Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نهر ميكونغ... صراع آسيوي وتنافس أميركي – صيني

مخاوف من أن يصبح ساحة الصراع المقبلة ودول "آسيان" مترددة في التعامل مع الأزمة

زادت أهمية "ميكونغ" خصوصاً مع محاولة الصين السيطرة على منابع النهر العظيم من خلال إقامة السدود (أ ف ب)

طفت على السطح مجدداً بوادر نزاع شرق آسيوي جديد مرتبط بالأمن المائي والغذائي، فإقليم نهر ميكونغ الذي يرتبط جغرافياً بدول تايلاند وكمبوديا وميانمار ولاوس وفيتنام إلى جانب الصين أصبح محط أنظار القوى الكبرى.

وزادت أهمية "ميكونغ" خصوصاً مع محاولة الصين السيطرة على منابع النهر العظيم من خلال إقامة السدود التي أثرت سلباً على دول المصب التي تعتمد عشر حاجتها المائية من النهر الآسيوي.

وستهدد محاولة بكين بانخفاض منسوب المياه وتنذر بحالات الجفاف على ضفتي النهر، كما ستقلص الثروة السمكية وتؤدي إلى اختلال التنوع البيولوجي، لتكون نسخة لصراع مائي جديد بعد البحر الجنوبي، الذي تتصارع فيه دول "آسيان" مع الصين، مما ينذر بصراع دولي آسيوي جديد.

تنوع بيولوجي

نهر ميكونغ الأطول في جنوب شرقي آسيا، والسابع في القارة الآسيوية والـ12 عالمياً، ويصل طوله إلى 254 كيلومتراً، وينبع من جنوب شرقي إقليم شنغهاي في الصين، وهو الجزء من الحدود الدولية بين ميانمار ولاوس وتايلاند، متدفقاً في لاوس وكمبوديا وفيتنام وتايلاند إلى أن يصب في مثواه الأخير ببحر الصين الجنوبي بمدينة هو تشي مينه الفيتنامية.

وفقاً للبيئيين، فإن نهر ميكونغ هو الثاني عالمياً بعد الأمازون من حيث التنوع البيولوجي، وأكثر مصايد الأسماك الداخلية إنتاجاً في العالم.

وفي عام 1995 تم إنشاء لجنة نهر ميكونغ بين تايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام لدعم وتنسيق الإدارة المستدامة وتطوير المياه والمصادر المرتبطة بها لهذه البلدان، بما يخدم المصالح المشتركة بين حياة الشعوب، فيما رفضت الصين المشاركة كعضو كامل في اللجنة.

وتقدر قيمة الثروة السمكية المعتمدة على نهر ميكونغ في المنطقة بـ17 مليار دولار أميركي، فيما يمثل النهر أهمية اقتصادية قصوى لكمبوديا ولاوس، ويشكل القطاع السمكي به نسبة تتراوح بين 18 و12.8 في المئة من اقتصاد البلدين، فيما يعتمد 10 في المئة من سكان "آسيان" على نهر ميكونغ.

مكاسب وخسائر

تشهد منطقة حوض ميكونغ توسعاً هائلاً في بناء السدود لتوليد الطاقة الكهرومائية، خصوصاً من قبل الصين ولاوس، مما تسبب في توترات سياسية تظهر بين وقت وآخر مع دول المصب التي تخشى التأثيرات السلبية التي قد تسببها هذه السدود.

وتحاول لجنة نهر ميكونغ معالجة هذه التوترات، لكنها مقيدة نظراً إلى غياب السلطة التنفيذية عنها وعدم عضوية الصين بها.

وعلى رغم ما تحققه مشاريع السدود الكبرى من مكاسب اقتصادية للصين ولاوس، على وجه الخصوص، فإن هناك وجهاً آخر لهذه السدود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتمكنت لاوس من تحقيق مكاسب اقتصادية كبرى من وراء بناء السدود، حيث سجلت نمواً اقتصادياً بنسبة سبعة في المئة عن العقد الماضي بسبب تصدير الطاقة الكهرومائية، لكن دول المصب تعاني الآثار السلبية لبناء السدود على نهر ميكونغ.

