كيف تحاول قطر استغلال وسائل الإعلام الأميركية لخدمة أجندتها؟

بناء شراكات مع مؤسسات كبرى ودعم صحافيين لخدممة سياسة الدوحة

 مبنى السفارة القطرية في العاصمة الأميركية واشنطن (موقع كونتكت ديتيلز والز)

وافق شهر يونيو (حزيران) 2019 الذكرى الثانية لفرض المقاطعة على قطر من قبل السعودية والإمارات ومصر والبحرين بعد رفض الدوحة قائمة من المطالب شملت إغلاق شبكة الجزيرة الإعلامية المدعومة من الدوحة. وقد أثيرت لاحقا أيضا في الولايات المتحدة مسألة تأثير الجزيرة على السياسة الخارجية. فبعد فترة وجيزة من زيارة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى البيت الأبيض في أبريل (نيسان) 2018، راسل مجموعة من المشرّعين الأميركيين وزارة العدل يطلبون منها التحقيق مع قناة الجزيرة حول وجوب تسجيلها في إطار قانون العميل الأجنبي (FARA).

تفويض وزارة العدل الأميركية للتحقيق مع شبطة الجزيرة

وفي أغسطس (آب) 2018 وقع الرئيس ترمب على قانون إقرار الدفاع الوطني (NDAA) الذي تضمن بندًا يفوض وزارة العدل للتحقيق في أنشطة القناة. ونظرًا لعدم اتخاذ وزارة العدل أي إجراء، فقد كتب أعضاء الكونغرس خطابا آخر حول هذا الموضوع في يونيو 2019، وطالبوا بإجابات بحلول 2 يوليو (تموز)، أي قبل أسبوع من الزيارة الثانية المقرر أن يجريها الشيخ تميم إلى البيت الأبيض في 9 يوليو. وفي ردها على الضغوط الأخيرة لتصنيف الجزيرة كعميل أجنبي بموجب قانون "فارا" على أساس مزاعم كونها أداة مدعومة من الدولة ويمولها الأمير ويرأسها عدد من أفراد العائلة الأميرية، قالت شبكة الجزيرة الإعلامية إنها منبر مستقل يحتفظ باستقلالية التحرير والمحتوى.

ومع ذلك، فإن خطوات قطر الأخرى المتعلقة باستراتيجيتها الإعلامية في الولايات المتحدة تشير إلى اتجاه مختلف، حيث انتقلت قطر إلى التواصل مع عدد من المؤسسات الإعلامية في محاولة لإبراز أهدافها وانجازاتها السياسية والاقتصادية. ففي الماضي كان توجه الاستراتيجية القطرية مُنصبًّا على الشبكات ذات الميول اليسارية، مثل قناة "يونغ توركس" التي تربطها شراكة مع الجزيرة، لكن في الآونة الأخيرة بدأت هذه الاستراتيجية تتغير. فقد بدا المحتوى الإعلامي الذي حظي باستثمارات أو شراكات قطرية يعكس أجندة السياسة الخارجية للدوحة - على غرار قناة الجزيرة- ويشمل التقليل من شأن مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان وعرض الرأي المنتقد للرباعية العربية المناهضة للإرهاب، والتي فرضت المقاطعة ضدها، وإشادات بعض الصحافيين بسياسات قطر. فعلى سبيل المثال، قامت قطر حديثا بشراء مقالات مصنفة "تحت الرعاية" على صحيفة "واشنطن تايمز" تشيد بعلاقتها مع الولايات المتحدة. وتشبه المقالات بيانات إعلامية بتعليقات عدد من الصحافيين المرتبطين بالصحيفة، مثل الكاتب تيم قسطنطين، الذي زار الدوحة حيث قابل المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية لولوة الخاطر. وفيما بعد، استضاف قسطنطين الخاطر في برنامجه لتنظيم حلقة نقاش معها. لكنه لم يكن الوحيد.

