وسط العواصف السياسية والاقتصادية... أوروبا تسلم دفة القيادة إلى سيدتين   

ألمانيا وفرنسا تسيطران على المواقع الرئيسية في الاتحاد بثنائي لاين ولاغارد  

مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد (غيتي)
 

للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي، يُتوقع أن تصل امرأتان إلى أعلى مناصبه في أكتوبر (تشرين أول) المقبل. أورسولا فون دير لاين وزيرة الدفاع الألمانية رُشحت لتكون على رأس "المفوضية" خلفاً لجان كلود يونكر من لوكسومبورغ، وكريستين لاغارد الفرنسية مديرة "صندوق النقد الدولي" التي طُرحت لتتولى رئاسة "البنك المركزي الأوروبي" خلفاً للإيطالي ماريو دراغي. ويأتي هذا التطور مع ظهور ملامح تفتت لسياسات هذه الكتلة العالمية. فقد حققت الأحزاب القومية الصغيرة والأيديولوجية مكاسب، وأضعفت نظيرتها التقليدية الأكثر مركزية.

وعلى المستوى الاقتصادي، بدا الاتحاد مجبراً وسط نزاع تجاري دولي حاد، على إعادة التموضع لحماية مصالح دوله. وتنتظر التعيينات المرحلة النهائية، وهي الحصول على الضوء الأخضر من أعضاء البرلمان الأوروبي منتصف شهر يوليو (تموز)، وكذلك من محافظي البنوك المركزية.

ويعتبر غي مكّي السياسي والمستشار المنتخَب بين العامين 2006 و2014 عن الفرنسيين في الخارج، أن اختيار لاغارد وفون دير لاين لقيادة أوروبا "قرار موفّق". وقال لـ"إندبندنت عربية" "إن السيدتين تتسمان بالقوة بعدما تصدّرتا المناصب التي تولياها باحتراف وشجاعة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن "رؤساء الدول اقترحوا الثلاثاء تعيين وزيرة الدفاع الألمانية في رئاسة المفوضية الأوروبية الموقع المهم في الاتحاد الأوروبي. وبالنظر إلى الوضع الراهن الذي تعيشه دول القارة، فنحن اليوم بحاجة إلى مسؤولة من هذا النوع".

ويضيف مكّي أن كريستين لاغارد التي ستصبح رئيسة للبنك المركزي الأوروبي في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، "هي محامية وسياسية، وكانت عضواً فاعلاً في الحركة الشعبية اليمينية مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، واليوم مع الجمهوريين".

ويشير إلى أن "عملها خلال ترؤسها مدة 9 أعوام (صندوق النقد الدولي)، جعل نحو 189 دولة حول العالم، وحتى الصين بحاجة إلى خبرتها. وقد أدارت مهماتها العالمية بشكل جيد، وهذا ما تحتاج إليه أوروبا الآن". 

فون دير لاين
أورسولا فون دير لاين طبيبة وخبيرة في الاقتصاد. وُلدت في بروكسل من عائلة أرستقراطية، تتحدث الفرنسية بطلاقة، وكانت وزيرة فيدرالية للأسرة، ثم للشؤون الاجتماعية في حكومة أنغيلا ميركل. هي أم لسبعة أبناء، وابنة رئيس وزراء ولاية سكسونيا السفلى إرنست ألبريشت، وتعدّ محافظة معتدلة. اقترح ترشيحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على المستشارة ميركل، في محاولة للخروج من المفاوضات على التسميات، التي شملت إضافة إلى الدولتين، عشرات المرشحين من البلدان الأعضاء، أبرزها إيطاليا وبولندا. وستكون فون دير لاين بلا شك، مسرورة بالعودة إلى مسقط رأسها بروكسل، التي كانت مقر العمل السابق لوالدها.

التكامل الأوروبي
أهم ما تتميز به هذه السياسة الألمانية هو حماسها إلى مزيد من التكامل الأوروبي، ورفضها الأولويات الوطنية، التي تطالب بها الأحزاب القومية. وقد عُرفت قبل نحو 4 أعوام بقولها إنها تريد أن يعيش أحفادها في "الولايات المتحدة الأوروبية". وتدعم فكرة وجود جيش أوروبي، وهو موقف متقدم جداً، حتى بين "الفيدراليين" الذين يرغبون في التخلص من بعض المؤسسات الوطنية واستبدالها بمؤسسات الاتحاد الأوروبي المشتركة. وسيكون في مقدم أولوياتها الإشراف على تنفيذ نوع من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، رغم عدم رضاها عن هذه الخطوة، فقد قالت إن "لندن جلبت إلى الاتحاد براغماتية أكثر بكثير مما تحتاجه أوروبا".

ويرى مكّي المطلع على عمق المشكلات الأوروبية، أن "المهمة الأكثر صعوبة التي ستواجهها فون دير لاين، ستكون منع الاتحاد الأوروبي من التفتت. فأزمة بريكست والرياح القومية التي تعصف ببعض الدول وتجنح بها نحو تقديم المصالح الوطنية على المصالح المشتركة، تشكّل تهديداً لمستقبل الاتحاد". ورغم تأييده استمرار هذه الكتلة الجيوسياسية والاقتصادية، فإنه من منطلق شخصي يعتبر أنها توسّعت بشكل كبير، وهو يفضل العودة إلى البدايات، أي إلى مبدأ الـ12 دولة، مشيراً إلى أن علم الاتحاد الأوروبي يحمل 12 نجمة.  

