Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الـ "تيفو" صناعة إيطالية غزت ملاعب كرة القدم 

جماهير الرجاء البيضاوي استعملت هذه اللوحات الفنية لخدمة قضايا محلية وعربية

من مباراة ديربي بين اي سي ميلان وانتر ميلان الايطاليين (مواقع التواصل)

تشكل اللوحات الفنية (التيفو) قيمة مضافة بالنسبة إلى اللاعبين داخل مباراة كرة القدم، كونها تدفعهم إلى الاستمتاع داخل فضاء الملعب. كما أنها تعد اليوم صناعة فنية رائجة، ذلك أن أهميتها تزداد يوماً بعد يوم، إذ يستحيل عدم وجودها داخل مباريات كرة القدم المهمة، لا سيما حين يتعلق الأمر بالمقابلات الرئيسة بين كل من برشلونة وريال مدريد ويوفنتوس وإنتر ميلان على سبيل المثال لا الحصر، إذ تتأجج صورها وتتحول المعركة من كرة القدم إلى تشكيل اللوحات الفنية بين الجماهير، لكن كنوع من التشجيع الرمزي القائم على إعداد واستعراض مجموعة من الـ "تيفوات" ذات الدلالات البصرية المختلفة.

ولا يوجد تاريخ محدد للـ "تيفو"، لذلك فإن صعوده يسمى الطلعة على واجهة الجماهير الرياضية، يكون مرتبطاً في أحيان كثيرة بمدى ارتفاع إيقاع المباراة وقدرة اللاعبين على إمتاع المشاهدين من خلال الأهداف والمراوغات.
وهذا الأمر يجعل الجمهور يتفاعل بدوره في تأليف أغان رياضية خاصة بكل فريق معين إلى جانب تشكيل لوحات فنية، تحمل في طياتها عدداً من الرسائل الموجهة للفريق الخصم أو الفريق المفضل كنوع من الاعتراف الضمني بما يحققه اللاعبون على أرض الملعب.
 
 
وتعرف مباريات الديربي بشكل أقوى بروز الـ "تيفو" على شكل لافتات صغيرة فيما يسمى مغاربياً بـ "الدخلة" وهي تحية رياضية يقوم بها أشخاص يطلق عليهم اسم "الألتراس". 
ويكون هؤلاء الأشخاص عبارة عن مشجعين ينتمون إلى بعض أندية كرة القدم، إذ يُجرى دعم "الألتراس" من أموال النادي من أجل التشجيع الرمزي كمرافقة الفريق داخل مدن أخرى وتأليف المواويل الرياضية عن الفريق، فضلاً عن تشكيل اللوحات الفنية.
 

"تيفوات" متنوعة

 

وعن علاقة الـ "تيفو" بيوميات كأس العالم في قطر، فقد طرحت كثير من التساؤلات داخل بعض أنصار المنتخبات العربية المشاركة في هذا العرس الرياضي، ولذلك تم التأكيد من قبل اللجنة المنظمة لكأس العالم بأنه سيتم السماح للجماهير بأن تطلق العنان لمخيلتها عن طريق الـ "تيفو" من أجل دعم فرقها الوطنية، مع ضرورة تقديم طلب من طرف هذه الجماهير إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حتى يتم الحصول على ترخيص لهذا الغرض مع ذكر طبيعة الـ "تيفوات" ومضامينها وأبعادها وما تحمله من دلالات. 
 
 
أما عن لائحة الممنوعات الخاصة بالجماهير خلال كأس العالم التي لا ينبغي إدخالها للملاعب، كما أشار إلى ذلك المدير التنفيذي لعمليات كأس العالم بقطر عبدالعزيز المولوي، فتكمن عموماً بالابتعاد من الأجهزة الكبيرة بمختلف أنواعها، إضافة المفرقعات والمواد القابلة للاشتغال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

ويأتي هذا الإجراء من "فيفا" كنوع لتحقيق السلم والأمان داخل الملاعب الرياضية، وتتمتع المنتخبات العالمية بروح رياضية عالية للاستمتاع بهذا الحدث الرياضي العالمي من أجل تجنب أحداث الشغب بين الجماهير على أوساط الملاعب جراء استخدام الشهب النارية لحظة الإعلان على الـ "تيفو" وما ينتج من ذلك من فوضى داخل الأوساط الجماهيرية.
 
 
وتتخذ الـ "تيفوات" عدة أنواع مثل الـ "تيفو أنتيغرال" والـ "تيفو أوريجينال" والـ "تيفو فوال" والـ "تيفو كوريغرافي" وأخيراً الـ "تيفو إتوندار"، وهي أنواع بصرية جد متقاربة في ما بينها، لكنها تحدد بهذه الأسماء من أجل تنظيم طريقة عملها وميكانيزماتها داخل الجماهير بين مسافات اليمين واليسار والمواد المستخدمة فيها من البلاستيك أو الورق الملون أو الثوب.

 

صناعة إيطالية

 

وعلى رغم ما يحمله الـ "تيفو" من رسائل قوية أحياناً، فإن هواجسه الأساس تبقى جمالية منذ اختراعه للمرة الأولى في إيطاليا خلال ستينيات القرن الـ 20، بعدما ظهر كلافتة صغيرة رفعتها بعض فرق كرة القدم. 
لكن مع مرور الوقت تطورت هذه العادة الرياضية وتنوعت طرق استخدامها والمواد التي أصبح يصنع بها الـ "تيفو"، وبعدما عمت جنوب أوروبا باتت تتخذ شكلاً فنياً بامتياز من طريق صناعتها بالبلاستيك والثوب والورق الملون.
 
 
يذكر أن هذه الـ "تيفوات" تدخل فقط ضمن نمط تفكير "الألتراس" الذين يعملون من خلالها على إيصال بعض الرسائل، سواء تجاه الفريق الخصم أو إظهار مدى محبتهم للنادي، وبالتالي يستحيل العثور عليها خارج عمل هذه المجموعات.
ويعد الـ "تيفو" مصطلحاً مشتقاً من الكلمة الإيطالية Tifosi التي تعني الـ "أنصار" أي بمعنى القوى التي تآزر "الشيء" الذي يمثل في هذه الحال فريق كرة القدم
وفي حين أن بعض الروايات الأخرى تقول إن "الألتراس" يعودون لأول مجموعة يسجل التاريخ أنها ظهرت بالبرازيل عام 1940 ولاحقاً بيوغوسلافيا وكرواتيا، ومن ثم في إيطاليا التي وسعت طرق تفكير "الألتراس" وأضافت داخل مجموعاتها التشجيعية إمكان تشكيل اللوحات الفنية داخل ملاعب كرة القدم.
وابتداء من الثمانينات لم تعد هذه الـ "تيفوات" تنتج بطريقة تقليدية، إذ أضاف لها الأنصار مجموعة من الألوان والعلامات البصرية القادرة على التأثير في الناس. 
 
 
وهكذا أصبح البعد الجمالي للـ "تيفو" يأخذ بعداً مهماً في تشكيل معالمه، بل أصبح الأساس الفني لكل "تيفو"، وعلى هذا الأساس نعثر على العديد من الفرق داخل العالم العربي وقد دخلت في معركة حقيقية خاصة بمدى تميز كل "تيفو" عن الآخر. 
وخلال السنوات الأخيرة ظهرت مواقع إلكترونية أجنبية تصنف في كل مرة أحسن "تيفو" في العالم، ولهذا احتل الديربي المغربي بين الوداد البيضاوي والرجاء البيضاوي المراكز الأولى كأفضل الـ "تيفوات" في العالم ككل، بخاصة وأن فريق الرجاء البيضاوي عمل على إنتاج "تيفوات" ذات علاقة بقضايا عربية مهمة، مثل تضامنه مع القضية الفلسطينية عندما قام أنصار الفريق بإنجاز "تيفو" مذهل بعنوان "حتى النصر" خلال مقابلة الفريق ضد هلال القدس ضمن بطولة كأس الأندية العربية لعام 2019. 
وقد حصل على هذا الـ "تيفو" على شهرة واسعة داخل منصات التواصل الاجتماعي جعل كثيراً من الفرق العربية تتأمل صورة القضية الفلسطينية في قلوب المجتمع المغربي.

 

من الرياضة إلى السياسة

 

وتعتبر "تيفوات" من قبيل "طال الانتظار" و"حب في الدارالبيضاء" و"التنين والبطة" بمثابة تراث بصري بين "الألتراس"، فهذه اللوحات الفنية كان يتم تشكيلها على أساس نتائج المقابلات بين الطرفين، لكن شيئاً فشيئاً بدأت تفتح لنفسها نافذة جديدة من طريق الانصات إلى نبض الاجتماع المغربي وما يدور في واقعه السياسي من أهوال ومآزق وتصدعات، وهكذا برزت "تيفوات" مغربية ذات بعد سياسي مما استدعى أكثر من مرة تدخل الأمن وعمل بعض أجهزة شرطته الإلكترونية على فك شيفرات هذه الـ "تيفوات" حتى لا تتجاوز حدوداً معينة، كون هذه اللوحات الفنية تجاوزت ساحة الملعب والتراشق بالكلمات والصور بين فرق كرة القدم، بعدما توجهت بالنقد إلى البرلمان المغربي، لا سيما وأن هذه اللوحات أصبحت ذات مرجعيات ثقافية تعود لأعمال أدبية وازنة كما هو الحال مع جورج أورويل في روايته "1984" التي تم الإشارة إليها من خلال تيفو "الغرفة 101" المأخوذة من أحداث الرواية الكابوسية.
 
 
وفي هذا الصدد يقول الصحافي أمين المجدوبي إنه "لو رجعنا إلى ’تيفو‘ الغرفة 101 الذي صنعته أولتراس إيغلزنج أنه أبعد ما يكون عن الحمولة السياسية، إلا أن الأجهزة الأمنية في المغرب رأت عكس ذلك، والدليل أنها حظرت على الفصيل في الديربي اللاحق القيام بطلعته، وفي مقابل هذا كان وينرز المساند للوداد سباقاً في التعبير عن مواقف المغرب ووحدته الترابية والانخراط في تيفوهات تناولت مباريات المنتخب المغربي لتمرير رسائل لمن يهمهم الأمر، بأن العلم المغربي لا يقبل المساس بقدسيته".
ويرجع بعض الباحثين السبب وراء هذه الطفرة التي شهدها الـ "تيفو" المغربي، إلى الحراك الذي ميز "الألتراس" منذ هبوب رياح "الربيع العربي" التي جعلت كثيراً منها يلتحم بمسام المجتمع المغربي. 
وأخرج "الألتراس" وظيفة الرياضة من طابعها التجاري وأدخلها في عالم السياسة على رغم أن هذه المجموعات التشجيعية تؤكد دائماً في تصريحاتها الصحافية أنها محايدة وبعيدة من تكتل الأحزاب وخلاياها السياسية، لكنها تفضل أن تكون دائماً في عمق الحديث المغربي والتعبير عن واقعه من خلال "تيفوات" متخيلة.
 
 
وفي المقابل يقول الكاتب علي أنوزلا عن الألتراس "تجاوز الأمر مجموعات المشجعين الرياضيين إلى ما يمكن أن توصف بالحركة الاجتماعية التي باتت تلفت انتباه المتتبعين والدارسين، حركة اجتماعية في بداية تبلورها تتخذ من مدرجات الملاعب منصات للتعبير عن مطالبها ورفع شعاراتها السياسية"، وهذا الأمر ترك بصمة في أذهان الناس وجعل "ألتراس" الدار البيضاء يصنف الأكثر تأثيراً في العالم على رغم اهتمامه بقضايا مغربية وعربية فقط، ولذلك تحضر هذه الـ "تيفوات" بشكل أقوى داخل الفرق الشعبية ومقابلات الديربي التي تعرف جدلاً مستمراً في المغرب. أما داخل مونديالات العالم فإن الجماهير عادة ما تكتفي باحتفال فردي يضع عبره المشجع ألوان مزركشة على جسده أو رفع لعلم بلده أو لافتة صغيرة بخط اليد. 

المزيد من تقارير