Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأميركي إرنست سوسا يحلل فلسفيا طبيعة المعرفة

 لا تنفصل النظرية عن مفاهيم الحقيقة والمعتقد والتبرير ولا عن مواضيع التشكيك المختلقة

لوحة للرسام جيرار غازيوروفسكي (صفحة الرسام - فيسبوك)

يعد كتاب "نظرية المعرفة"، Epistemology أول عمل يترجم إلى العربية للفيلسوف الأميركي إرنست سوسا Ernest Sosa ، وقد ترجمه وقدم له بدراسة أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة القاهرة صلاح إسماعيل، وصدر عن المركز القومي المصري للترجمة، في الفصل الختامي من الكتاب وعنوانه "المعرفة والتسويغ"، يرسم سوسا المولود في كوبا في عام 1940، مخططاً لبعض المكونات الرئيسة في نظرية المعرفة المبينة في الفصول السابقة (يضم الكتاب 13 فصلاً) لتقديم سياق تاريخي إضافي في هذا الشأن المعرفي الفلسفي، علماً أنه كان له السبق في عام 1980 في تقديم فرع معرفي جديد هو إبستمولوجيا الفضيلة، وأنشأت الجمعية الفلسفية الأميركية جائزة وزمالة باسمه تكريماً له وتشجيعاً للبحوث الممتازة في الإبستمولوجيا. وفي ذلك الفصل الختامي لاحظ سوسا أن بعض الباحثين يعتقد أن المعرفة والتسويغ منفصلان انفصالاً مفهومياً وميتافيزيقياً ويركزون على جانب أو آخر من هذا الانفصال، موضحاً أنه ليس من السهل فهم التسويغ المعرفي بشكل مستقل عن المعرفة، والتسويغ المعرفي عند سوسا هو وضع معياري محدد للاعتقاد، وهو الوضع الذي يمكنه من تكوين المعرفة، وهكذا تتشكل المعرفة من طريق اعتقاد مع ذلك الوضع المفضل معرفياً.

وفي التمهيد يؤكد سوسا أن الحبكة المألوفة لقصة نظرية المعرفة الحديثة والمعاصرة تعطي مكان الصدارة للإدراك الحسي والتفكير الاستقرائي ومشكلة العالم الخارجي التي قيل إنها نشأت مع ديكارت من خلال كتاباته الإبستمولوجية وتأثيرها في الإبستمولوجيا الغربية اللاحقة، وتتعلق حبكة هذه القصة بالدليل الأساسي الذي تقدمه الخبرة الحسية وتصف كيف يمكن أن يقودنا التفكير الاستقرائي العدي أو الفرضي، إلى تجاوز موقف الشاك إلى رؤية كاملة للعالم من حولنا في طوله التاريخي وعمقه العلمي معاً.

الإشكالية الديكارتية

حاول سوسا في الفصل الأول توضيح أن الإشكالية الديكارتية (نسبة إلى ديكارت) الحقيقية تعود إلى نظرية المعرفة البيرونية وتركز على القضايا الشكية بشكل عام أكثر من مشكلة العالم الخارجي ومشكلة العقول الأخرى ومشكلة الماضي من خلال الذاكرة ومشكلة المستقبل من خلال الاستقراء، أو مشكلة بنية العالم العميقة والعامة من خلال الاستدلال على التفسير الأفضل. وعالج ديكارت، أبو الإبستمولوجيا الحديثة، بعض هذه المشكلات بقدر ما أمسك بالإشكالية الإبستمولوجية العامة جداً، ذات الاهتمام الأساسي بالنسبة إليه، وهي الإشكالية التي تعود أيضاً إلى اليونانيين القدماء.

