Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السفارة السعودية في تركيا لـ"اندبندنت عربية": ظاهرة سرقة "الجواز السعودي" في تزايد... والأمن التركي: البلاد آمنة!

الرياض تحذر وأنقرة ترحب... والسياح السعوديون في "حيرة وتناقص"!

صورة للواجهة الأمامية لسفارة السعودية في العاصمة التركية أنقرة (تويتر)

وجهت السعودية الثلاثاء تحذيراً هو الثاني خلال شهرين إلى مواطنيها الذين يزورون تركيا للسياحة، إثر ارتفاع نسبة الشكاوى التي تتلقاها سفارتها في أنقرة، داعيةً إياهم إلى اتخاذ مزيد من الحيطة والحذر في تحركاتهم داخل البلاد. ونبّهت السفارة السعودية في بيان رسمي، عممته وزارة الخارجية على حسابها في موقع "تويتر"، إلى أنه "نظراً لتعرض بعض المواطنين لعمليات نشل وسرقة لجوازات سفرهم ومبالغ مالية في بعض المناطق في جمهورية تركيا من قبل أشخاص مجهولين، تود السفارة التأكيد على ضرورة المحافظة على جوازات السفر والمقتنيات الثمينة والحذر، خصوصاً في الأماكن المزدحمة وعدم التردد في التواصل مع السفارة أو القنصلية في حالات الطوارئ".
وأجرت "اندبندنت عربية" اتصالاً هاتفياً بأرقام الطوارئ التي خصصتها السلطات السعودية في كل من أنقرة واسطنبول، فكان التجاوب من الموظفين في الموقعين سريعاً، ما يوحي بأن حالة التحذير الذي أطلقته جدي. وعلى الرغم من أن الاتصال أُجري في وقت متأخر بتوقيت الرياض واسطنبول وأنقرة، إلا أن الموظفين بدوا جاهزين لتقديم المساعدة للسائح المفترض الذي يوشك أن يحزم أمتعته قادماً من الرياض. وقال أحدهم رداً على الاتصال إن "المعلومات التي وردت حتى الآن هي إطلاق التنبيه وليس التحذير، فالأول أهون من الثاني، ونحن جاهزون لخدمة المواطنين الذين يتعرضون لأي مكروه في أي موقع تركي". ولدى سؤاله حول ما إذا كان ذلك يعني أن القادم من الرياض عليه أن يتريث، أجاب مصدر في السفارة "اندبندت عربية" "ليس على السائح أو الراغب في السفر إلا أن يتابع موقع وزارة الخارجية في الرياض، ففور ورود أي جديد سيتم وضع المواطنين في الصورة فوراً".

 


ومع أن المصدر الذي طلب عدم كشف هويته، لم يجزم بأن السعوديين مستهدفين بالأذى، دون غيرهم من السياح في تركيا، إلا أنه أقر بوجود حالات نشل وسرقة وتعرض للمواطنين السعوديين بالسوء، وفق البلاغات الواردة إلى الممثليات السعودية هناك. وأضاف المصدر ذاته أن "حالات سرقة الجواز السعودي في تزايد، لكني لا أستطيع الحديث عن أرقام محددة".
 
سرقة 150 جوازاً خلال أيام؟
 

وكان ناشطون سعوديون تناقلوا على نطاق واسع منشوراً تحذيرياً، بدا أنه يستند إلى أرقام جهات رسمية لم تشأ الكشف عن نفسها، ويؤكد حدوث "154 حالة سرقة للجواز السعودي في أنقرة خلال 9 أيام فقط". وعزت ذلك إلى مميزات عدة لـ "الجواز الأخضر"، تجعله مغرياً للعصابات التي توظفه في أعمال إرهابية والتهريب والتنقل، إذ أنه صعب التزوير، ويمنح حامله إمكانية السفر إلى 79 وجهة من دون الحاجة إلى تأشيرة.
وعلى النقيض من السلطات السعودية التي تجاوبت ممثلياتها فوراً، اتصلت "اندبندنت عربية" بثلاث أرقام لمراكز الشرطة في اسطنبول، هي مقرات شرطة "مقاطعة الفاتح، وتقسيم، وأيوب سلطان"، لكن واحداً منها فقط أجاب، وهو ذاك الذي في تقسيم، لكن أحداً لم يكن يحسن العربية ولا الإنجليزية، فقط "تركي. تركيش" (مثلما قال المجيب على اتصالنا). وسُجِل بين الشكاوى التي ترددت بين السياح الذين تفاعلوا مع تحذير سفارة السعودية، الشكوى من تباطؤ الأتراك في تلبية النداءات التي تصلهم وتأففهم من المحتاجين إلى المساعدة، ناهيك عن قلة الناطقين بغير اللغة التركية بين جهات الطوارئ المعتادة، مثل الشرطة والاسعاف.
 

