"بابور الكاز" يضحك لفقراء غزة

يعمل يحيى المعصوابي منذ 50 عاماً في هذه المهنة التي كان يفترض أن تنتهي لولا ظروف القطاع الصعبة

من الساعة السابعة صباحاً، يفتح الفلسطيني يحيى المعصوابي أبواب محلّه الصغير المخصّص لصيانة بابور الكاز. يعيش بين زواياه الأربعة خمس ساعاتٍ يومياً، يقضيها يغازل الأدوات القديمة، ويتحايل على أنبوب الكاز لكي يشتعل من جديد. منهمكاً يقول "ما بين الخمسينيات والسبعينيات، كان زمن عز البابور، إذ كان يعد الأداة الأساسية لمنازل سكان غزّة. وليس غريباً لو قلت أنّ اليوم يتجدد ذلك".

المحل الصغير لا تتجاوز مساحته ثلاثة أمتار، لكن معظم سكان قطاع غزّة يعرفونه جيداً. فعمره اليوم يزيد على 40 عاماً. ومكانه في وسط منطقة الشجاعية أضخم سوقٍ شعبي أعطاه صبغة من الأهمية. وصوت الطرق الصباحي الذي يشبه زقزقة العصافير، كما وصفه أهالي الحيّ، منحه من الشهرة الكثير.

صيانة

"أعمل في صيانة بابور الكاز وكلّ أدوات المطبخ النحاسية القديمة. الناس هنا غلابة، على الرغم من التقدم الكبير وانتشار البوتاغاز، إلا أنّهم يلجأون إلى الأدوات القديمة. والسبب واضح: الفقر أكل المنطقة".

ومن بين الدكاكين القديمة، تشدّ الانتباه لمعة البابور عندما تسقط عليه أشعة الشمس. هذا المشهد ينقل الناس إلى الماضي القديم. فمحل المعصوابي عبارة عن تحفة تراثية قديمة علقت فيه أشكال وأنواع مختلفة من البوابير، يقدّر عددها بالمئات، جزء منها كان يستخدم لطهي الطعام، والآخر للإضاءة في المنازل، وبعضها في المقاعد العربية القديمة أو ديوان العائلة.

يشرد بذاكرته إلى الماضي، ويقول "أفضل بابور كان يستورد من سوريا. إذ كانت نوعيته جيدة وأداؤه مميّزاً. وبعده يأتي البابور المصري، الذي كان شعبياً ومنتشراً بكثرة. وكذلك نوعية بريموس، السويدي الأصل. وكان البابور السويدي والألماني والبرتغالي يغزو السوق، وكان العشرات يعملون في مهنة صيانة البابور، لكنها تراجعت الآن بسبب رفض جيل التسعينيات تعلّم مهنة آبائهم".

على مدار 52 عاماً والحاج يحيى المعصوابي، أو العم البوابيري كما ينادي عليه زبائنه وجيرانه، يعمل في صيانة بابور الكاز. وهي مهنته الأساسية التي تعلمها من والده، الذي ورثها عن جدّه. وهذا العمل المتوارث، هاجر كما الفلسطيني. فبدأت الرحلة من مدينة المجدل التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1948، فهاجر جدّه إلى مدينة اللد وهناك علّمها إلى ابنه خليل، الذي هاجر لاحقاً إلى غزّة وعلّمها إلى طفله يحيى، الذي كان يصطحبه معه يومياً إلى ورشته آنذاك.

شارفت على الاندثار

العم البوابيري يبلغ من العمر اليوم 65 سنة. بدأ في مهنته في عمر 13 سنة. ويقول "أتقنت العمل في صيانة البابور بعد ثلاث سنوات من التدريب والتعليم على يد والدي. أذكر أنّ الزبائن كانوا ينتظرون في الدور لتصليح البابور، وربما يعودون بعد يوم للحصول عليه، بسبب ضغط العمل الكبير وقتها". الذكريات الجميلة جعلت العم الذي غزاه الشيب يبتسم، لكن الوضع المعيشي الصعب يكسر تلك الابتسامة.

لا شكّ في أن عدد الزبائن قليل. ومهنته شارفت على الاندثار، كما يصفها العم البوابيري، لكنّها تصارع من أجل البقاء، كونها تعد جزءاً أصيلاً من التراث الفلسطيني وأدواته القديمة. ويعتمد المعصوابي في عمله على ثلاث ماكينات فقط، هي ماكينة التلحيم والمِسنّ القديم والمِسنّ الكهربائي. وتعد هذه المعدات إرثاً قديماً في عائلته.

وعملت "اندبندنت عربية" على البحث عن أشخاصٍ يمتهنون تصليح بابور الكاز، فلم تجد سوى خمسة فقط منتشرين في مختلف محافظات القطاع.

 

وعلى الرغم من بدء اندثار هذه المهنة في ظلّ التطوّر التكنولوجي والصناعي، إلّا أنّ لها سلسلة زبائن، يصفهم المعصوابي بأنّهم غلابة غزّة، الذين لا يستطيعون شراء أسطوانة الغاز. وفعلياً، بلغت نسبة الفقر في القطاع 53 في المئة، بينما الفقر المدقع وصل إلى 33.8 في المئة. ما يعني أنّ تحصيلهم اليومي لا يتخطى دولارين أميركيين، في حين أنّ أنبوبة الغاز يصل سعرها إلى 18 دولاراً، وتحتاج الأسرة المكونة من خمسة أفراد إلى عبوّة كلّ شهر.

في المقابل، تكلف صيانة بابور الكاز دولاراً ونصف دولار فقط. وهي كلفة قليلة عند مقارنتها بصيانة البوتاغاز. وعلى الرغم من ذلك يعتمد عليها المعصوابي كمصدر دخل له، ولا يقتصر عمله على البوابير والأواني النحاسية، بل يمتد إلى تصليح أواني القصدير والألومنيوم وصبابات القهوة الكبيرة، كما يسنّ السكاكين، ويعيد ترميم بعض الأواني القديمة التي يحتفظ بها أصحابها كزينة من التراث الفلسطيني.

وبسبب الأوضاع الصعبة التي يعيشها سكان غزّة، عاد البابور وبدأ الناس باستخدامه مجدداً، وتحديداً منذ عام 2008، بعد العدوان الإسرائيلي الأول على القطاع. إذ قصفت الطائرات الإسرائيلية محطات الغاز، وتشكلت أزمة كبيرة، أعادت إلى البابور زمنه.

المزيد من هوايات وغرائب