ويخطط الفصل الأول من كتاب سوسا الحجة لفهم ديكارت بالطريقة البديلة المقترحة، ويعود الفصلان التاليان إلى الوراء من هذه التفصيلات التاريخية إلى فهم عام جداً للإشكالية الشكية الموجودة داخل الإطار البيروني أو الديكارتي، ويتطلب الفهم الكامل لهذه الإشكالية (بحسب المؤلف) عناية دقيقة بنوع الاعتقاد ونوع المعرفة المهمين في الأساس لهذا التقليد القديم. ويستكشف سوسا هذه المسائل في أربعة فصول مركزية، من الرابع إلى السابع، وتضع هذه الفصول خطة مفصلة لجوهر التناول النظري للفضيلة الذي يقدم جواباً لتساؤل ثياتيتوس في ما يتعلق بطبيعة المعرفة، وجواباً أيضاً لمشكلة مينون في ما يتعلق بالقيمة المتميزة للمعرفة. والعناصر الأساسية في هذا التقرير هي الاعتقاد الملائم الذي تظهر صحته قدرة المعتقد، والاعتقاد الملائم تماماً، الذي يسترشد بالملاءمة من طريق تقييم المعتقد للخطر من خلال رؤيته المقتدرة لمهارته المعرفية وهيئته وموقفه.

اعتقاد صادق مسوغ 

المعرفة على وجه التقريب هي علاقة إدراكية تقوم بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، ولا تقوم هذه العلاقة على الإحساس أو الانفعال فحسب، وإنما لا بد من أن تفكر الذات في الموضوع، فإما أن تصدق به (وهذا هو الاعتقاد) أو تنكره (وهذا هو الإمساك عن الاعتقاد). وقد يتمسك المرء حيناً باعتقادات كاذبة لا تمثل معرفة، ومن ثم فإن المعرفة لا بد أن تكون اعتقاداً صادقاً، ومع ذلك فإن بعض الاعتقادات الصادقة يؤيدها الحظ ولا تؤيدها الأدلة أو قدرة العارف، ولذلك يشترط التسويغ الذي يعني امتلاك القدرة أو الأسباب الجيدة التي تسوغ الاعتقاد وتجعله مقبولاً، وهكذا فإن المعرفة هي اعتقاد صادق مسوغ.       

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا السياق يعرض المؤلف لمشكلات المسائل الكلاسيكية والمعاصرة في نظرية المعرفة، ويقترح لها الحلول، بداية من الشكية، ومروراً بمشكلة غيتير، والنزاع بين نزعة الأسس ونزعة الاتساق على بنية المعرفة، والخلاف بين النزعة الخارجية والنزعة الداخلية على طبيعة المعرفة، وانتهاءً بالدفاع عن "إبستمولوجيا الفضيلة"، ويناقش العلاقة بين أنصار الثقة وأنصار المسؤولية في هذا الفرع المعرفي الجديد، فأنت حين تطالع عرض سوسا (يقول المترجم) لمسائل المعرفة إنما تطالع عقلاً ناقداً وفكراً دقيقاً في طبيعة المعرفة ومجالها وأنواعها ومستوياتها وقيمتها، والفضيلة أو القدرة المعرفية التي تكوِن هذه المعرفة، وستجد أيضاً، بحسب صلاح إسماعيل،  أنه يكشف المضمون الحقيقي لفلسفة ديكارت في المعرفة مع مصادرها القديمة، ويقدم تطويراً معاصراً للبناء الديكارتي يقوم على العلم والحس المشترك وليس اللاهوت كما فعل ديكارت، ويضيف إسماعيل أن كتابات سوسا شكلت معالم البحث المعرفي المعاصر على مدار أربعة عقود أو يزيد، مؤكداً أنه "من المهم أن يطلع قراء العربية على هذا الكتاب وعلى فلسفة مؤلفه الجدير بأن يلقب الآن بعميد الإبستمولوجيا".

