كيف يغير "بريكست" المشهد السياسي في بريطانيا؟

بروز أحزاب الأطراف يهدد الثنائية الحزبية بين المحافظين والعمال... وتيار "الوسط" يتشظى أكثر يمينا ويسارا

نائبة زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين جو سوينسون مع السياسي الديمقراطي الليبرالي إد ديفي (يمين) (أ.ف.ب.)

لا يلتفت كثيرون إلى إعلان سياسي بريطاني آخر قبل نهاية الشهر، هو اختيار حزب الليبراليين الديموقراطيين لزعيم جديد خلفا للحالي السير فينس كابل. إذ يتزامن ذلك مع الإعلان عن زعيم جديد لحزب المحافظين الحاكم بعد انتهاء تصويت أعضاء الحزب في 22 يوليو (تموز) لاختيار أحد المرشحَين: بوريس جونسون، أو جيريمي هانت، ليصبح أيضا رئيساً للحكومة.

ويوم 23 يوليو (تموز) سيُعلن الفائز برئاسة الليبراليين الديموقراطيين: إد ديفي، أم جو سوينسون، بعد انتهاء تصويت أعضاء الحزب. كلا المرشحين عمل في حكومة ديفيد كاميرون ضمن الائتلاف بين المحافظين والليبراليين الديموقراطيين بعد انتخابات 2010، وشغل إد ديفي منصب وزير دولة للطاقة والتغير المناخي، وشغلت جو سوينسون منصب وزيرة الأعمال والمساواة.

يركز الإعلام بالطبع على انتخابات حزب المحافظين الحاكم، والسباق بين جونسون وهانت، لأن الفائز سيكون رئيساً للحكومة، وليس فقط زعيماً للحزب. لكن انتخابات رئاسة حزب الليبراليين الديموقراطيين لا تقل أهمية، ليس فقط لأنه يتجه إلى أن يكون الحزب الثالث في الساحة السياسيّة البريطانية، ولكن لأنه الأقل تضرراً من صراعات الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، منذ بدأت قبل ثلاثة أعوام.

الفارق الأهم الذي ربما لم يحظَ باهتمام الإعلام، أنه بينما يتقاتل جونسون وهانت، ومؤيدو كل منهما، في سباق زعامة الحزب الحاكم مطلقين الوعود والتعهدات مهما كان بها من شطط، تميزت المناظرة بين المتسابقَين على رئاسة حزب الليبراليين الديموقراطيين بالجديّة والنقاش حول السياسات أكثر من التجريح الشخصي.

ذلك لأن الحزب كله متسق تماما في موقفه من "بريكست" منذ استفتاء 2016، فهو مع بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ولا يعاني تشظيا لفصائل مع الخروج أو مع البقاء، أو مع "بريكست" من دون اتفاق، أو باتفاق. كما أنه ليس منقسماً مثل حزب العمال على استفتاء ثانٍ أو مع بريكست من دون اتفاق.

صعود على حساب "العمال"

يأتي صعود حزب الليبراليين الديموقراطيين على حساب تراجع حزب العمال، وإن كان يأخذ أيضا من نصيب حزب المحافظين الحاكم، لكن بدرجة أقل. في استفتاء "بريكست" عام 2016 صوّت ما يصل إلى نصف البريطانيين لصالح البقاء في أوروبا، ومع تذبذب حزب العمال في موقفه من التصويت يتوقع أن يذهب هؤلاء إلى الحزب الذي ثبت على موقف واضح من البداية بعدم الخروج.

وتشير الانتخابات المحلية التكميلية التي جرت قبل أكثر من شهرين إلى أن الزيادة الهائلة التي حققها حزب الليبراليين الديموقراطيين في عدد مقاعد المجالس المحلية التي جرى فيها التصويت كان أغلبها من مقاعد حزب العمال، وإن نال نصيباً أيضا من حزب المحافظين في المناطق التي صوّتت ضد "بريكست".

وبينما خسر حزب المحافظين الحاكم وحزب العمال المعارض عدة مجالس محلية وعددا أكبر من مقاعد المجالس، أضاف حزب الليبراليين الديموقراطيين ما يصل إلى 700 من مقاعد المجالس المحلية إلى رصيده. واعتبر ذلك مؤشرا على استعادة الحزب لوضعه الذي خسره في الانتخابات العامة في 2015 نتيجة تحالفه مع "المحافظين" في ائتلاف حكومي.

وكانت انتخابات نواب البرلمان الأوروبي مثالا صارخا على تراجع الحزبين الرئيسين في السياسة البريطانية لصالح الأحزاب الطرفية. وطبيعي أن حزب "بريكست" أخذ كثيرا من نصيب المحافظين، لكن المفاجأة كانت ما أخذه الليبراليون الديموقراطيون من نصيب حزب العمال.

وكانت نتائج الانتخابات الأوروبية في بريطانيا كالتالي: 30.5% لحزب "بريكست"، 19.6% لحزب الليبراليين الديموقراطيين، 13.6% لحزب العمال، 11% لحزب الخضر، و8.8% لحزب المحافظين الحاكم.

والملاحظ أن حزب العمال المعارض فقد كل الزخم الذي بدا في انتخابات 2017 حين كاد يفوز على حزب المحافظين في الانتخابات المبكرة التي دعت إليها رئيسة الوزراء تريزا ماي. ويذهب القدر الأكبر من خسارته إلى الليبراليين الديموقراطيين.

