Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ارتفاع أسعار مواد البناء يثير مخاوف التونسيين

قلق من ضياع أحلام تملك المسكن

إقرار زيادة في قطاع مواد البناء تقدر بـ4.68 دولار للطن الواحد من الأسمنت ما يساوي ستة في المئة (رويترز)

سجلت مواد البناء ارتفاعاً في أسعارها في السوق التونسية وشملت الزيادات الأسمنت والحديد إلى جانب الخرسانة وكل متعلقات التجهيز الداخلية للمنازل بسبب التطورات في السوق العالمية المتعلقة بالمواد الأولية وأسعار المحروقات وتراجع قيمة العملة المحلية، ما أثار غضب الناشطين بقطاعي المقاولات والعقارات. وأسهمت الزيادات المستمرة في الأسعار في السنوات الأخيرة بارتفاع تكلفة المساكن واشتعال أسعارها في مرحلة أخيرة مروراً بما تسببت فيه من فقدان مواطن شغل في عشرات القطاعات المتداخلة مع قطاع البناء الذي يشهد ركوداً غير مسبوق بسبب العوامل الخارجية المتعلقة بسعر النفط وصولاً إلى واقع الاستثمار في تونس.

ورأى متخصصون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" أن أخطر الانعكاسات لهذا الترفيع هو تعطيل الاستثمار العمومي والمشاريع العامة التي تمثل الدافع الأساس لعجلة الاقتصاد بتجسيد الصفقات العمومية المشغلة للقطاع الخاص والمئات من المهن، علاوة على تعطيل مسار تحسين البنية التحتية وبخاصة منها الطرقات والحيلولة دون تمكين الطبقة المتوسطة والضعيفة من المسكن الأول، وهي من أسس التنمية، معبرين عن استغرابهم من عدم تشريك الأطراف المعنية من مهنيين بالقطاع بخصوص هذه الزيادات.

تعطيل المشاريع

وتم، الخميس 22 سبتمبر (أيلول)، إقرار زيادة في قطاع مواد البناء تقدر بـ15 ديناراً (4.68 دولار) للطن الواحد من الأسمنت، ما يساوي ستة في المئة، كما تم الرفع في سعر الخرسانة المصنعة والمواد المرتبطة بها. وكانت السوق قد سجلت زيادات في مايو (أيار) 2022 شملت الأجر بمختلف أنواعه والأسمنت والحديد والجبس.

ووصف مهدي الفخفاخ رئيس الغرفة الوطنية النقابية لمقاولي البناء المنضوية تحت منظمة الأعراف (هيئة نقابية) الزيادات في مادة الأسمنت والحديد بغير المدروسة في حق القطاع، إذ أسهمت في تراجع تشغيليته بنسبة 20 في المئة، كما أدت إلى فقدان أكثر من 120 ألف موطن شغل.

كما يعاني مقاولو البناء والأشغال العامة من عدم توفر عدد من المواد مثل مادة الفولاذ التي شهدت ارتفاعاً في الأسعار، ما سيؤدي إلى الترفيع في بقية مواد البناء المصنوعة من الأسمنت والفولاذ، أساساً، وفقدان المزيد من مواطن الشغل، إضافة إلى الانعكاسات السلبية العديدة على قطاع البناء عموماً وضرب قدرة المواطنين والدولة على إكمال مشاريع البناء، بعد أن ارتفعت أسعار مواد البناء والحديد بالتفصيل بنسب متفاوتة في السنة المنقضية إلى اليوم بنسبة تقارب 50 في المئة. واستغرب الفخفاخ الزيادة المباغتة من دون تنسيق مع منظمة الأعراف. وحذر من مغبة توقف أشغال البناء بسبب هذا القرار الذي لم يُعلن عنه مسبقاً.

وأسهمت الإجراءات الجبائية المجحفة وغياب المناخ التنافسي في تفاقم الوضع إذ يحتكر تصنيع مادة الحديد مصنعان وحسب، ومن البديهي أن يقع احتكار السوق بالتالي في ظل غياب التشاركية في أخذ مثل هذه القرارات من قبل وزارة التجارة التي تتجاهل التشاور مع أهل المهنة من المقاولين.

وذكر الفخفاخ بممارسات الاحتكار التي سجلت في فترات سابقة ما فتح المجال أمام البيع العشوائي، وأسهم في اشتعال الأسعار، وقد قامت الغرفة الوطنية للأشغال العامة والبناء برفع قضية ضد الغرفة الوطنية لمصنعي الحديد في هذا الشأن، ما سيفاقم من أزمة قطاع المقاولات والبناء، وهو الذي يشكو تراجعاً كبيراً في النشاط وركوداً غير مسبوق، داعياً الحكومة إلى التدخل من أجل إنعاش هذا القطاع الحيوي المشغل لعديد من الناشطين بالقطاعات الأخرى. ومن تداعيات هذا الركود تسجيل تراجع بنحو النصف في عدد العاملين في القطاع، والبالغ عددهم 520 ألف شخص.

