فاتح المدرّس يعود إلى مرسمه وأصدقائه في ذكرى رحيله العشرين

احتفال بين مرسمه الدمشقي واعماله في صالة البلدة القديمة

صورة فاتح المدرس منحوتة في مرسمه الدمشقي (اندبندنت عربية)

ثلاثة أيام مع "فاتح المدرّس- 1922- 1999" أمضاها أصدقاء الرسام السوري الكبير الراحل وطلابه وعشاق فنه، متنقلين بين مرسمه الكائن في ساحة النجمة وسط دمشق، وبين "غاليري مصطفى علي" في البلدة القديمة، حيث اشتملت الفعالية التي حملت عنوان "فاتح المدرّس... عشرون عاماً على الرحيل" معرضاً استعادياً لأعماله التي ضمت اثنتين وأربعين لوحة من مجموعات ومقتنيات خاصة، تنوعت في حجومها بين دراسات له بالأبيض والأسود، وأعمال "زيت على قماش"، إضافة إلى أعمال ورقية ورقيمات شعرية بخط يده. جميعها اختيرت من مراحل متعددة عكست تطور تجربة هذا التشكيلي الرائد منذ خمسينيات القرن الفائت، وحتى رحيله قبل عام من نهاية الألفية الثانية.

التظاهرة التي حشد لها منسقها ملهم صالح عشرات الأسماء من التشكيليين والنقاد والمتابعين، عرضت فيلماً وثائقياً عن "المدرّس" كان قد حققه كل من المخرجين: الراحل عمر أميرلاي وأسامة محمد ومحمد ملص، إذ التقى هذا الأخير جمهوراً عريضاً من عشاق فن ابن الشمال السوري، ليدور حوار مفتوح معه عن الظروف التي رافقت تحقيق هذا الوثائقي عام 1995 والذي تناول أهم المحطات في حياة "الفنان المعلِّم"، وجدلية الآراء التي ناقشها مع مخرجيه على مدى خمسين دقيقة من زمن الشريط الذي بقي شاهداً على تجربة هذا التشكيلي الرائد.

الفنان إلياس الزيات، رائد فن الأيقونة في سورية أسهم هو الآخر في هذه الفعالية، مؤثراً الحديث عن ذكريات جمعته بـ "المدرّس"، لا سيما بعد عودة هذا الأخير من الدراسة في روما والـ"بوزار" في باريس أواسط الستينيات، ليرأس قسم الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة بدمشق. المرحلة التي استعادها الزيات بشغف وحنين إلى تلك الأيام التي جمعته مع رفيق دربه الطويل، اختار لمحات منها، سارداً سيرة صديقه الذي قال عنه: "إنه كان قادراً على إشاعة الجمال، مثلما كان يجتذب الفراشات إلى يديه بسحر ساحر"، وطارحاً بعضاً من فلسفته الشخصية عن اللوحة والحداثة، وتأثره بسماء وسهوب الشمال السوري وطبيعته الشاسعة، التي تبدت ظلالُها وأضواؤها في أعماله الأولى، خصوصاً تلك الأعمال التي حققها كسبق بالريشة العريضة وأشهرها لوحة "خاتم الخطوبة- 1952". ولم ينس الزيات التذكير بالفضل الذي تركه "المدرّس" في نفوس طلبته الذين أصبحوا اليوم من أبرز الفنانين في الوسط التشكيلي السوري.

الفعالية اشتملت في يومها الثالث عرضاً لمادة تلفزيونية نادرة، جمعت "المدرّس" مع الفنان والباحث الموسيقي سعد الله آغا القلعة، إذ عرض هذا الأخير للقاء جمعه بشيخ الحداثة التشكيلية السورية في برنامج "العرب والموسيقى" والذي استطاع فيه "المدرّس" إجراء ترجمة لونية فورية لموسيقى ارتجلها "القلعة" على آلة القانون، موقّعاً ثلاث لوحات رسمها مباشرةً، مستلهماً من الموسيقى التي لطالما زاولها ارتجالاً على آلة البيانو في مرسمه. المكان الذي كان بمثابة ملتقى يومي لفنانين ومثقفين وكتّاب وصحافيين وسياسيين، فكان هذا "المرسم" الذي تحول اليوم إلى غاليري باسمه، ملاذاً لعشرات من المهتمين والمتابعين لتجربة "المدرّس" ناهلين من قدرته على خلخلة المفاهيم السائدة عند أبناء جيله، واشتغاله المضني على سطح اللوحة، وهندستها الصارمة، ومزاوجته بين الواقعي والرمزي والأسطوري، بما جعل أعماله تؤسس لطليعة من الفنانين الذين اهتدوا بتعاليمه وجرأته الفنية، ودفاعه المستميت عن حق الفنان في التجريب، والذهاب إلى أقصى مدى في لوحة مغايرة، لوحة ذات أبعاد مختلفة على المستوى الجمالي، والقيم اللونية وفلسفة التصوير المعاصر.

