عراقيات يتدربن على الفنون القتالية لمواجهة التحرش والقلق

اجتذبت هذه رياضة عدداً كبيراً من النساء في ظل الأوضاع المضطربة وكثرة الجرائم

أكاديمية أسسها مدرب الفنون القتالية في بغداد آصف محمد (أكاديمية عائلة آصف)

تعرضت الشابة العراقية نور علي (25 عاماً) للتحرش والضرب عندما حاولت الدفاع عن نفسها، في وقت لم تجد من يدافع عنها.

تقول "في ذلك اليوم، تأخرت سيارة الأجرة، فقررت أن أمشي بعض الخطوات. وعندما وصلت إلى منتصف الشارع، فوجئت بشاب يلاحقني وحاول أن يلمسني. صرخت في وجهه بحدة، فوجه ضربة قوية على رأسي أسقطتني أرضاً".

بعد هذا الموقف، شعرت علي أنها ضعيفة وعاجزة عن حماية نفسها. من هنا، بدأت رحلتها في تعلم الفنون القتالية. "لم أتمكن من إخبار أسرتي بحقيقة الموقف، كي لا أسبب لهم القلق في كل مرة أخرج فيها من البيت. لذا، خصصت وقتاً لتعلم الفنون القتالية في القاعة الرياضية، وفي أوقات الفراغ أتدرب في منزلي".

وتضيف "في البداية، واجهت صعوبة كبيرة أبرزها التفكير في الحادث والإصابات الجسدية، إلا أنني اجتزتها في فترة قياسية وأصبحت قوية لا يؤلمني شيء".

ولم تكتف علي بتدريب نفسها فحسب، بل شجعت صديقاتها وشقيقاتها على الانخراط في صفوف التدريب. وهي ترى أن الفنون القتالية ضرورة لكل النساء بشكل عام لحماية أنفسهن أو أسرهن في الأوقات الصعبة.

اجتذبت رياضة الفنون القتالية عدداً كبيراً من النساء في العراق، خصوصاً أنها تساعد في بناء الثقة بالنفس ومنح الجسم القوة والسرعة والصلابة. وهي لا تتقيد بوزن أو عمر محدد. كما أنها تساعد في التخلص من المشاعر السلبية التي تسببها الظروف المحيطة، مثل الخوف والقلق والتردد، وتساعد في إفراز هرمون السعادة، فتعزز الشعور بالجاذبية والأنوثة، كما تقول مدربة الفنون القتالية سندس هادي.

ووفق هادي، فإن النساء بدأن الإقبال على الفنون القتالية بشكل تدريجي، منذ مطلع عام 2018، حتى إن بعضهن انخرط ضمن صفوف الأندية الرياضية.

وتعتبر هادي الفنون القتالية أسلوباً في التعليم، يجمع عدداً من التقنيات القتالية والدفاعية من دون استخدام السلاح ولها أبعاد روحية وأخلاقية تساعد في ضبط النفس والسيطرة على الذات، لتفادي القتال إن أمكن بغية التعامل مع المواقف بطريقة مُثلى ومن دون خسائر.

تدريب نظري وعملي

المرحلة الأولى من التمارين القتالية هي المحاضرات النظرية التي تتضمن التوجيهات  والتفاصيل المهمة عن اللعبة، وتؤدي دوراً في شحذ الهمم وزرع الثقة بالنفس لدى المتدربات وإقناعهن بأنهن عنصر فعال ومتأهب للدفاع عن النفس والغير عند الضرورة، كما تقول هادي.

وعلى الرغم من أن الفنون القتالية متنوعة، إلا أن أكثر النساء وفق هادي يُقبلن على الكاراتيه والكيك بوكسنغ والتايكواندو والجودو والملاكمة. وهي أنواع تحتاج إلى تدريبات عملية كثيرة، لا تخلو من الخطورة. فأحياناً، تبلغ الثقة لدى بعض النساء مستوى عال من التهور والمباهاة بالقوة، ما يؤدي إلى فقدان السيطرة على النفس. لذلك، تُذكر هادي دائماً بمبدأ أن الحكمة أساس القتال. وبهذا، يُنجز التحرك المناسب في الموقف والوقت المناسبين.

وتشير هادي إلى أن "تعلم المرأة الفنون القتالية لا يتعارض مع أنوثتها مطلقاً، لكنه يساعد في كسر الصورة النمطية السائدة بشأن ضعف المرأة وبأنها كائن مغلوب على أمره، كونها ضحية التحرش والعنف والسرقة وغيرها من الاعتداءات".

وما كرس هذه الصورة، احتكار الرجال لهذه الرياضة على الرغم من أنها فن كغيرها من الفنون تستقطب الجميع.

ضرورة أمنية دفاعية

أسهمت الأوضاع المضطربة والخروق الأمنية وكثرة الجرائم في تنامي بعض الظواهر الاجتماعية السلبية، ومنها التحرش. كما ولّدت لدى غالبية النساء شعوراً بفقدان الأمان حتى داخل المنزل. ولهذه الأسباب، وفق الباحثة ابتسام المحنة، زاد إقبال النساء على مراكز تدريب الفنون القتالية.

وبحسب المحنة، فإن المراهقات وطالبات الجامعة يمثلن النسبة الأكبر في هذه الرياضة، وقد يعود السبب في ذلك إلى عدم إفصاح الفتيات عن مواقف التحرش والمضايقات التي يتعرضن لها، خوفاً من تأنيب الأسرة أو تهديد الجاني.

وتشير المحنة إلى وجود فوارق مجتمعية ومناطقية تمنع النساء من ممارسة الفنون القتالية. فمثلاً، في العاصمة بغداد وإقليم كردستان ترتفع نسب مشاركة الفتيات المتدربات، بينما تكاد تنعدم في محافظات وسط وجنوب العراق على الرغم من الحاجة الكبيرة إلى هذا النوع من الرياضة.

وتعتبر المحنة أن هذه القيود المجتمعية تشكل تحدياً كبيراً يواجه النساء اللواتي يلجأن إلى بغداد وبعض المحافظات لتعلم الفنون القتالية وممارسة السباحة، فيما تعتمد الأخريات على الإنترنت للتعلم داخل المنزل، لكنها تعتقد بأن المجتمع سيبدأ بتقبل الأمر، تدريجاً.

المزيد من العالم العربي