قطر ووسائل إعلام المحافظين 

علاوة على ذلك، تستمر محاولات قطر لربط علاقات مع وسائل الإعلام المحافظة في أميركا رغم الأصوات المعارضة. ففي عام 2018 حاولت الدوحة شراء حصة في المنبر الإعلامي المحافظ المؤيد لترمب "نيوزماكس". وعلى الرغم من أن الصفقة بدت متعثرة بسبب الدعاية ونفي مالكها كريس رودي في مايو (أيار) من ذلك العام إجراء الصفقة، استمرت التكهنات حول ذلك التقارب لعدة أشهر.

من جهة أخرى، دأب كتاب الأعمدة في الـ «أمريكان كونسيرفاتيف»، وهي مجلة محافظة تقليدية تدعم وجهات النظر الانعزالية وتنتقد في كثير من الأحيان التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية، دأبوا منذ فترة طويلة على دعم وجهات نظر محابية لقطر. ففي منشور حديث وصفت المجلة قطر بأنها "الأمل الأكبر" في الأزمة مع إيران، وكان ذلك واحدا فقط من الأوسمة التي تم منحها للدوحة حديثا. وبالتزامن مع اختراقاتها للمنابر المتحيزة علانية، تعمل قطر على بناء علاقات جوهرية مع المنابر الأكثر شيوعا وتنويع اتصالاتها مع وسائل الإعلام. وتتخذ هذه الاتصالات أشكالا عدة، من ربط علاقات سرية مع بعض كبار مراسلي شبكة سي إن إن وضيوفها من المحللين ذوي الميول اليسارية حسب ما كتب جوردان شاشتيل بتاريخ 2 أبريل (نيسان) الماضي في موقع "كونسيرفتف فيوز"، وصولا إلى نشر مقالات على نيويورك تايمز من قبل كتاب أعمدة مدفوع لهم من قطر، كما جاء في مقال نشره موقع "فوكس نيوز" الإخباري لعادل ناظريان، ثم إلى طيف أوسع من وسائل الإعلام.

الجزيرة وبلومبرغ

في الآونة الأخيرة أعلنت قناة الجزيرة عن شراكة مع بلومبرغ، في أهم علاقة "رسمية" ومفتوحة من هذا النوع على الإطلاق. ومن المفترض أن يكون التركيز في هذه الشراكة على الشؤون المالية، غير أنه بلا شك يعتبر هذا تطورا مهما للدعاية القطرية في عالم الأخبار، حيث يمكن حتى لتغطية النجاحات المالية أن تشوه الأهمية الواضحة لدور دولة فاعلة.  ورغم كون هذه الشراكة وفرّت للجزيرة في البداية فرصة لتقديم محتوى بلومبرغ نيوز إلى الجماهير على المستويات المحلية، إلا أنها توسعت منذ ذلك الحين مع فتح قناة الجزيرة مكاتب جديدة في نيويورك، حيث أطلقت "أي جاي إمباكت"  (AJ Impact)،  وهي خدمة إخبارية معمقة تتناول قضايا اقتصادية عالمية. وستوفر الخدمة محتوى متنوع يشمل مواد إخبارية رقمية ورسومات بيانية (انفوغراف) ومقاطع الفيديو والبودكاست. كل هذا في إطار العلاقة التي تشهد تطورا منذ بعض الوقت بين الجزيرة وبلومبرغ.

في أكتوبر (تشرين أول) 2018 أدار أحد كبار محرري بلومبرغ اجتماعاً على غداء عمل مع متحدث باسم قناة الجزيرة في نادي الصحافة الوطني بشأن احتمال تصنيف الجزيرة عميلا أجنبيا في أميركا، ما قد يكلف القناة أوراق الاعتمادات الصحافية. وبالنظر إلى المصلحة المالية لبلومبرغ في نجاح الجزيرة، ثمة شك في التزامها الحياد خلال ذلك الاجتماع حيال تلك القضية أو غيرها من القضايا ذات الصلة بقطر بينما كانت الصفقة التجارية قيد التطوير.