وذكر مسؤول في كمبوديا أن الإنتاج السمكي في عام 2020 انخفض بنسبة 31 في المئة عن العام الذي سبقه، كما تعرضت فيتنام في أوائل عام 2020 لأسوأ موجة جفاف وارتفاع في نسبة الملوحة أثرت بدورها على أكثر من 42 في المئة من أراضيها، مما أثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي لهانوي.

ولا تقتصر المخاطر التي قد تتعرض لها منطقة ميكونغ على انخفاض الثروة السمكية ومنسوب المياه، بل تتعداهما إلى التحول البيئي في المنطقة ونظامها الديموغرافي، حيث يشير الخبراء إلى أن مشروعات السدود الممتدة على النهر وروافده من الممكن أن تسبب تغيرات بيئية ضخمة من ناحية النظام الزراعي والثقافي للإقليم.

إضافة لهذه التأثيرات، من الممكن أن تتعرض الفصائل النادرة المائية، مثل أسماك السلور العملاقة، لما قد يصل بها إلى الانقراض، حيث يذكر الصندوق العالمي للطبيعة أن هذه الأسماك أصبحت ترى فقط في منابع النهر الأعلى في ميانمار ولاوس وتايلاند وكمبوديا وفيتنام، بينما كان من الشائع وجودها في الشمال على مدار حدود تايلاند ولاوس، لكن صار الآن نادراً، كما أن العلماء يقدرون تراجع وجود أسماك السلور العملاقة في نهر ميكونغ بنسبة 90 في المئة خلال العقد الأخير.

رؤية بكين

الصين التي دافعت بدورها عن سدودها التي بنتها، روجت وسائل إعلامها إلى دعم علماء الأحياء لتلك السدود.

وفي عام 2016 شكلت الصين اللجنة التنسيقية لانتسانج - ميكونغ لتكون بذلك المسيطرة على ما يطرح فيها من قضايا وتمنح الأولوية لرؤيتها فيما يخص السدود المقامة على النهر.

 

وتكرر اللجنة التنسيقية التي تترأسها الصين الرواية الحكومية في شأن النهر، نافية التأثيرات البيئية السلبية للسدود التي تبنيها. كما لم تستجب الصين إلى دعوات بعض المنظمات البيئية بإيقاف بناء السدود، واتسمت بكين بصلابة موقفها مستمرة ببناء السدود من دون أخذ الانتقادات على محمل الجد.

لكن تقدمت بكين خطوة إيجابية لعقد تفاهمات حول النهر مع دول المصب، إذ وافقت الصين عام 2020 على مشاركة بيانات المياه مع لجنة نهر ميكونغ، لكنها أخطرت مطلع العام الحالي دول المصب المجاورة بتقليل تدفق النهر لسد حاجتها من الطاقة الكهرومائية، مما أثر سلباً على الملاحة والصيد وتراجع في مستويات المياه.

أميركا على الخط

دخلت الولايات المتحدة على خط النزاع على نهر ميكونغ. ودعا وزير خارجيتها العام الماضي خلال قمة وزراء خارجية شرق آسيا إلى أن يكون النهر منطقة حرة ومنفتحة.

ويرى مراقبون أن الاهتمام الأميركي الأخير بنهر ميكونغ يرجع إلى التحفظ الدائم من قبل واشنطن من سيطرة بكين على المنطقة الفرعية للنهر جغرافياً واقتصادياً. كما أنشأت واشنطن نظاماً لمراقبة النهر العظيم لتستقي منها دول المصب البيانات المهمة عن منسوب المياه والتغيرات الطارئة التي تحدث في النهر من دون رجوع للصين، فيستخدم النظام حساسات متطورة عن بعد وصوراً من الأقمار الصناعية. كما أعلنت الولايات المتحدة العام قبل الماضي منحة تجاوزت 150 مليون دولار لدول نهر ميكونغ، مما يدل على اهتمام أميركي بالمنطقة وفتح جبهة جديدة للصراع الأميركي - الصيني في جنوب شرقي آسيا.

