بعد سجال بشأن الهجرة... هل تمكن ترمب من تنفيذ وعوده الانتخابية؟

الرئيس الأميركي انتقد اعتراض المهاجرين على أوضاعهم القاسية في مراكز الاحتجاز على الحدود الجنوبية للبلاد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في الثالث من يوليو (تموز) الحالي وبينما كانت تستعد الولايات المتحدة للاحتفال بعيد الاستقلال عن بريطانيا عام 1779، تجدد الجدل في الأوساط السياسية الأميركية بشأن ملف الهجرة وتعاطي إدارة الرئيس دونالد ترمب معه، بعد تدوينة على "تويتر" واصل خلالها هجومه على المهاجرين المستاءين من أوضاعهم في مراكز الاحتجاز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترمب وبعد "أسبوع عاصف"، بحسب تعبير صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إثر تقارير عن "الظروف القاسية والاكتظاظ الخطير" في مراكز احتجاز المهاجرين على الحدود الجنوبية لبلاده. جدد موقفه بشأن ملف "الهجرة الشائك" الانتقادات من قبل خصومه الديموقراطيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وبعد نحو عامين ونصف العام، منذ وصوله للسلطة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017، يواصل الرئيس ترمب تطبيق سياساته تجاه الهجرة، على الرغم من معارضة الأوساط الديموقراطية وبعض العقبات القضائية، منفذا في ذلك وعوداً قطعها على نفسه خلال حملته الرئاسية، شملت فرض قيود على دخول المسلمين من عدد من الدول الإسلامية والعربية، كما بلغت سياسته المتشددة ضد الهجرة ذروتها خلال الشهور الأخيرة مع تأمين الحدود الأميركية -المكسيكية، بعد أن جعل من مكافحة الهجرة غير الشرعية أمرا أساسيا لإدارته، إذ يعتبر المهاجرين القادمين من أميركا الوسطى بمثابة "تهديد للأمن القومي"، مكررا اتهامه للديموقراطيين بـ"التراخي في هذه المسألة". ما يطرح سؤالا بشأن هل تمكن الرئيس الجمهوري في تحقيق أهدافه في هذا الملف؟

"تغريدة" تعيد الجدل

مساء الأربعاء الماضي، قلّل الرئيس ترمب من شأن تقرير أعدّته إدارته وحذّرت فيه من "الاكتظاظ الخطير" في مراكز احتجاز المهاجرين والظروف القاسية التي يعاني منها هؤلاء، وقال ترمب في تغريدة على تويتر "إذا لم يكن المهاجرون غير الشرعيين راضين عن الظروف في مراكز الاحتجاز التي تمّ بسرعة بناؤها أو تجديدها، فما عليكم سوى أن تقولوا لهم ألا يأتوا إلى هنا. هذا الأمر كفيل بحلّ كلّ المشكلات!".

وأتت تغريدة ترمب بعد أخرى كتبها في وقت سابق، قال فيها، إن "أناسنا في حرس الحدود ليسوا عاملين في مستشفى، ليسوا أطباء أو ممرضين". وأضاف "أهم من أي شيء أنكم تؤدون عملا عظيما في حرس الحدود. كثير من هؤلاء الأجانب غير الشرعيين يعيشون الآن حياة أفضل مما كانوا يعيشونها في الأماكن التي أتوا منها وفي أحوال أكثر أمنا بكثير".

وعلى الرغم من الانتقادات التي أثارتها تغريدة الرئيس الأميركي، إلا أنه تبعها بتصريحات أخرى، خلال خطابه الحماسي بمناسبة عيد الاستقلال في الرابع من يوليو (تموز) الحالي، أمس الخميس، وسط حشد وتصفيق كبير من أنصاره، أشاد فيها "بكل فروع الجيش ونوه خصوصاً بالمسعفين ودوريات الحدود ووكالات الهجرة والجمارك التي واجهت انتقادات بسبب معاملتها للمهاجرين".

وجاءت تغريدة ترمب وتصريحاته، بعد تقرير أعدّته وزارة الأمن الداخلي وحذّرت فيه من "الاكتظاظ الخطير" في مراكز احتجاز المهاجرين غير النظاميين.