فهل تأثرت تغطية بلومبرغ عن قطر أو عن خصوم قطر الإقليميين بهذه الاعتبارات؟ قد تكون مقالات الرأي وعناوين الأخبار واختيار المفردات في تغطية قضية خاشقجي في الأشهر الأخيرة من عام 2018 وما بعدها تعكس مصلحة بلومبرغ الذاتية، من قبيل الصدفة أو لا، لكن توقيت الأحداث صبّت بالتأكيد في صالح توظيف قطر لإعلامها لتحقيق أقصى قدر من أهداف سياستها الخارجية مع الجمهور والمسؤولين الحكوميين الأميركيين في الغرب.

في أحيان أخرى، تعمل قطر مع شركاء مثل موقع المونيتور، الذي يملكه ملياردير أميركي سوري، للسيطرة على المنابر المحافظة أو غيرها من المنابر التي يمكن أن تخدم هدفها بشكل غير مباشر من خلال الوصول إلى جمهور أوسع. ومن الأمثلة على ذلك شراء موقع RealClearPolitics من فوربز من قِبل شركة المونتيور الأم Monitor Crest Media.

يركز الاندفاع الإعلامي القطري على الجانب التكنولوجي بنفس القدر الذي يركز على جوانب الاتصال فيما يتعلق بإنتاج مواد العلاقات العامة ذات الجودة العالية. فعلى سبيل المثال، عقدت قطر شراكة مع MediaKind، وهي شركة عالمية لتكنولوجيا الإعلام ورائدة في مجالها تتخذ من تكساس مقرا لها، لإنتاج "خدمة ذات توجه مستقبلي وتوجه نحو المنصات." ومن شأن هذه الخدمة تعزيز تجارب التلفزيون والترفيه لعملاء فودافون قطر.

كما تسعى شركة "بي إن" الإعلامية العملاقة – المنبثقة عن شبكة الجزيرة - لبيع حصة تصل إلى 50%، بقيمة تصل إلى 650 مليون دولار  في شركة الأفلام الشهيرة ميرماكس التي استحوذت عليها عام 2016. وعلى الرغم من أن العديد من الأفلام الحديثة التي تنتجها ميرماكس معروفة بقيمتها الترفيهيه أكثر من السياسية، إلا أن شراء هذه المنصات يزيد من مصداقية المشاريع التجارية القطرية الأخرى ويمكن استخدامها لتمويل جهود إعلامية أكثر جدية وكسب النفوذ في المفاوضات مع الشركات ذات التوجه الإخباري، أو تمويه الرسم الدقيق لموضوعات أحداث معينة على مستوى الترفيه.

بي إن ميديا

من جانب آخر استخدمت "بي إن ميديا" نفوذها لحل ما يبدو أنه نزاعات تجارية مع الدول الأخرى بطريقة تعزز السياسة الخارجية لدولة قطر. فمثلا عملت على حشد الشركات الإعلامية والترفيهية الكبرى الأخرى في هوليوود لتصنيف السعودية، التي تحاول بناء صناعة سينمائية من أساس، كأكبر قرصان ومنتهك لقوانين الملكية الفكرية في العالم. وقد استمرت هذه الحملة لعدة أشهر وأسفرت عن دعاية سلبية للملكة في قنوات الترفيه الأميركية وحتى وسائل الإعلام التي لا يبدو أن لها صلة مباشرة مع قطر. ويعزز الإضرار بسمعة السعودية ومصداقيتها في مجال الأعمال التجارية أهداف قطر في مواجهة المقاطعة وتقويض خصومها اقتصادياً من حيث الشراكات والمشاريع التجارية في الغرب.

