مارسيل خليفة أعاد إلى قلعة بعلبك رونقها الفني والشعبي... وغنى الحنين الى زمن ضائع

المدرجات غصت بجمهور جاء يستعيد ذاكرته الجميلة

مارسيل خليفة في حفلة مهرجانات بعلبك مساء امس (يوتيوب)

لا توصف الحفلة التي أحياها ليل أمس الفنان مارسيل خليفة في معبد باخوس في قلعة بعلبك مفتتحاً مهرجاناتها الدولية، إلا بحفلة الحنين، وهو حنين متشعب، حنين الجمهور أولاً إلى مارسيل خليفة وزمن المقاومة الوطنية والعلمانية قبل أن تقضي عليها المقاومة الإسلامية التي أعلنها حزب الله، وإلى الأغنية الثورية والملتزمة التي كانت فرقة الميادين رائدتها. وهو حنين مارسيل إلى نفسه وإلى صورته الأولى وإلى الأغنيات التي صنعت ظاهرته بل أسطورته الفريدة، في الموسيقى والتلحين والغناء، بل حنين إلى صوته الفتيّ الذي بدأ يخونه العمر والتقدم فيه. هو أيضاً حنين الجمهور إلى الليالي اللبنانية البديعة التي طالما أشعلت معبد باخوس ومدرجاته وساحاته بدءاً من الستينيات حتى مطلع الحرب، هذه الليالي التي قد يكون خليفة هو الوارث الحقيقي والأخير لها بعدما فقدت فرادتها الفنية وبريقها الإبداعي مع أجيال ليست في مرتبة ذاكرتها.

وقد يكون اختيار مارسيل خليفة أغنيته الشهيرة "تصبحون على وطن" عنواناً للحفلة الضخمة وهي من تأليف الشاعر محمود درويش، واضحاً في دلالته، فهذه القصيدة الدرويشية التي حملت أملاً فلسطينياً في الاستيقاظ ذات يوم على وطن، ولم يكن عليها إلا أن تصطدم بجدار الهزائم المتوالية، أسهم مارسيل خليفة في توسيع أفقها ليجعلها أيضاً أغنية اللبنانيين الذين يحلمون بالاستيقاظ ذات يوم على وطن حقيقي ومعافى من أمراضه الداخلية والخارجية، وما لبثوا أن اصطدموا بجدار الخيبة الكبيرة. وقد يكون اختيار عنوان هذه الأغنية اليوم خير دليل على الواقع المزري الذي آلت إليه فلسطين ولبنان والعالم العربي بمعظمه.

لكن بعيداً من الرموز والدلالات السياسية، فقد كانت حفلة مارسيل خليفة حفلة بديعة ورائعة أعادت إلى بعلبك الكثير من رونق ماضيها الفني وسحر ذاكرتها، على الرغم من أن مارسيل فقد بعضاً من قوة صوته ونضارته وهذا أمر طبيعي، وباتت أغنياته "الربيعية" الملتزمة والمشبعة بأجمل الألحان بل أجمل التآليف الموسيقية، والشعر الوجداني، باتت تحتاج إلى أصوات شابة قوية ولامعة. لكن مارسيل الذي التصقت شخصيته برمز المغني الحامل عوده، والمنغرز في صميم قضايا الناس الكبيرة والصغيرة، الوطنية والإنسانية، يصعب عليه أن يتخلى عن ملامح هذه الشخصية الفريدة، مع أنه يُعد قبل كل شيء مؤلفاً موسيقياً كبيراً، لبنانياً وعربياً وعالمياً، سواء في إبداعه الموسيقي الصرف الذي نجمت عنه أعمال أوركسترالية فريدة، إضافة إلى الملحن الذي نجح في أن يكون وارث المدارس التلحينية الرائدة في لبنان والعالم العربي. شاء مارسيل حفلة بعلبك حفلة تاريخية بحق، فاستعان بالأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية بقيادة الموسيقي لبنان بعلبكي وجوقة جامعة اللويزة بقيادة الموسيقي الأب خليل رحمة، وهذا ما منح الحفلة طابعاً احتفالياً، فهو أعاد توزيع الألحان والمقطوعات الموسيقية وبعضها من جديده، توزيعاً هارمونياً رائعاً، تناسقت خلاله مشاركتا الفرقتين وتناغمتا كل التناغم. وقد رافقه ابنه رامي على البيانو وابن شقيقه ساري أنطوان خليفة على التشيللو.

وعطفاً على بضع أغنيات جديدة غنى مارسيل من قديمه المتجدد شكلاً ومجازاً، لا سيما الآن في مرحلة الخيبات الراهنة التي يفتقد فيها الجمهور مثل هذا الفن الغنائي الملتزم الذي على الرغم من تخطي الزمن السياسي إياه، ما زال يملك نوعاً من الفتنة والإيحاء: ريتا، أمي، انهض يا ثائر، منتصب القامة أمشي، فكر بغيرك، اذهب عميقاً في دمي، نشيد الجسر... ولم ينس أغنيات وجدانية له يحبها الجمهور: بغيبتك نزل الشتي، يا حنة...

"تصبحون على وطن" غنى مارسيل خليفة لجمهوره الغفير الذي تخطى الثلاثة آلاف وملأ المدرجات والباحة الخارجية، وجمهوره صفق له طويلاً وصفق للزمن الذي يمثله صاحب "وعود من العاصفة" في ذاكرة هذا الجمهور سياسياً وفنياً وغنائياً.

المزيد من فنون وأضواء