تايلاند المعارض الأكبر

تعد تايلاند المعارض الأكبر لإقامة السدود الصينية، حيث عبرت في مواضع ومناسبات دولية عدة عن تأثرها ببناء هذه السدود، وطالبت بكين بإيقاف بناء السدود ومشاركة البيانات الخاصة بالنهر مع دول المصب.

وأوضح مسؤول تايلاندي أن بلاده ستجعل من تبادل البيانات أولوية قصوى لمعرفة تأثير حجز المياه وإطلاقها من السدود الصينية، رافضة التقارير الفنية الصينية التي تقلل من تأثيرات سدودها على البيئة والثروة السمكية.

فيما تسعى تايلاند أخيراً إلى أن تكون الصوت العالي المسموع والقائد لدول المصب لمجابهة الصين، ففي عام 2018 استضافت تايلاند القمة الاستراتيجية التعاونية لتشاو برايا ميكونغ، في إشارة إلى الأنهار الرئيسة الثلاثة في المنطقة.

وعلى رغم محدودية الجهود التي أجرتها هذه اللجنة، فإنها وقعت أخيراً اتفاقية مع اليابان بالحصول على تمويل ضخم لتنمية النهر والمنطقة المتاخمة له. وعلى رغم الطموح التايلاندي فإنه يصطدم بعقبات عدة، فهناك تراخ فيتنامي وعدم ترحيب واضح من هانوي بالزعامة التايلاندية للجنة الجديدة، كما أن هناك ارتياباً من كمبوديا ولاوس من حقيقة اهتمام تايلاند بالإقليم ومدى جني الدولتين بالمنفعة.

كما يرى محللون آسيويون أن جهود تايلاند الأخيرة جديرة بالدعم، خصوصاً أن المجموعة الجديدة يمكنها أن تؤسس موقفاً مشتركاً يمكنه التفاوض مع التنين الصيني.

على غرار بحر الصين

ينظر إلى التوترات المتعاقبة في منطقة نهر ميكونغ على أنها محاكاة لنزاعات تلك الدول مع بعضها في منطقة بحر الصين الجنوبي التي تعكس حالة النزاع القائم في إقليم ميكونغ، فبكين في كلتا الحالتين تعمل على تحقيق مكاسب جيوسياسية وجيواقتصادية، بيد أن النزاع المتأزم في منطقة بحر الصين الجنوبي مدفوع بسباق وتسليح عسكريين للدفاع عن المياه الإقليمية في الدول المتصارعة، وأن نهر ميكونغ يرتكز صراعه على الاستخدام غير العادل لمياه النهر بين دول المنبع والمصب ويرتبط بتهديدات غير مسبوقة للأمن المائي والغذائي.

ولا تزال دول آسيان مترددة في التعامل مع أزمة نهر ميكونغ ووضع قضاياه في جدول الأعمال الإقليمية لحساسيتها من قبل بكين، محاولة النأي عن المنافسة الجيوسياسية في حوض النهر الكبير.

وعلى رغم استبعاد إمكانية اندلاع صراع عسكري في حوض ميكونغ، فإن تفاقم مشكلات الأمن المائي والغذائي عالمياً قد ينذر بعواقب سيئة، فموجات الجفاف التي تسببت في خفض منسوب المياه بعدد من دول المصب خلال الفترة الأخيرة، والإضرار بالمصالح الاقتصادية لهذه الدول والتأثيرات السلبية على الإنتاج الزراعي والسمكي، قد تفتح الباب لأن يكون حوض ميكونغ ساحة الصراع المقبلة في جنوب شرقي آسيا.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير