Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن الاقتصاد البريطاني وسبب تعرضه لضربة قاسية

الأسواق المالية تحجب الثقة عن ليز تراس

انهيار الباوند إلى مستويات غير مسبوقة (رويترز)

نشرت مجلة "فورين أفيرز" يوم 28 سبتمبر (أيلول) 2022 مقالاً أعلنت فيه عن تدهور الباوند البريطاني إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة يوم الإثنين، على خلفية الإعلان في الأسبوع الماضي عن خطط لتقليص الضرائب واقتراض كميات هائلة من المال لتسديدها، الأمر الذي هز الأسواق المالية وزعزع الثقة في قدرة الحكومة البريطانية الجديدة على انتشال الاقتصاد المتعثر من براثن الركود.

وكانت رئيسة الوزراء ليز تراس قد دافعت عن استراتيجية تخفيض الضرائب تلك، معتبرة بأنها سوف تدفع عجلة الاقتصاد قدماً. إلا أن المستثمرين المشككين سارعوا إلى التخلص من العملة البريطانية وسندات الحكومة، مما أدى إلى تدهور الباوند إلى 1.03 دولار أميركي، وتراجع الإقبال على السندات البريطانية، بالتالي، ارتفع الضغط على صناديق التقاعد وغيرها من حاملي السندات فكان التهديد بانهيار الاقتصاد بشكل كامل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتجدر الإشارة إلى أن تراجع الباوند، الذي من المتوقع أن يليه ارتفاع حاد في معدلات الفائدة، يأتي في وقت تتخبط فيه البلاد لاستيعاب صدمة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) وتخطي أزمة انتشار وباء كورونا وغزو روسيا لأوكرانيا. ومن شأن هذه التداعيات أن تنسف مكانة الدولة البريطانية كقوة اقتصادية لافتة منذ الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في 2016. وفيما يلوح في الأفق خطر أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية، في ما يلي لمحة عن الخلفيات والآثار على بريطانيا:

الخلفية

بحسب مجلة "فورين أفيرز"، لا تختلف الرياح التي تعصف بالاقتصاد البريطاني اليوم بشكل معاكس تلك التي تلقي بظلالها حالياً على الولايات المتحدة والدول الأوروبية بسبب التداعيات المستمرة التي خلفها كل من الوباء والحرب في أوكرانيا، ألا وهي ارتفاع التضخم، وتصاعد تكاليف الطاقة، وانكماش سوق العمل، لكن المملكة المتحدة تعاني إضافة إلى ما سبق من موطن ضعف خلقته لنفسها بنفسها.

كان الاقتصاد البريطاني متعثراً أصلاً بعد "بريكست"، إذ غادرته الاستثمارات الأجنبية في 2016 بعد التصويت على الانفصال، في حين تراجع حجم التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي مع تنفيذ الخروج في عام 2020، بالتالي انتقلت بريطانيا من عضو في أكبر كتلة اقتصادية في العالم إلى دولة وحيدة، وتشير التوقعات الاقتصادية إلى انكماش الاقتصاد البريطاني بنسبة أربعة في المئة.

علاوة على ذلك، تسبب غزو أوكرانيا على يد روسيا بارتفاع أسعار مواد الطاقة بشكل جنوني، وكان من المرجح أن تعاني الأسر البريطانية أكثر من غيرها هذه الأزمة بسبب عدم تمتع المنازل البريطانية بالعزل الكافي عن البرد واعتمادها العالي على الغاز للتدفئة. وكان رد الحكومة في مواجهة هذه الأزمة أن أعلنت دعم فواتير الطاقة للأسر والشركات بما يعتبر التدخل الحكومي الأكبر في مجرى الاقتصاد منذ عقود من الزمن. وتبلغ كلفة هذا الدعم 108 مليارات دولار أميركي للسنة المقبلة.

إلا أن الإعلان يوم الجمعة عن تخفيضات ضريبية أتى بمثابة الضربة القاضية التي هزت ثقة السوق بأداء الحكومة الجديدة وأودت بالباوند إلى تراجع مخيف مقابل الدولار، ويخشى الخبراء من مزيد من التدني في الأيام المقبلة.

ما الدافع خلف قرارات الحكومة؟

وفق مجلة "فورين أفيرز"، وعلى عكس ما كانت تراس تظنه، لم تؤد خطة تخفيض الضرائب وسط ارتفاع التضخم إلى ارتفاع قيمة الباوند كما كانت ترجوه، بل راح المستثمرون يسألون عن كفاءة الحكومة الجديدة وأدائها فتخلوا عن العملة البريطانية. يمكن بالتالي الاستنتاج بأن الحكومة لديها خريطة طريق لكنها لا تعرف كيف تنفذها، لأنها تأخذ القرارات بدافع أيديولوجي يضع الاستثمارات أمام عديد من الأخطار التي قد تمنيها بخسائر فادحة.

وحالما أعلنت تراس عن تخفيضات ضريبية لا تصحبها أي خطة لتمويلها، دب الخوف في أسواق العملات والسندات، في إشارة إلى أن الحكومة لا تتمتع بالخبرة الكافية لإدارة هذه الأزمة، لا سيما أن التخفيضات الضريبية لم تصاحبها أي مراجعة من قبل مكتب مسؤولية الميزانية. وما زالت المخاوف قائمة في السوق على رغم تعهد كوارتينغ بإجراء المراجعة.

ما التداعيات؟

شرحت مجلة "فورين أفيرز" أنه على الأمد القريب، سيدفع تراجع سعر الباوند إلى ارتفاع كلفة الاستيراد، الأمر الذي من شأنه أن يزيد كلفة المعيشة ويرفع مستوى التضخم. ويتوقع الخبراء أن يعلن بنك إنجلترا زيادة في معدلات الفائدة رداً على تراجع الباوند مقابل الدولار.

الأسواق متجمدة بفعل تداخل الأزمات وقد حجبت الثقة لا محال عن الحكومة الجديدة. ومن الناحية السياسية، إنها لكارثة. فبعد 10 سنوات من سياسات التقشف الموجعة، تلتها المعاناة في ظل الوباء والحرب في أوكرانيا، ركد الاقتصاد البريطاني، إن لم نقل إنه على شفير أن يسلم الروح متأثراً بألف أزمة وأزمة.