Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع مقتل طفل في التاسعة يبدو أن دموية النظام الإيراني لا حد لها

يظهر أن الحكومة تحث على العنف بشكل فاعل وأنها مستعدة لإدخال البلاد في حرب أهلية من أجل الاحتفاظ بالسلطة

يزعم أن قوات النظام قتلت قبل أيام كيان بيرفالاك ابن السنوات التسع في مدينة إيذج جنوب غربي البلاد (رويترز)

كل يوم في إيران يلجأ النظام إلى أساليب أخطر وصادمة أكثر في محاولته قمع حركة احتجاج تتحدى الجمهورية الإسلامية برمتها.

في يومي السبت والأحد شن النظام عملية أمنية ضخمة ضد مدينة مهاباد في غرب البلاد التي تقطنها القومية الكردية وكانت من أشد الداعمين لحركة "امرأة، حياة، حرية" التي انطلقت على أثر وفاة مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاماً.  

قبل عدة أيام من ذلك، أفادت تقارير عن مقتل كيان بيرفالاك، وعمره تسع سنوات، على يد النظام في مدينة إيذج في جنوب غربي البلاد، بعد إصابته بنيران مسلحين أطلقوا الرصاص على المركبة التي كان يستقلها.

وفي كلتا الحالتين أظهر النظام قسوة وتهوراً يضاعفان عزيمة معارضيه ويدفعان البلاد نحو وضع أكثر خطورة. وما يدل عليه العنف هو إفلاس طرق استجابة النظام لأي مطالب شعبية بالتغيير، وهو يثبت في الأخير أن الجمهورية الإسلامية قد استنفدت منذ زمن بعيد أي تفويض أعطي إليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لطالما اعتبرت ماهاباد التي تقطنها 168 ألف نسمة على الأقل، والواقعة في المنطقة الجبلية قرب الحدود الإيرانية مع العراق وتركيا، بؤرة للمعارضة السياسية للنظام ولطالما تمركزت فيها مجموعات انفصالية مسلحة. كانت المدينة عاصمة لتجربة لم تعمر طويلاً للحكم الذاتي الكردي الذي سحق بقسوة في عام 1946. ولا تزال من بين الجيوب العرقية المضطربة التي تقاوم منذ زمن حرمان الجمهورية الإسلامية الأكراد من حقوقهم السياسية واللغوية والثقافية.

وفي أعقاب التجمعات الصاخبة في الشوارع، ومسيرات تشييع المتظاهرين الذين قتلوا في الأيام السابقة، داهمت القوات الأمنية المدينة يوم السبت، وقطعت عنها الكهرباء والإنترنت وحلقت بمروحياتها في فضائها. وتشير التقارير المتفرقة من داخل المدينة إلى أن جنود النظام في الميدان أخذوا بإطلاق النار عشوائياً على الأحياء السكنية وبالتوجه إلى المنازل، الواحد تلو الآخر، كما يزعم بأنهم أخذوا عنوة جثث القتلى الذين سقطوا في التظاهرات السابقة، لمنع تشييعهم في مراسم دفن مشحونة سياسياً.

وكتب أحد الناشطين الموجودين في ألمانيا على "تويتر"، "أخبروا الجميع بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترتكب مجزرة في مهاباد هذه الليلة. أرجوكم أن تخبروهم، أرجوكم".

ويحتمل أن يؤدي هجوم النظام على الأكراد إلى انتفاضة مسلحة شاملة. تعمل الأحزاب الكردية المعارضة التي لدى معظمها وجوداً عبر الحدود في العراق، على تهدئة الشخصيات المندفعة داخل صفوفها، وحثها على عدم حمل السلاح، خوفاً من اتهامها بأنها انفصالية، وتشويه صورة الحراك الاحتجاجي الذي يتخطى الفوارق العرقية والطائفية، لكن ما يظهر من إقدام النظام على إثارة هذا العنف بشكل فاعل، دليل على عدم تثمينه وحدة إيران وسلامتها، وعلى استعداده لإغراق البلاد في حرب أهلية في سبيل الاحتفاظ بالسلطة.

تؤكد قصة كيان بيرفالاك على المسار الكارثي الذي يتبعه النظام. كان الصبي المرح يرى نفسه مخترعاً، وقد أظهر اهتماماً مبكراً بعلوم الميكانيكا والهندسة كما تبين الفيديوهات المتداولة له على الإنترنت التي يستعرض فيها أجهزته المصنوعة يدوياً. كان يستقل السيارة برفقة والده يوم الأربعاء، وبدا أنهما كانا يتفرجان على التظاهرات التاريخية التي تحدث في مدينة إيذج ذات الأغلبية العربية في جنوب غربي إيران، حين قال لوالده إنه لا يشعر بالأمان وطلب منه العودة إلى المنزل. امتثل والده لطلبه، لكن عندها قام مسلحون يركبون دراجات نارية بإمطار السيارة بالرصاص. أعلنت وفاة كيان في المستشفى. كان الأصغر سناً بين 50 طفلاً ومراهقاً سقطوا من ضمن قتلى الأسابيع التسعة الأخيرة.

يقول النظام الإيراني، إن "إرهابيين" مجهولين قتلوا كيان، لكن أحد النواب السابقين عن إيذج قال للتلفزيون الرسمي إن الأشخاص أنفسهم الذين أردوا الطفل قتيلاً أحضروه إلى المستشفى في تلميح إلى أن بلطجية النظام هم من أطلقوا النار على السيارة ثم اصطحبوه بسرعة إلى المستشفى عندما أدركوا بأنهم قتلوا طفلاً.

حتى الآن، قتل 400 شخص على الأقل في أعمال العنف، إضافة إلى العشرات من عناصر القوات الأمنية. كل يوم، يثبت النظام لشعبه وللعالم بأنه فقد كل صدقية وشرعية.

ربما يتمادى أفراد الجالية الإيرانية في الشتات الذين يطلقون على أنفسهم صفة "ثوار" عندما يصرحون بأن الإيرانيين يريدون إسقاط الجمهورية الإسلامية، لكن كيف نفسر إذاً إحراق منزل الطفولة الذي ترعرع فيه آية الله روح الله الخميني الذي تحول إلى متحف في مسقط رأسه، حيث تقطن 80 ألف نسمة، فيما وقف المتفرجون يهللون؟

لم يضع النظام أي حدود لنفسه وهو يصد بعنف انتفاضة تسعى إلى إحداث تغيير جذري. فلا عنفه ولا كذبه يقفان عند أي حد. تهدف عمليات القتل إلى ترهيب الناس لكي يبتعدوا عن الشوارع. ومع ذلك، مع كل وفاة، تخرج تظاهرات أكبر، وإن كانت المواجهات الليلية مع الشرطة والتظاهرات في حرم الجامعات تستقطب إجمالاً شباناً وشابات، فمسيرات التشييع ومجالس العزاء التي تعقد لإحياء ذكرى القتلى تدفع في النهاية إيرانيين من جيل الثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي خط الشيب شعرهم وبلغوا منتصف العمر، كما غيرهم من الأكبر عمراً كذلك، إلى ساحات الانتفاضة. 

يسير المجتمع بسرعة نحو التسييس والتعبئة والتطرف. ويظهر الممثلون والباحثون ومخرجو الأفلام والرياضيون دعمهم للحراك عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو ملاعب كرة القدم. في إحدى الحالات، قامت عائلة منعت من زيارة المقبرة لتكريم ابنها الذي قتل في انتفاضة سابقة، بتحضير وجبات الطعام للمتظاهرين في الانتفاضة الحالية.

لا مؤشر إلى أن النظام يفهم ما الذي يواجهه الآن. وهو يستمر بإلقاء اللوم عن قيام التظاهرات على المحطات التلفزيونية الأجنبية، وما يبعث على السخرية أكثر، على قضاء الطلاب وقتاً طويلاً على الإنترنت خلال أزمة "كوفيد".

وقال المرشد الأعلى علي خامنئي، "يتسبب مثيرو الفوضى بمشكلات للشعب وهم يرتكبون الجرائم، لكن هؤلاء الذين يثيرون الشغب في الشوارع، ومن يديرهم من وراء الكواليس، أقل شأناً من أن يتمكنوا من إيذاء الجمهورية الإسلامية".

في سبيل إيجاد المذنبين الحقيقيين وراء التظاهرات، على النظام الإيراني أن ينظر إلى نفسهم وإلى تصرفاته خلال الـ44 عاماً الماضية، ولا سيما السنوات الـ23 الماضية، حين بدأ بقمع حركة إصلاحية ناشئة وتحييد مطالب الشعب بالتغيير.

ترتفع في كل أنحاء إيران في الوقت الحالي ملصقات تحتفي بمشاركة المنتخب الإيراني الوطني لكرة القدم في مباريات كأس العالم، حيث من المزمع أن يواجه المنتخب الإنجليزي في 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، "من أجل إيران"، هذا ما كتب على اللافتات التي أحرقها المتظاهرون المرة تلو الأخرى.

إن كان رجال الدين والجنرالات الذين يشرفون على البلاد يحبون إيران بحق، لأطلقوا سراح المعتقلين السياسيين وتعاونوا مع معارضيهم في إدارة تفكيك غير دموي نسبياً للجمهورية الإيرانية وتسليم السلطة إلى الشعب.

© The Independent

المزيد من آراء