ونتيجة اعتراض بعض نواب البرلمان من المعارضة على سياسات زعيم حزب العمال جيريمي كوربن، انشقوا عن الحزب وحاولوا تكوين "حزب التغيير"، لكن انتهى المطاف بأهم هؤلاء النواب إلى الانضمام لحزب الليبراليين الديموقراطيين.

تراجع الحزبين

في أحدث استطلاع لرأي الناخبين في بريطانيا أجرته مؤسسة "يوغوف"، تراجع نصيب الحزبين الرئيسين: المحافظين الحاكم والعمال المعارض، بما يجعل من الصعب على أي منهما الفوز بأغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة إذا أجريت انتخابات عامة الآن.

صحيح أن حزب المحافظين الحاكم جاء في المقدمة، لكن بنسبة أصوات متراجعة بشدة عن الانتخابات السابقة، ويكاد يتساوى في نصيبه مع حزب "بريكست الجديد"، الذي يعد تطرفا نحو اليمين من المحافظين. أما العمال فجاء في المركز الرابع، ما يعكس التراجع الشديد في الحزب نتيجة مواقفه "المائعة" من "بريكست" وغيره، وعدم قدرة قيادته على الحسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحسب نتائج الاستطلاع الذي نشرته وسائل الإعلام البريطانية، جاءت نسب الأحزاب من أصوات الناخبين، كالتالي: 24% للمحافظين، 21% لحزب بريكست، 20% لحزب الليبراليين الديموقراطيين، 18% لحزب العمال، 9% لحزب الخضر، 4% للحزب الوطني الاسكتلندي.

وكما يرى كثير من المراقبين للمشهد السياسي البريطاني فإن مشكلة الحزبين الرئيسين، المحافظين والعمال، أنهما يسعيان إلى تعويض الخسارة بين الجماهير بتبني سياسات الأحزاب المتطرفة عنهما. فـ"المحافظين" يتجهون أكثر نحو اليمين المتشدد بتبني مقولات زعيم حزب "بريكست"، نايجل فاراج، بخاصة فيما يتعلق بالخروج من الاتحاد الأوروبي. ولهذا يتنافس بوريس جونسون وجيريمي هانت على التعهد بـ"بريكست" من دون اتفاق في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

أما حزب العمال فيعاني من عدم وضوح مواقفه وسياساته نتيجة طريقة زعيمه "كوربن" في محاولة المواءمة بين فصيل اليسار الذي يقوده، والفصيل الذي كان رئيسا في الحزب وقت زعامة توني بلير وغرودون براون، "العمال الجدد". ونتيجة لذلك لا تتخذ قيادة الحزب مواقف واضحة، بخاصة فيما يتعلق بـ"بريكست". فهناك قطاع كبير من الحزب يريد إجراء استفتاء ثانٍ على "بريكست" كي يحثوا الناخبين على التصويت بـ"لا"، لكن "كوربن" يرفض ذلك حتى لا يُغضب القاعدة العمالية اليسارية في الحزب التي تدعمه. وهكذا، حتى لو غيّرت القيادة رأيها ودعت إلى استفتاء ثانٍ الآن، فإن ذلك لن يعوضها ما خسرته من عناصر الحزب ومن قطاعات واسعة من الناخبين.

نهاية الوسط السياسي

ربما يكون ما يجري في بريطانيا الآن، وإن كان سببه التدهور الرهيب في الحياة السياسية نتيجة الخلافات والمؤامرات المتعلقة بـ"بريكست" على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، نموذجا لأوروبا والعالم الرأسمالي الغربي كله.

منذ تسعينيات القرن الماضي والأحزاب السياسية الرئيسة في الدول الديموقراطية التقليدية تتجه نحو الوسط، وبدلا من اليسار واليمين التقليديين أصبح هناك "يمين الوسط" و"يسار الوسط". واستمر ذلك النهج حتى تكدس الوسط السياسي وترك فراغا على الهامش لا يمكن أن تملأه سوى الأحزاب الطرفية المتشددة من كلا اللونين للطيف السياسي.

إلا أن تلك الأحزاب الطرفية أصبحت الآن ضمن ما يمكن وصفه "تقليدية mainstream"، أو هكذا تسعى بالفعل ويتقبلها الناخب العادي على هذا الأساس. ولم يعد أمام المؤسسة الحاكمة في أغلب بلدان الديموقراطيات الغربية إلا التعامل مع هذا الواقع الجديد.

ويرى بعض المحللين أن بروز "الشعبوية السياسية"، إذا جاز التعبير، مع فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأميركية في 2016، كان له الأثر الأكبر في هذه التحولات الجذرية في الحياة السياسية عبر الأطلنطي. ولا يعني ذلك بالطبع استمرار صعود اليمين الأكثر تشددا، كما في إيطاليا وغيرها، وإنما أيضا بروز تيار يساري أكثر تشددا كما في بلدان أوروبية أخرى.

لكن يبقى أن بريطانيا، الأكثر ميلا إلى المحافظة تقليديا وإن استعاضت عنها بالليبرالية أكثر من الاشتراكية اليسارية، تمثل نموذجاً فريداً. وربما هذا ما يجعل حظوظ حزب الليبراليين الديموقراطيين أكبر إذا جرت انتخابات عامة قبل نهاية العام، أو في موعدها المقرر في 2022.

المزيد من رأي خبير