 

 

وتضمّ هذه المراكز آلاف المهاجرين الذين دخلوا الولايات المتحدة خلسة على أمل تأسيس حياة جديدة فيها بعيداً عن بلادهم الواقعة بغالبيتها في أميركا الوسطى والتي هجرها القسم الأكبر منهم هرباً من العنف والفقر.

وبحسب التقرير الذي أعدّه المفتش العام في وزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن شرطة الحدود، فإنّ مراكز احتجاز المهاجرين في تكساس تشكّل خطراً عليهم.

وزاد هذا التقرير من الضغوط التي تتعرض لها إدارة ترمب لإغلاق هذه المراكز والإفراج عن هؤلاء المهاجرين. وجاء في تقرير المفتش العام "نحن قلقون من عدد المحتجزين الذي يفوق طاقتها (المراكز) واعتقالهم لفترة طويلة، وهما أمران يشكلان خطرا مباشراً على صحة وسلامة موظفي وضباط الوزارة وكذلك المحتجزين".

وزار موظفون في الوزارة في يونيو (حزيران) الماضي، خمسة من هذه المراكز تقع بالقرب من الحدود المكسيكية التي شهدت في الأشهر الأخيرة تدفقاً كبيراً للمهاجرين الذين يحاولون دخول الأراضي الأميركية بطريقة غير قانونية.

وفي مايو (أيار) الماضي، أوقف 144 ألف شخص وضعتهم الشرطة قيد الاحتجاز في مراكز على الحدود. لكن الأماكن قليلة في هذه المنشآت وكذلك في مراكز الإيواء التي ينقل إليها عادة القاصرون والعائلات.

وقال التقرير "إن بعض القاصرين الذين لا يرافقهم بالغون وتقلّ أعمارهم عن سبع سنوات، كانوا ينتظرون نقلهم منذ أسبوعين على الأقلّ بينما يجب تسليم هؤلاء الأطفال إلى عائلاتهم أو تتولّى وكالة حكومية أمرهم خلال 72 ساعة". وظهر في صور التي التقطها المحققون محتجون مكدّسون في زنازين مكتظة أو صالات تفصل بينها أسيجة، وبعضهم يغطون أفواههم بأقنعة واقية.

وكان ترمب أعلن في ربيع 2018 أنّه لن يتسامح إطلاقا مع الهجرة. ومن بين ما وعد به وقف إجراء "اعتقال وتحرير" الذي يسمح بإطلاق سراح المهاجرين على الأرض الأميركية خلال دراسة ملفاتهم.

انتقادات ديموقراطية

لطالما انتقد أعضاء ديموقراطيون وسياسيون بارزون موقف الرئيس القادم من عالم الأعمال بشأن الهجرة، وخلال الساعات الأخيرة، تحدث نواب ديموقراطيون ونشطاء في مجال الحقوق المدنية زاروا مراكز احتجاز المهاجرين على الحدود عن أوضاع بالغة الصعوبة أبرزها التكدس ونقص الماء والغذاء وغيرهما من الحاجات الأساسية. وذلك بعد أن جعل الرئيس الجمهوري من القضاء على الهجرة غير الشرعية جزءا رئيسيا من أجندته خلال فترته الأولى بعد أن كان هذا الموضوع في لب حملته الانتخابية عام 2016.

وقال النائب الديموقراطي واكين كاسترو بعد زيارة للحدود إن المحتجزين لم يسمح لهم بالاستحمام منذ أسبوعين، وإنهم محرومون من الدواء ومحبوسون في أماكن صنابير المياه فيها مكسورة. وأضاف النائب عن ولاية تكساس "من الواضح أن حقوقهم مهملة".

كما قضى السيناتور الأميركي كوري بوكر الذي يسعى لترشيح الحزب الديموقراطي له لخوض انتخابات الرئاسة معظم أمس في سيوداد خواريز على الجانب المكسيكي من الحدود للقاء مهاجرين أعيدوا إلى المكسيك لحين البت في طلبات لجوئهم.

ورافق بوكر خمس نساء يُعتقد أنهن هربن من العنف المنزلي عبر جسر فوق نهر ريو غراندي وصولا إلى نقطة الدخول الحدودية في إل باسو في تكساس، حسبما أظهر مقطع فيديو نشره على فيسبوك. وقال بوكر "إن المسؤولين أعادوا هؤلاء النساء جورا في حين كان ينبغي أن تقبلهن السلطات الأميركية".