استقطاب مؤيدين

إضافة إلى ذلك تسعى قطر إلى استقطاب الصحافيين الصاعدين وأخصائي التواصل المبتدئين من خلال نظامها التعليمي. فهي ترحب بالطلبة من جميع أرجاء العالم وتقدم لهم تعليما مجانيا بجامعة جورج تاون بالدوحة (التي تخضع حاليا للتحقيق من قبل وزارة العدل الأميركية بشأن احتمال عدم التبليغ باستثمارات خارجية) حيث يمكنهم الحصول على شهادات في الإعلام والسياسة. بعدها، يمكن أن يتم توظيفهم كمتدربين في مؤسسات نشر وفي شبكات إعلامية حول العالم، بما فيها الولايات المتحدة والمؤسسات الإعلامية المنتسبة لها في الخارج، حيث يمكن أن يساعد ما تلقوه من تدريب في صياغة التقارير التي ينجزونها حول الأحداث ونظرتهم لها.

من جهة أخرى، نجحت قطر في استمالة المؤسسات الإعلامية ذات الميول المحافظة مثل فوربز لإنجاز تغطية إيجابية لأحداثها الداخلية مثل متحفها الوطني الذي استكمل بناؤه مؤخرا. وبالرغم من أن دولا أخرى استعملت حملات إعلانية مماثلة لتغطية مختلف الشراكات والابتكارات الأجنبية، فالقليل منها فقط بلغ من النجاح ما بلغته قطر في استقدام صحافيين مرموقين لاستعراض تجاربها عوض كتابة التقارير عنها (وغالبا بكثير من الريبة) من بعيد. وكما هو مثير للاهتمام بقدر تلك الأمثلة الواضحة للإغراءات المالية مثل تقديم الأموال والأسفار المجانية للتأثير على الصحافيين ذائعي الصيت، تتجاهل كليا وسائل الإعلام الرئيسية المخالفات التي يرتكبها على وجه الخصوص أعضاء الأسرة الحاكمة في قطر بالرغم من الاهتمام العام بهذه القصص وأهميتها الإخبارية.

فمثلا، كشفت وسيلة إعلامية محلية في نيويورك محاولة أفراد من العائلة الأميرية القطرية استخدام النظام القضائي الأميركي لدفن قضية تتعلق بالاتجار بالبشر وإساءة معاملة الموظفين. فقد ادعى المتابَعون في قضية سوء استغلال قوانين الشغل والحصانة الدبلوماسية، وتبعا لذلك لم تتصدر تطورات القضية عناوين الصحف. كما أن الصحافي الذي حاول كشف هذه القضية وفضائح أخرى ذات صلة بقطر والجزيرة تعرض للضرب من أمن الأمم المتحدة. حاليا، لم يلق انفتاح قطر على التكتلات الإعلامية الأميركية المحافظة وغيرها إلا اهتماما محدودا. أحد الأسباب في ذلك هو أن أغلب المراسلين والمحللين ظلوا حذرين خشية الإضرار بعلاقاتهم خصوصا تلك التي لها صلة بالتمويل والامتيازات وأشكال التعويضات التي يستفيدون منها. وحيث إن قطر تسعى لتعزيز استراتيجيتها للتأثير من خلال مشاريع تجارية، فإن شراء الأسهم في كبريات المؤسسات الإخبارية من شأنه تعزيز استراتيجتها لكسب مزيد من النفوذ، وسيكون الرد على ذلك أصعب من انتقاد الصحافيين الذين ربما استفادوا من علاقات تبادل المصالح، ولهم إمكانات أكبر للوصول لمصادر قطرية رفيعة المستوى. أما بعض العلاقات العامة الأقل أهمية التي أشير إليها هنا فهي نتيجة التقصي المكثف الذي قام به محققون شجعان. فالطابع الصارخ لما طفا على السطح يعطينا إشارة إلى أن ذلك ليس إلا تتويجا للعملية.

وتعد زيارة الشيخ تميم إلى البيت الأبيض فرصة جيدة للرئيس وللصحافيين من ذوي الضمائر الحية لإثارة أسئلة توضح علاقات قطر مع وسائل إعلامها وإثارة المخاوف حول مستوى التأثير المدعوم قطريا الذي يمارس على وسائل الإعلام، والخطاب السياسي، وتحليل السياسة الخارجية الاقتصادية للولايات المتحدة.

المزيد من دوليات