شرطة السياحة التركية لم تسمع بشيء!
 

 

لكن البحث باللغة الإنجليزية، قاد إلى أرقام أكثر فاعلية، فلئن كانت أرقام الطوارئ داخلية ولا يمكن التواصل معها من هاتف دولي، خصص الأتراك هواتف مباشرة تعمل على مدار الـ 24 ساعة، تتواصل مع المتصلين باللغة الإنجليزية للاستفسار والشكوى، ومن بينها رقم الشرطة المختصة بالسياحة، والتي كانت إجابة المسؤول فيها سريعة عند محاولة "اندبندنت عربية" التواصل معها. ولدى سؤال المعني بالأمر عما إذا كان تلقى أي بلاغ من مواطنين سعوديين تعرضوا لمتاعب أو اعتداء في أي مدينة تركية خلال هذه الأيام، نفى ذلك وقال "عليهم أن يتصلوا بقنصليات بلدهم أولاً. نحن لم نتلق أي اتصال". ولدى سؤاله حول التحذير الذي أصدرته القنصلية السعودية حول سرقة الجوازات، أجاب الموظف التركي المسؤول "لست أدري، كل شيء جيد في أنقرة، ولم أسمع بحدوث شيء في اسطنبول. ماذا حدث بالفعل؟ ماذا قالوا".
وهكذا دار الحوار قبل أن يقول "أنا على ثقة بأن تركيا آمنة والسياح كثيرون من روسيا وبريطانيا وكل البلدان، يأتون هنا ونحن نرحب بهم". وماذا عن السعوديين تحديداً؟ "ليست لدي أرقام عن أعدادهم ولكن ثق بي إن تركيا آمنة".
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


هل يحسم التحذير السجال؟
 

لكن هذا التباين بين المسؤولين السعوديين والأتراك في تقدير حجم المخاطر في بلاد الأناضول، تجده أيضاً على مستويات السياح السعوديين في تركيا المتفاعلين مع موقفي "التحذير والترحيب"، فبينما يعود مَن حصل له ظرف سلبي في تركيا حانقاً غاضباً، يعبّر من أمضى إجازته في ارتياح يشكك في وجاهة المخاوف التي يتردد صداها، قبل أن تحسم السفارة بتحذيرها الخلاف.
ومع أن هذا السجال على مواقع التواصل الاجتماعي، ظل محموماً منذ وقت مبكر من العام الحالي بين النشطاء ومواطنين سعوديين وعرب وترك، فإنه اكتسب صفة رسمية بين طرفين سعودي وتركي، فقبل أن تصدر السفارة السعودية تحذيرها الأول إلى رجال الأعمال العاملين في مجال العقار في مايو (أيار) الماضي، كانت السفارة التركية في الرياض تحدثت في بيان لها عن معلومات مغلوطة، محاولةً القدح في صدقية الناشطين. وقالت السفارة التركية إنه "شوهد خلال الأيام الأخيرة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وغيرها تداول أخبار غير صحيحة ومزيفة عن خطف وفقدان مواطني دول الخليج، وعلى رأسهم مواطنو المملكة العربية السعودية وتعرضهم للاعتداء في تركيا، وسرقة جوازات سفرهم، بالإضافة إلى الترويج لفكرة أن تركيا أصبحت دولة غير آمنة للسياح". وأضافت أنه "يجب عدم أخذ هذه الادعاءات الباطلة بعين الاعتبار، حيث أنه لا صحة لها ولا تستند إلى معلومات أو أدلة ملموسة، كما أنها عبارة عن إعلانات مغرضة تهدف إلى تضليل الرأي العام. علمًا بأن عدم وصول أي شكوى أو طلب إلى سفارتنا أو الجهات المعنية بهذا الخصوص يُعد مؤشراً ملموساً على عدم صحة هذه الادعاءات".