القضاء يبقى على خط الأزمة

وفيما يتواصل الجدل السياسي بشأن سياسات ترمب تجاه الهجرة، يتواصل أيضا الجدل القضائي، فالأربعاء الماضي، أوقف قاض اتحادي في سياتل سعي الحكومة لاحتجاز آلاف من طالبي اللجوء لحين النظر في موقفهم. كما رفضت محكمة استئناف في سان فرانسيسكو إلغاء حكم يمنع إدارة ترمب من استخدام 2.5 مليار دولار مخصصة لمكافحة تهريب المخدرات، في بناء الجدار الحدودي مع المكسيك.

وقبل نحو أسبوع أيضاً، وافقت المحكمة الأميركية العليا على النظر في دعوى ضد محاولة ترمب إنهاء برنامج يحمي مئات آلاف المهاجرين غير الشرعيين الصغار من الترحيل. بعد أن كان ترمب أوقف العمل ببرنامج "الإجراءات المؤجلة للأطفال الوافدين"، المعروف اختصارا باسم داكا، الذي سمح لنحو 700 ألف دخلوا البلاد خلافا للقانون عندما كانوا أطفالا بالعمل والدراسة بشكل شرعي مع حمايتهم من الترحيل.

في المقابل، ورغم استهداف سياسات ترمب المهاجرين والمسافرين إلى بلاده من عدة دول إسلامية، في صورة قرارات تنفيذية أصدرها الرئيس في أسبوعه الأول بالبيت الأبيض وتقضي بحظر دخول مواطني عدة دول. تحدت عدة محاكم قرار الرئيس وحكمت برفع الحظر، إلى أن جاء القرار النهائي من قبل المحكمة الدستورية العليا التي أقرت بحق ترمب في فرض الحظر لضرورات حماية الأمن القومي.

 

 

ترمب وسجل من التشدد تجاه المهاجرين

خلال نحو عامين ونصف العام من حكمه، تجلت سياسات ترمب المتشددة تجاه المهاجرين، جاء أبرزها، ذلك الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب في أيامه الأولى من حكم البيت الأبيض، بحظر دخول مواطني عدة دول إسلامية.

وبحسب بيانات الحكومة الفيدرالية، انخفضت أعداد طلبات اللجوء من 38555 طلبا عام 2016 إلى 22629 طلبا عام 2017، ثم وصلت إلى 3312 طلبا عام 2018، أي أنها شهدت انخفاضا بنسبة 91%. كذلك انخفضت نسبة طالبي اللجوء المسلمين من 45% من مجموع الطلبات عام 2016 لتصل إلى 15% فقط عام 2018. وانخفضت أيضا أعداد المهاجرين من دول أغلب سكانها مسلمون بنسبة 30%. وكانت أعدادهم 117411 مهاجرا عام 2016 ووصلت إلى 82260 عام 2018.

وكانت أكثر سياسات الرئيس المثيرة للجدل، تلك التي انتهجها في أواخر 2018، والقاضية بفصل الأطفال عن ذويهم، التي كانت من أكثر القضايا المثيرة للجدل في الولايات المتحدة والعالم. إذ قررت الإدارة الأميركية فصل أكثر من 2600 طفل عن ذويهم من المهاجرين غير الشرعيين ووضعهم في مراكز احتجاز منفصلة.

ولم تكتف إدارة الرئيس الجمهوري بذلك فحسب، بل نشرت 8 آلاف جندي من الجيش الأميركي على الحدود الجنوبية، لمواجهة قوافل المهاجرين التي كانت قادمة من أميركا الجنوبية لدخول الولايات المتحدة عبر حدودها مع المكسيك. ليصل عدد حالات اعتقال المهاجرين إلى أعلى مستوى شهري منذ 13 عاما في مايو (أيار) الماضي.

ووفق إحصاءات أجرتها صحيفة "واشنطن بوست"، بالتعاون مع مركز الإحصاءات الفدرالي الأميركي، زادت نسبة الترحيلات السنوية لمن دخلوا الولايات المتحدة بشكل غير قانوني من 303,916 حالة ترحيل إلى 408,870 حالة خلال العام الأول لترمب، كما انخفضت نسبة قبول اللاجئين إلى الولايات المتحدة من 84,995 حالة إلى 53,716 حالة فقط.

وتعد ولايات كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا ونيويورك ونيوجيرسي وإلينوي من أكثر الولايات الأميركية التي يوجد بها مهاجرون غير قانونيين، وأكثر من 66% منهم موجودون في الولايات المتحدة منذ أكثر من 10 أعوام. ويعمل معظمهم في أعمال لا تتطلب كفاءات وخبرات، مثل تنظيف الأواني بالمطاعم، وفي قطاع الإنشاءات، وفي توزيع الطرود والحوالات.

ووفق مركز "بيو" الأميركي للأبحاث، يبلغ عدد المهاجرين غير القانونيين الذين يعيشون في الولايات الأميركية المختلفة، 11.1 مليون شخص، منهم 52% مكسيكيين، و15% من دول أميركا الوسطى، و12% من دول القارة الآسيوية، و6% من أميركا الجنوبية، و5% من جزر الكاريبي، و5% من دول القارة الأوروبية وكندا، والبقية من دول أخرى. موضحاً أنّ 8 ملايين من المهاجرين غير القانونيين المكسيكيين، يعملون حالياً داخل الأسواق الأميركية، ويشكلون 5% من إجمالي اليد العاملة الأميركية.

هل نجح ترمب؟

مع مواصلة الرئيس لسياساته، وتمكنه من البدء في بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، أحد أكبر العقبات التي كانت تثير جدلا في الأوساط الأميركية، وقادت إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية لأطول فترة في تاريخها أوائل العام الحالي، والذي يعد أحد أبرز وعود ترمب الانتخابية لوقف الهجرة القادمة من المكسيك، يرى بعض المراقبين أن الرئيس الأميركي تمكن في النهاية من تنفيذ أهم وعوده الانتخابية بشأن هذا الملف الشائك.

وبحسب "سيرا بيرس"، الباحثة في معهد سياسات الهجرة في العاصمة الأميركية واشنطن، وفقما نقلت عنها شبكة "بي بي سي" البريطانية، "فإن هذه أول إدارة في العصر الحديث تنظر إلى الهجرة كأمر سيئ، شرعية كانت أو غير شرعية، وبالتالي تصاعدت القضية بسبب رأي هذه الإدارة وعزمها خفض نسبة الهجرة الشرعية وغير الشرعية".

بدورها اعتبرت، إستيسى بليك، الخبيرة في اللجنة الأميركية للاجئين والمهاجرين، "أن إدارة ترمب تتبنى برنامجا ذا أمد طويل يهدف إلى خفض معدل الهجرة في الولايات المتحدة"، موضحة، "شهدنا تغيراً في سياسات اللاجئين التي تمثلت في انخفاض عدد اللاجئين الذين ينبغي وصولهم حسب برنامج وزارة الخارجية، وحدوث فجوة حقيقية بين العدد المستهدف للاستقدام وعدد الذين وصلوا فعلياً إلى البلاد. وبالتالي نرى انخفاضا في كل من العدد المستهدف والعدد الفعلي للاجئين الذين تمكنوا من الوصول هذا العام".

في المقابل، رأت صحيفة "نيويورك تايمز"، أنه على الرغم من الإجراءات المشددة التي أقرها الرئيس الأميركي، لمحاصرة ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة، فإن النتائج جاءت عكسية.

وبحسب الصحيفة، "لا يزال هناك ارتفاع في الأرقام غير الرسمية لعمليات  الهجرة واللجوء، بالإضافة إلى الآثار الجانبية والإنسانية التي حملتها سياسة الرئيس المتشددة تجاه هذا الملف الشائك، على الحدود مع المكسيك". ووفق الصحيفة، فقد عبر أكثر من 76 ألف مهاجر الحدود من دون تصريح في فبراير (شباط) الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 11 عاما، ومؤشر على النتيجة العكسية للإجراءات الأميركية الحالية بخصوص المهاجرين.

المزيد من سياسة