المسؤولة المناسِبة
أمَّا السيدة الثانية كريستين لاغارد فدفعت فرنسا في الأيام الأخيرة بترشيحها إلى رئاسة "البنك المركزي الأوروبي"، وكانت المستشارة الألمانية ميركل أعربت منذ فترة طويلة عن تقديرها للاغارد، التي كانت وزيرة للمال في حكومة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وقالت إن "لديها المهارات والصفات اللازمة لقيادة المؤسسة النقدية الأوروبية". وتضيف ميركل أن "تعيين امرأتين في منصبين استراتيجيين، يُعدّ تغييراً كبيراً في الاتحاد الأوروبي. فمجتمعاتنا مشتركة، وتولي مناصب المسؤولية يجب أن يكون على قدم المساواة".

ويُعرف عن لاغارد أنها من كبار واضعي السياسات النقدية في العالم، وقد تكون قيادتها لـ"المركزي الأوروبي" الأنسب في هذه المرحلة، التي تشهد أزمة مالية عالمية وفي منطقة اليورو. من أهم ما تُوصف به أنها مفاوضة قوية ونشطة، وهي ميّزات ستحتاجها إلى تنسيق السياسة النقدية الأوروبية، واتخاذ القرارات الاقتصادية الكبرى لـ19 دولة، وقرابة 340 مليون شخص يستخدمون اليورو عملة تداول. وكانت عملت محامية بارزة في الشركات المتخصصة في مكافحة الاحتكار، ومنها "بيكر آند ماكينزي" في شيكاغو. وصعدت على سلم قيادة الشركة، وتحديداً في إدارة العمليات في أوروبا الغربية لتصبح أول رئيسة لها في العام 1999. وتولت عدداً من المناصب الوزارية خلال رئاسة نيكولا ساركوزي، بما في ذلك وزارة المالية. لكن في العام 2011، تورّطت في تحقيق فساد، شارك فيه رجل أعمال فرنسي، رغم أنها لم تكن هي نفسها المشتبه بها في القضية. وفي العام 2016، وجدت محكمة فرنسية أنها "مذنبة بالإهمال"، ولم تفرض عليها عقوبة.

ويعتبر المستشار مكّي الذي يعرف لاغارد أن "التحدي الأكبر أمامها عند تولي مهمتها بعد أشهر قليلة، سيكون إنقاذ اليورو المهدد جدّياً نتيجة تراجع اقتصادات بعض دول الكتلة، وارتفاع ديونها أو تباطؤ النمو فيها الذي انعكس على أداء الاتحاد الأوروبي ككل".

ويقول "إضافة إلى تمتين اليورو، يؤمل من هذه السيدة أن تحفظ السياسة النقدية والمالية لأوروبا من تداعيات الحرب التجارية، التي تخوضها الولايات المتحدة سواء مع الصين أو مع دول الاتحاد".    

الأصغر والأكبر
في المقابل، سيتولى رئيس الوزراء البلجيكي بالإنابة شارل ميشيل (43 عاماً)، رئاسة "المجلس الأوروبي" في ديسمبر (كانون الأول). ويحل مكان البولندية دونالد تاسك.

ويقول دبلوماسيون إن المسؤول الليبرالي اُختير لقدرته على تشكيل حلول وسط. وسيكون من بين أصغر القادة الأوروبيين، رغم أنه نشأ محاطاً بالسياسة، فوالده لوي ميشيل، كان سياسياً معروفاً ورئيساً سابقاً للمفوضية الأوروبية. شارل ميشيل أصبح مستشاراً في المقاطعة في سن الثامنة عشرة، وأصغر عضو في البرلمان البلجيكي في الثالثة والعشرين، وأصغر رئيس وزراء بلجيكي العام 2014، وهو في الثامنة والثلاثين.

أما التعيين الرابع فتمثل في حلول الاشتراكي الإسباني جوزيف بوريل، البالغ من العمر 72 عاما،ً في منصب الإيطالية فيديريكا موغيريني، ممثلاً سامياً للاتحاد. وكان قد ترأس برلمان ستراسبورغ بين العامين 2004 و2007.

رسالة حداثة
وأعادت التغييرات الأوروبية الزوجين الفرنسي الألماني إلى التساكن بعد أشهر عدة من التوتر كما يقول الخبراء. فهذه العملية جعلت الطرفين يعملان لمصلحة الاتحاد، الذي بدأ يعاني خطر الانهيار.

ويقول هؤلاء إن الجميع ربح، فقد حصلت باريس وبرلين على أهم موقعين أوروبيين (السياسة والمال). واحتفظ اليمين الذي فاز بالانتخابات برئاسة المفوضية، التي كانت ستعود إلى مانفريد ويبر. ومن خلال إيصال امرأتين إلى المناصب المهمة، وجهت أوروبا رسالة حداثة إلى مواطنيها والعالم.

المزيد من اقتصاد