رالي الذهب يدفع الأسعار إلى أعلى مستوى في 6 سنوات 

سجَّل المعدن الأصفر في يونيو 2019 أفضل أداء شهري بمكاسب بلغت 8٪

التدفقات النقدية على سوق الذهب بأدواته المختلفة تشكّل أرضية صلبة للارتفاعات التي حدثت أخيراً (رويترز)

في أولى جلسات التداول لشهر يوليو (تموز) 2019 هبط سعر الذهب دون مستوى 1.400 دولار لكل أوقية "أونصة"، متأثراً بنتائج قمة مجموعة العشرين خلال عطلة الأسبوع بأوساكا اليابانية، ولقاء الرئيسين الأميركي والصيني بشأن العلاقات التجارية بين البلدين. وهبط الذهب بـ1.8٪ إلى 1.384 دولار للأونصة، وهو أكبر هبوط يومي خلال عام، متراجعاً من مستوى 1.439 دولار، وهو السعر الذي تداول عنده الذهب في 25 يونيو (حزيران) 2019، "وهو الأعلى منذ العام 2013".

هذا الهبوط مؤقت، وسرعان ما عاودت الأسعار الارتفاع فوق مستوى 1.400 دولار خلال ثاني جلسة تداول في شهر يوليو (تموز)، وفي الجلسة الثالثة أيضاً استمر الارتفاع إلى 1433 دولاراً لكل أوقية، توجد أساسيات قوية تدعم هذا الصعود، وتفتح الباب أمام هذا الرالي ليستمر مجدداً. 

هل يستمر هذا الرالي؟ 
المعدن الأصفر في يونيو (حزيران) 2019 سجَّل أفضل أداء شهري في ثلاث سنوات، بمكاسب شهرية بلغت 8٪ الأعلى منذ يونيو (حزيران) 2016، ارتفع فيه السعر إلى أعلى مستوى له في ستة أعوام فوق مستوى 1.400 دولار لكل أوقية ''أونصة"، وبلغ إجمالي الطلب على الذهب 1.053 طن في الفصل الأول من هذا العام، بارتفاع 7٪ مقارنة مع 2018.

الارتفاع الأخير في أسعار المعدن الأصفر مدفوعة بارتفاع الطلب على الملاذ الآمن، وذلك لأربعة أسباب رئيسية: 

1- تيسير السياسة النقدية وخفض سعر الفائدة. 

2- استمرار الحرب التجارية بين أميركا والصين. 

3- ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتباطؤ النمو. 

4- انخفاض عوائد السندات السيادية.

عدد من البنوك المركزية أعلن تيسير السياسة النقدية، ومتوقع أن يبدأ الفيدرالي الأميركي خفضاً للفائدة في يوليو (تموز)، أيضاً المركزي الأوروبي أبدى كامل الاستعداد لتحفيز اقتصاد منطقة اليورو، بنك الاحتياطي الأسترالي خفض سعر الفائدة مرتين على التوالي للمرة الأولى خلال 7 سنوات، إضافة إلى عدد من المصارف المركزية. هذه السياسات تسببت في رفع الطلب على السندات الحكومية "بغرض التحوط". وارتفعت أسعارها تبعاً لذلك، وانخفض العائد عليها، مما زاد حجم السندات السيادية ذات العائد السلبي (أقل من 0.0٪) إلى 13 تريليون دولار أخيراً.

تراجع العائد على السندات الحكومية عزز الطلب على الذهب كملاذ آمن (سابقاً كانت السندات تتفوق على الذهب، لأنها تعطي عوائد مرتفعة)، مع استمرار الحرب التجارية بين أميركا والصين، بنك الشعب الصيني يستمر في شراء الذهب، ورفع الاحتياطي من السبائك الذهبية إلى 61.6 مليون أوقية في شهر مايو (أيار) 2019 بزيادة شهرية بلغت 15.8 طن، أيضاً تسببت الحرب التجارية في مخاوف الأسواق من ركود اقتصادي، ما دفع المستثمرين إلى شراء الذهب كملاذ آمن، وتحوطاً من أزمات قد تحدث. التوتر الجيوسياسي الأخير وتهديد الملاحة البحرية في خليج عمان رفعا مخاوف الأسواق من اندلاع حرب أو مواجهات في المنطقة، وانعكس ذلك على ارتفاع الطلب علي الملاذ الآمن في الأسواق المالية. للإجابة عن سؤال: هل يستمر هذا الرالي؟ نحتاج إلى أن نغوص في تركيبة الطلب على المعدن الأصفر. 

تركيبة الطلب على الذهب: الاحتياطي - الذهب المشغول - الاستثمار 
تتشكل منظومة الطلب على الذهب حسب الغرض والاستخدام، مثلاً البنوك المركزية تستخدم الذهب كاحتياطي وتنوع أصولها، أيضاً يوجد استخدام استثماري للذهب، ويعتمد الطلب عليه وفقاً لحاجة الأسواق المالية والمتداولين فيها للتحوط أو الاستثمار، حسب حالة المخاطرة العامة في السوق، بينما يشكل الطلب على الذهب المشغول من قبل الأفراد إحدى ركائز الطلب الرئيسية. 