حدس وإثبات

يجادل سوسا بأن الخلاف بين أنصار الأسس وأنصار الاتساق يمكن تبديده من خلال تبني حل ديكارتي، فقد حافظ ديكارت على التمييز بين الإدراك والعلم. بالنسبة إلى الإدراك، لا يتطلب الأمر سوى أن يلم المرء بسلطة الحدس وإثبات واضح ومتميز له، على وجه التحديد لا يتطلب الإدراك دفاعاً عن تلك السلطة، ومن ثم يمكن لعالم رياضيات أن يكون لديه الإدراك من خلال حدس وإثبات واضحين ومتميزين، حتى لو لم يتفلسف عالم الرياضيات بشأن أية سلطة منهما ومع ذلك فإن العلم يتطلب المزيد. بالنسبة إلى هذا الوضع المعرفي الممتاز، يجب على المرء أن يكتسب وجهة نظر عن سلطة الحدس والإثبات، ويجب أن يكون قادراً على التفكير كما فعل ديكارت، بأن عناية الله تضمن عصمتها، يرفض سوسا تفصيلات ديكارت لكنه يعتنق بنيته. وتتطلب المعرفة التأملية التي هي من النوع الممتاز للغاية (بحسب دراسة المترجم) ما هو أكثر من مصدر موثوق، فللحصول عليها يحتاج المرء إلى وجهة نظر عن موثوقية مصادره، والرأي عند سوسا هو أن التناول القائم على الفضيلة يحافظ على رؤى نزعة الأسس ونزعة الاتساق بينما يحل المشكلات التي تواجهها كل نزعة منهما، كانت مشكلة نزعة الأسس هي تفسير كيف يمكن لبعض المعرفة أن تكون قائمة بذاتها. الجواب أن المعرفة هي اعتقاد صادق مؤسس على فضيلة عقلية، وبعض الفضائل العقلية لا تستلزم استدلالاً من اعتقادات أخرى، وكانت مشكلة نزعة الاتساق هي شرح كيف يمكن لبعض حالات الدور أن تكون فاضلة. والجواب هو أن شيئاً ما يعد فضيلة عقلية فقط في حال كونه ملكة إدراكية موثوقة، والعقل الساعي إلى الاتساق هو ملكة إدراكية موثوقة علاوة على ذلك، يمكن أن يمنح العقل الساعي للاتساق نوعاً آخر من التميز لاعتقادات المرء، وذلك من طريق تقديم نوع من الرؤية المعرفية التي تحول المعرفة الحيوانية فحسب إلى معرفة تأملية.

نص فلسفي

وأخيراً يؤكد المترجم أن فهم هذا الكتاب على أفضل وجه يتطلب النظر أولاً في مقدمات يسيرة في المعرفة، صحيح أن مؤلفه (يضيف المترجم) يعده مقدمة متقدمة، لكنه يعود ويستدرك بأنه في حاجة إلى كتب أخرى مساعدة. والرأي عند المترجم أن هذا الكتاب نص فلسفي يجمع خلاصة أفكار سوسا في المعرفة، وأكبر الظن أن المؤلف يفترض في القارئ إلماماً بالنظريات والمذاهب والمفاهيم المعرفية التي يستلهمها.  

وبحسب الثابت لدى منظري الفلسفة فإن نظرية المعرفة هي دراسة لطبيعة المعرفة، الشرح والتبرير، وعقلانية الاعتقاد أو الإيمان، ويوجد جدل كبير حول مراكز نظرية المعرفة التي تتفرع إلى أربع مناطق، التحليل الفلسفي لطبيعة المعرفة ومدى ارتباطها بمفاهيم مثل الحقيقة، والمعتقد والتبرير، ومشكلات ومواضيع التشكيك المختلقة، ومصادر ومجالات المعرفة والمعتقدات المبررة. وتتناول نظرية المعرفة أسئلة مثل، ما الذي يجعل المعتقدات المبررة مبررة؟ ماذا يعني أن نقول إننا نعرف شيئاً ما؟؛ وبشكل أساس ورئيس: كيف نعلم أننا نعلم؟

 إرنست سوسا (1940) فيلسوف أميركي، ولد في كارديناس في كوبا وهاجر إلى الولايات المتحدة في سن المراهقة، وهو حالياً أستاذ في جامعة روتغرز، ومن كتبه "الفضائل الأخلاقية والعقلية في الفلسفة الغربية والصينية: التحول نحو الفضيلة". وإضافة إلى نظرية المعرفة، كتب سوسا عن الميتافيزيقيا والفلسفة الحديثة وفلسفة العقل، ومن كتبه، "المعرفة في المنظور" 1991، و"نظرية المعرفة الفضيلة" 2007 وهو دائماً ما يدفع عما يسميه "منظور الفضيلة" الذي يرى أنه يميز المعرفة الحيوانية عن المعرفة الإنسانية، وقد شكلت كتاباته معالم البحث المعرفي المعاصر على مدار ما يزيد على أربعة قرون.

المزيد من كتب