 

لغتان تبعدان السياح
 

ويرى مراقبون سعوديون أن التفاوت بين لغة التحذير السعودية والطمأنة التركية، يتيح فهم كل منهما في سياقه، ففي وقت تعنى الرياض بسلامة مواطنيها في المقام الأول بغض النظر عن حجم الاعتداءات التي يتعرضون لها كما وشكلاً، لا يمكن لأنقرة أن تقلل من شأن أمنها الذي يُعدّ أهم عامل لجذب السائح، قبل البيئة والخدمات، فالسائح السعودي في تركيا وفق دراسة حديثة صادرة عن "مركز الملك فيصل" "ليس زائراً يأتي ويذهب"، ولكنه "سائح ومستثمر في الوقت نفسه". وفي ظرف اقتصادي كالذي تشهده تركيا يكون للعملة الصعبة قيمة أكثر من أوقات مضت. لكن تقارير تتحدث عن "تسييس السياحة" بين تركيا والسعودية، باعتبار أن العلاقات بين البلدين تشهد توتراً على خلفية ملفات عدة، من الصعوبة بمكان أن تبقى بمعزل عن السياحة والتبادل التجاري بين البلدين.
وعلى الرغم من نفي الأتراك أي تأثر لعدد السياح السعوديين بعد استيائهم من تناول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قادتهم السياسيين بسوء، فإن أرقام السفارة التركية نفسها تفيد قبل أشهر بتسجيل 75 ألف سائح سعودي فقط في الربع الأول من العام الحالي. وهو رقم منخفض جداً إذا ما قورن بإحصاء الدراسة التي أُشير إليها سابقاً، التي كشفت عن أن أكثر من 350 ألف سعودي توجهوا في العام 2017 إلى مدينة طرابزون وحدها، ما يعني أن الرقم الذي ذكرته السفارة اذا استمر الحال على وضعه الراهن سيجعل كل السعوديين السائحين في كل أنحاء تركيا هذا العام، أقل من المسافرين إلى مدينة تركية واحدة فقط، في الفترة التي سبقت توتر العلاقات باستفزاز تركيا السعوديين، حسب قول العديد منهم.
وأقرّ الباحث المتخصص في الشأن التركي محمد الدجين الذي أعد الدراسة، بأن "المشاريع والعقود التجارية السعودية في طرابزون، محل الدراسة، كانت شهدت نمواً نتيجةً لعدد السياح ما انعكس على النشاط التجاري، الذي شهد أهم تطور له مع تأسيس 30 شركة سعودية في المدينة". ولفت إلى أن "موقف تركيا تجاه الأزمة القطرية كان له بعض التأثير السلبي، ما انعكس نقصاً مباشراً في عدد السياح القادمين من السعودية ودول الخليج الأخرى".
 

هكذا بدأ الترويج للسياحة التركية
 

التحول في مزاج السعوديين الجديد ضد بلاد الأناضول، واهتمام الأخيرة بالسائح السعودي نظير أهميته التي أوضحها الدجين بلغة الأرقام، ربما هو الذي دفع سفارة أنقرة في الرياض إلى استعطاف السياح بالقول في بيان "نأمل من إخواننا السعوديين عدم أخذ الادعاءات الباطلة والكاذبة بعين الاعتبار، كما نود أن نعبّر عن سعادتنا باستضافتكم في تركيا في أجواء الأمن والسلام كما كان عليه الأمر في الماضي".
غير أن الماضي الذي تشير إليه السفارة لم يعد على الأرجح هو الحاضر بالنسبة إلى كثير من السعوديين، فالمناخ الذي روّج أول الأمر للسياحة التركية آخذ في الزوال، يوم كان نجوم الدعاة السعوديين أمثال المشايخ، سلمان العودة وعائض القرني وسعد البريك ومحمد العريفي وغيرهم يروجون للسياحة التركية عبر برامجهم الفضائية، مثل "سواعد الإخاء" الذي كان دعاية مكثفة ليس للخطاب الديني الذي يتبناه أولئك الدعاة وحسب، ولكن أيضاً لأرض تركيا التي يتغنون بجمالها. كما يرى كثيرون أن المسلسلات التركية التي كثفت قنوات عربية مثل "ام بي سي" بثها ودبلجتها، لعبت دوراً كبيراً في نشر الثقافة التركية بين المواطنين السعوديين والعرب وأوقعتهم في حبائل "أرض العثمانيين"، قبل أن تُمنع ويسري الوعي بما قيل إنه غزو ثقافي عثماني جديد ناعم، يقوده أردوغان، الذي شغف جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، كما لم يخف هو الآخر انحيازه إليهم، واصطفافه ضد خصومهم.

المزيد من الشرق الأوسط