بالقضية حتى إنه راسله قائلاً "إنك تثير بعض الأسئلة المثيرة وأن الشعب الأميركي يستحق الحصول على إجابات عليها".

"فرغت 20 ألف صفحة"

بفضل مساعيه القضائية وعدم اعتماده الكامل على البحث فيما هو موجود أو متاح، بات بحوزة نيكتر اليوم أكبر مجموعة خاصة من التسجيلات من عهد روزفلت عام 1940 إلى عهد نيكسون عام 1973، وتقدر بقرابة 5000 ساعة من الأشرطة المتفاوتة الجودة وأغلبها بجودة رديئة، لكن خزانة تسجيلاته لم تمتلئ إلا بعد أن اضطر إلى السفر حول الولايات المتحدة للاطلاع على التسجيلات المحفوظة في المكتبات الرئاسية في جميع أنحاء البلاد، ونسخها وتفريغ محتواها.

وبالنسبة لأشرطة نيكسون، أوضح المؤرخ الأميركي بأن إجمالي عدد ساعاتها يقدر اليوم بـ3400 ساعة، لكن التوصل إلى رقم قاطع ما زال صعباً. وأشار إلى أن الرقم التقريبي كان 5000 ساعة في البدء، نظراً إلى وجود نحو 900 بكرة، حيث تتضمن كل بكرة ست ساعات، إلا أن عدد الساعات تقلص لاحقاً بعد اكتشاف مساحات فارغة في البكرات، كون النظام الذي ركبه نيكسون كان يبدأ التسجيل بمجرد التقاط الأصوات في نطاقه. وفيما أفرجت الحكومة عن 3000 ساعة تقريباً، فإنها ما زالت تحتفظ بما يتراوح بين 400 و500 ساعة، وتشكل هذه الساعات محور تركيز المؤرخ ومساعيه الحالية لإزاحة الستار عنها.

وكان نيكتر قد نشر ثلاث كتب حول تسجيلات نيكسون المثيرة للجدل، تضمنت محادثات سرية رأت النور لأول مرة، وقد قام بتفريغ محتوى ما يقارب 300 إلى 400 ساعة من التسجيلات في نحو 20 ألف صفحة، 40 صفحة لكل ساعة من الشريط، وفيما لا يبدو هذا كثيراً على حد قوله، فإن الرقم يعد "ثلاثة أضعاف ما فرغه أي شخص آخر على مر السنين"، مشيراً إلى أنه وبعد مرور 50 عاماً، لم تنهِ الحكومة الأميركية نفسها رقمنة هذه السجلات بشكل كامل، كما هو الحال مع أشرطة جونسون وكينيدي والرؤساء الآخرين.

لغز الدقائق المفقودة

عندما أزيح الستار عن أشرطة "ووترغيت" اكتشفت فجوة مدتها 18.5 دقيقة في التسجيلات أدت إلى حجب فحوى الاجتماع بين نيكسون ورئيس موظفيه بوب هالدمان، عقب الاقتحام بأيام. أثناء التحقيقات، خرج فريق نيكسون بتبرير للفجوة عده كثيرون غريباً، إذ قالت سكرتيرة نيكسون الوفية روز ماري وودز في شهادة أمام هيئة محلفين فيدرالية كبرى في عام 1974، إنها كانت تستخدم جهاز تسجيل صوتي، به دواسة توقف التسجيل عندما ترفع قدمها عنه، مشيرة إلى أنها محت جزءاً من الشريط عن طريق الخطأ، وظهرت وودز في صورة توضيحية لما عرف لاحقاً بـ"تمدد روزي ماري".

وفيما لا يزال لغز الدقائق المفقودة قائماً، على رغم تجريب تقنيات جديدة وإنفاق ملايين الدولارات لاسترداد الصوت، يقترح الباحث استراتيجية بديلة لتخمين محتوى الدقائق المفقودة، تتمثل في فحص المناقشات التي سبقتها وأعقبتها، مشيراً إلى أن الـ40 دقيقة التي تلت الجزء المحذوف، بدأت بعبارة من قبيل "عودة إلى موضوع التنصت"، وهو ما يوحي بحسب المؤرخ بأن حادثة الاقتحام كانت محور النقاش في الـ18.5 دقيقة".