البنوك المركزية تشتري وترفع الاحتياطي من الذهب
اشترت البنوك المركزية 651.5 طن ذهب في 2018 مقارنة بـ375 طن ذهب في 2017، وهي أكبر كمية ذهب تشتريها البنوك المركزية خلال خمسة عقود منذ أن رفع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون غطاء الذهب عن الدولار في أغسطس (آب) 1971.
أظهر التقرير الصادر عن مجلس الذهب العالمي ارتفاع الطلب على الذهب من قبل البنوك المركزية، إجمالي مشتريات البنوك في الفصل الأول من هذا العام بلغ 145.5 طن "تعادل 6 مليارات دولار" بزيادة بلغت 15٪، مقارنة بالفصل الأول من 2018. روسيا كانت المشتري الأكبر بـ55.3 طن، والصين بلغت مشترياتها في الفصل الأول من هذا العام 33 طناً من المعدن الأصفر.
 
يشير بعض التقارير إلى عزم المركزي الهندي شراء 1.5 مليون أوقية هذا العام، ظل احتياطي الهند من الذهب مستقراً عند مستوى 18 مليون أوقية "أونصة" خلال الفترة بين 2009 - 2018، هذا الاتجاه من البنوك المركزية سيستمر في ظل المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي من تباطؤ نمو الاقتصاد.
 
يتوقع صندوق النقد الدولي نمو 3.3٪ لهذا العام، وهو الأضعف منذ 2009 مع مخاوف من أن تتحوّل الحرب التجارية إلى ما يشبه الحرب الباردة، ما يعني أنها قد تستمر طويلاً مع اتساع رقعتها، أخيراً هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية على وارداتها من أوروبا بما يعادل 4 مليارات تستهدف فيه قطاع الطيران وتتهم أميركا الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم لشركة إيرباص، هذا يعني أن الحرب التجارية ربما تشمل أوروبا. 
 
الطلب علي الذهب المشغول 
تاريخياً ارتبط الذهب بكثير من التقاليد الاجتماعية منذ آلاف السنين، مع أنه معدن مثله باقي المعادن، وله خصائص فيزيائية تتشابه مع بعض المعادن، من أين اكتسب الذهب هذه القيمة الاجتماعية الكبيرة؟ كانت المعتقدات سابقاً أن الذهب هو جزء من جلد الآلهة، وارتبط به الناس كمخزن للقيمة، واستخدم أيضاً بغرض الزينة، لذا يشكل الطلب على الذهب المشغول "المجوهرات" أحد روافد منظومة الطلب على الذهب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تراجع هذا الطلب في 2018 بـ0.04٪ إلى 2.200 طن، 57.7٪ من هذا الطلب يأتي من الصين والهند في 2018، الصين (672.5 طن)، والهند (598 طناً)، في الولايات المتحدة الأميركية كان حجم الطلب على الذهب المشغول 128.4 طن في 2018، وهو الأعلى منذ 2009، بينما بلغ الطلب من أوروبا على المشغولات الذهبية 73.4 طن في 2018.

عامل آخر كان له تأثير كبير خلال الـ40 عاماً الماضية تسبب في ارتفاع الطلب على الذهب هو كبر حجم الطبقة الوسطى في كل من الصين والهند، مثلاً الطلب منهما على الذهب كان يعادل 25٪ في العام 1990 في 2018 ارتفع إلى 57٪، نشير هنا إلى أن النمو الاقتصادي للصين خلال هذه الفترة رفع نحو 850 مليون نسمة فوق خط الفقر. 
 
الطلب الاستثماري على الذهب
الضلع الثالث لمنظومة الطلب هو الطلب الاستثماري، يعتمد الانكشاف الاستثماري على الذهب على شراء عقود مشتقات يطلق عليها "الصناديق الاستثمارية المتداولة في البورصات" ETF هذه الأصول صُممت لتتبع سعر الذهب الفيزيائي "العيني"، وتتداول في البورصات، ويطلق عليها الذهب الورقي.
العام 2018 كان الأول منذ 2012 الذي تتجاوز فيه القيمة الإجمالية لـETF الـ100 مليار دولار، في مايو (أيار) 2019 هبطت موجودات الذهب التي تدعم هذه المشتقات إلى 2.434 طن، في مايو (أيار) 2015 كانت أقل من 1700 طن، خلال الفصل الأول من 2019 بلغ حجم السيولة التي دخلت إلى الـGold ETF نحو 1.9 مليار دولار، وارتفعت كمية الذهب، التي تدعم هذه الأصول بـ40 طناً في الفصل الأول.
 
وفقا لقراءة أرقام الطلب بأنواعه المختلفة يمكن أن نقول إن هذه التدفقات النقدية على سوق الذهب بأدواته المختلفة تشكّل أرضية صلبة للارتفاعات التي حدثت أخيراً، ودفعت الأسعار إلى أعلى. استدامة هذا الرالي على المدى المتوسط تعتمد على استمرار ضعف الدولار الأميركي واستمرار الحاجة إلى الملاذات الآمنة، إضافة إلى تراجع العوائد على السندات السيادية، وأخيراً استمرار المخاوف وعدم توقف الحرب التجارية.
 
نشير هنا إلى أن الذي حدث في أوساكا هو الاستعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات التجارية، لكن العقبات الثلاث ستكون حاضرة على الطاولة (الدعم الحكومي للشركات الصينية، وفتح الأسواق الصينية للبضائع الأميركية، إضافة إلى حقوق الملكية الفكرية)، مما يعني أن هذه الحرب التجارية ربما تستمر فترة طويلة، لأنها تتعلق بالنفوذ والقوة والحصص السوقية والسيطرة والتكنولوجيا أكثر من ارتباطها بقوانين التجارة والسوق الحرة.

المزيد من رأي خبير