هذا كله حضر في الجزء الأهم من هذه الاحتفالية مع الفنان والناقد طلال معلّا، الذي تحدّث بدقة عن خصوصية اللوحة التي عمل عليها المدرّس، فقال: "حاول فاتح بتجربته الأولى أن يحجب عن الإدراك سيرة اللوحة التي ترسخت في أذهان الناس، لتحل محلها وقائع بصرية جديدة على صلة بطفولته الشقية". الحرية هي النداء الذي ينبعث من لوحات فاتح، التحرر من الطبيعة، وسيطرة الإنسان على الإنسان، وسيطرة التقاليد والقوانين، إذ كان يطالب بإلغاء أمرين: الفقر والخوف، لتحكمهما بمصير الإبداع العربي، وبمناخات التعبير الإيجابية. ولهذا، كان رحيل فاتح مع نهاية القرن العشرين، ومع دخول الفن في كسوف شديد التأثير في المجتمع الإنساني، كسوف لغة الفن، وكسوف تعليمه ومحتواه والحكم عليه. غادرنا فاتح وهو يرى بعين الحقيقة أن لا شيء يبقى ثابتاً في مكانه، وأن ما كان يدعو إليه منتصف القرن العشرين؛ بات تقليدياً في حكم لغة الفن ومقدرة هذه اللغة على التبدل وفق الظروف المستجدة في عالم الفنون، وذلك باستبدال هذه اللغة الدلالات والرموز والمعاني بأخرى لم يتوافق المدرّس مع طروحاتها".

الجلسة الختامية من هذه التظاهرة كانت مع استعراض معلّا لثلاثين لوحة من أعمال "المدرّس" التي أُنقذت وأُعيد ترميم بعضها في متحف الفن الحديث بدمشق، حيث تخلل عرض هذه الأعمال على شاشة إسقاط ضوئية، والمقارنة بينها وبين أعمال عدد من مجايليه، بغية تحليل علمي لتفوق فاتح وأسبقيته على أبناء مرحلته وخوضه في غمار الحداثة، وتجديده الساطع عليها، لا سيما مع كل من محمود حماد ونصير شورى وميشيل كرشة، الذين أوضحت شروحات معلّا بالأمثلة أن أعمالهم اقتصرت في خمسينيات وستينيات القرن الفائت على تصوير الطبيعة الصامتة، ورسم مناظر الورود والعمارة التراثية، فيما كان فاتح يعمل عبر لوحاته من قبيل: "كفر جنة" و"العذراء والطفل الإلهي" و"نهر قويق" و"عالو" على أشكال تعبيرية تجريدية، استقت أبعاد حداثتها بتحوير الواقع السوري، وتكرست جِدتُّها وفرادتها من أساطير المنطقة التي أعاد صياغة نباتاتها وكائناتها وهيمنتها بموهبة عالية، توضحت فيها ملكات الفنان الغرافيكية، ومهاراته في ترسيخ هوية بصرية جديدة في المشهد الفني السوري، بعيداً من الواقعية التسجيلية، والنزعة التزيينية، والتعبئة الأيديولوجية، خصوصاً مع ظهور حركات الكفاح المسلح في المنطقة، وبزوغ الأحزاب القومية وصيحاتها الشعاراتية في الملصق واللوحة المسندية.

ابتعد "المدرّس" عن كل هذه الأنماط من التعبير السطحي والمباشر، مسترشداً بموهبته وفطرته ومعرفته السابقة على أقرانه، التي تبدت أربعينيات القرن العشرين، بنشره أولى أشعاره السريالية بعنوان: "الأميرة" في مجلة "القيثارة" التي كانت تصدر في اللاذقية، إذ كان ينشر فيها مقطوعاته إلى جانب كل من أدونيس وأورخان ميسر وخير الدين الأسدي، وذلك في الفترة التي سبقت ظهور موجة شعراء قصيدة النثر في العالم العربي، حيث كان "المدرّس" شاعراً وأديباً إلى جانب كونه موسيقياً ورسّاماً، لتصدر له مجموعة قصصية قدّم لها الأديب الراحل سعيد حورانية، وكانت بعنوان "عود النعناع" التي تحولت في ما بعد إلى فيلم روائي من توقيع المخرج بلال صابوني، إضافةً إلى إصداره مجموعتين شعريتين هما: "القمر الشرقي يسطع على شاطئ الغرب" بالاشتراك مع الشاعر والمسرحي شريف خزندار عام 1959، والثانية كانت أواخر الثمانينيات بعنوان "زمن اللاشيء" بالاشتراك مع صديقه الشاعر الراحل حسين راجي.

جوانب مختلفة من حياة "المدرّس" تناولها عشاق وأصدقاء ومحبو "المدرّس"، أبرزها آراؤه في الفن والحياة والجمال والمرأة والسلطة والخوف، ومنها قوله: "الفنانون الذين يهرولون إلى مراسمهم، ويعملون كما يعمل النجار أو الحداد أو السياسي المرتزق، وقد تسلحوا بالمناشير والمطارق، لا ينتمون إلا للزبد الفكري، هؤلاء يقولون عن أعمالي إنها متشابهة، وقد صدّقتُهم، وعندما بحثتُ عن جوانب التشابه، لم أجد سنتمترين مربعين في لوحة يشبهان أي سنتمترين مربعين في لوحة أخرى، لأنني أعتمد كثيراً على التجاور اللوني، وقوة الخط الغرافيكي للوصول إلى التعبير المنشود".        

    

المزيد من ثقافة