 

نيكسون لم يعرف نطق اسم بايدن

ومما تضمنته أشرطة عام 1972 مكالمة هاتفية بين الرئيس نيكسون وعضو مجلس الشيوخ المنتخب حديثاً في ديلاوير جو بايدن، تظهر بحسب الباحث الأميركي جانباً مختلفاً من شخصيتي الرجلين. وكشف نيكتر عن أنه أزاح الستار عن المحادثة لأول مرة بعد أيام قليلة من انتخابات 2020، ولا يعرف ما إذا كان بايدن يتذكر هذا الشريط، بل ربما لم يستمع إليه أبداً، ولكنه على الأحرى يتذكر هذه المحادثة كونها تمثل مكالمته الأولى مع رئيس الولايات المتحدة.

ويوثق التسجيل أن نيكسون طلب من مكتبه الاتصال بعضو مجلس الشيوخ، وكان الرئيس حينها لا يعرف النطق الصحيح لاسم السيناتور الجديد، ما إذا كان "بايدن" أم "بيدن". وقدم الرئيس الجمهوري لبايدن خلال المكالمة التعازي في وفاة زوجته وابنته في حادثة مأسوية، فيما عبر بايدن الديمقراطي عن الامتنان للفتته "الإنسانية" على حد وصف المؤرخ الذي يقول إنها لم تكن بقصد تحقيق أي مكاسب سياسية، مشيراً إلى ندرة هذه اللفتات في الوقت الحاضر، في إشارة إلى حدة الاستقطاب السياسي الحالي.

ما برع فيه نيكسون ويحتاج إليه العالم

وعن أسلوب نيكسون والدروس المستخلصة من سياساته المفصلية، خصوصاً تجاه أوروبا، يقول، "لو كان نيكسون على قيد الحياة، أتساءل عما إذا كانت الأزمة الأوكرانية ستستمر"، مشيراً إلى أن الرئيس الجمهوري حظي باحترام القادة الروس، وقضى ساعات طويلة مع الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف، كما قضى وقتاً طويلاً مع كيسنجر أفضل مستشار له في السياسة الخارجية، ومن النادر جداً أن يتصرف رئيس بهذه الطريقة. وأضاف، "أعتقد أن أزمة أوكرانيا ربما لم تكن لتحدث بالطريقة التي تصاعدت بها الأحداث، لأن نيكسون كان لديه فهم أكبر للشؤون العالمية أكثر من أي رئيس معاصر، وأمضى سنوات في السفر خارج البلاد للقاء القادة الأجانب خلال الستينيات حتى يكون مستعداً للرئاسة. لا أعتقد أنه لو كان على قيد الحياة كان بإمكانه منع الأزمة، لكنني أعتقد أنه كان بإمكانه بالتأكيد التعامل معها، وأعتقد أن الشيء الوحيد الذي ينقصنا اليوم هو الدبلوماسية الإبداعية التي لا تقتصر على القمم والمؤتمرات، بل تمتد إلى استخدام الدبلوماسية غير الرسمية والثقافية والقنوات الخلفية".

حقل ألغام سياسي وقانوني

يعتبر نيكتر تحديه الأكبر أنه يعمل على بحث غير مكتمل نظراً إلى وجود بقاء عدد كبير من التسجيلات طي الكتمان، وطول المدة قبل رفع السرية على المواد، إذ قد تدوم لبعضها من 50 إلى 75 سنة، ولذلك يشدد على حاجة جميع المؤرخين الذين يعملون على مواضيع تاريخية حديثة، إلى ثقافة قانونية لمعرفة حقوقهم في مراجعة وثائق إدارة الأرشيف الوطني، والتنقل فيما يصفه بـ"حقل ألغام سياسي وقانوني"، وطرح أسئلة مدروسة حول القيود المطبقة على الوثائق المحظورة والدفاع عن حقهم في مراجعتها، لكن الأستاذ في جامعة "تشابمان" يبدي تفاؤله حيال دور التسجيلات والوثائق المؤرشفة في المستقبل، قائلاً إنها ستكون مرجعاً بعد عقود لمعرفة كواليس اتخاذ القرار في أي حكومة بالعالم، سواء حكومة بوريس جونسون أو إدارة دونالد ترمب، لكن الأمر قد يستغرق 50 عاماً حتى نحصل على صورة أوضح، كما حدث مع حقبة نيكسون التي لم نحصل على تصور أكمل لها إلا بعد خمسة عقود، نظراً إلى أن رفع السرية يستغرق عقوداً، إلا أن هذه السجلات مصيرها الظهور على حد وصفه، خصوصاً أن مسؤولي اليوم دائماً ما يأخذون الوثائق إلى منازلهم، ويحتفظون بها على الخوادم ومحركات الأقراص الصلبة والسحابة الإلكترونية في حين يمتلك كل شخص دافعاً لسرد الحكاية الحقيقية.

المزيد من حوارات