أزمة العقارات

بالتوازي، تضاعفت أسعار العقارات في تونس نحو ثلاث مرات خلال السنوات الأخيرة، ما جعل التونسيين غير قادرين على اقتناء مسكن بفعل الثمن الباهظ تأثراً بتكلفة البناء، علاوة على الأداءات والأراضي، وتبخر بذلك أمل الشباب التونسي في شراء منزل. ومن أهم أسباب هذا التنامي تكلفة القروض والأداءات، وزاد الترفيع في نسبة الفائدة الرئيسة بتعميق الوضع، ولم يحصل العديد من المقاولين الذين قاموا بإنجاز مشاريع عمومية على مستحقاتهم من الدولة، بعد أن وقع الترفيع في نسبة فوائض القروض التي تحصلوا عليها، كما سجل تعطيل في إسناد التراخيص ما أسهم في ضعف نسبة بيع المسكن الأول، إذ لم تتجاوز 10 في المئة بخاصة أن القيمة المالية التي ستتكفل بها البنوك تتراوح بين 60 و80 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبرت مختلف الأطراف المتقاطعة في مجال البناء أن المصادقة على الأمر الرئاسي المتعلق بالمراجعة الاستثنائية لإتمام الصفقات العمومية المتعلقة بالأشغال في يوليو (تموز) 2022 خطوة جيدة للغاية لفائدة المقتني العمومي والمواطن التونسي والبنوك والمقاولين والإيجار المالي. فمشروع مراجعة الأثمان يساند صغار المقاولين الذين لديهم مشاريع غير قابلة للمراجعة ما من شأنه أن يسهم في اكتمال المشاريع وديمومة الأشغال وتسهيل العمليات المالية، كما سيسرع في عملية إتمام تنفيذ المشاريع المتعلقة بالطرقات وأشغال بناء وصيانة المنشآت العمومية وتسهيل الحصول على تمويلات وقروض.

كلفة الاقتراض

وتوقع فهمي شعبان رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين المنضوية تحت اتحاد الأعراف (هيئة نقابية) ألا تتوقف أسعار مواد البناء وكلفته المشتعلة عند الحدود الحالية، بل تتجاوزها في الفترة المقبلة، بسبب الرفع الأخير في سعر المحروقات ما سيلقي بظلاله على نقل المواد من المصانع والمزودين، وكذلك الأشغال بالمقاطع إضافة إلى تكلفة التوريد للسلع من بلدان الاتحاد الأوروبي لا سيما الخشب والألومنيوم والبلور والمواد الأولية المعتمدة لمربعات الخزف والمواد الصحية والإلكترونية والدهن، وهي مصنعة في تونس أو نصف مصنعة باعتماد مواد أولية موردة. وارتفعت أسعارها بعد أزمة كورونا بسبب تنامي الطلب في السوق العالمية وتداعيات سعر تداول الدينار التونسي. ويضاف هذا الارتفاع في المصاريف إلى تكلفة الشحن، وتكبد الباعثون العقاريون والناشطون بقطاع البناء بصفة عامة التكلفة وتزامن ذلك مع الأزمة الاقتصادية، كما ارتفعت تكلفة اليد العاملة بسبب تدهور المقدرة الشرائية.

والمرحلة الحالية التي زادت من صعوباتها الحرب الأوكرانية أثرت على المشاريع العمومية والخاصة التي تشهد ركوداً سابقاً بفعل مخلفات السنوات الـ10 الأخيرة غير المستقرة في تونس.

وقطاع البعث العقاري والبناء يعجز عن مواجهة هذه المضاعفات وفق شعبان، كما لا تتحمل الدولة مسؤولية غلاء الأسعار لكنها مطالبة بإيجاد الحلول. ويفترض أن تتباحث الدولة مع الغرفة لاتخاذ إجراءات لفائدة المواطن، ومنها إجراءات جبائية ضرورية وتحديد نسبة فائدة خاصة بمقتنيي المساكن، وإقرار قروض خاصة مدروسة بتحديد نسبة فائدة تفاضلية لفائدتهم عن طريق وضع خط تمويل خاص، وقد تم اقتراح نسبة ثلاثة في المئة في نص قانون لحكومة سابقة وهو ناجع. وهي إجراءات تعود بالفائدة على المالية العمومية بتنشيط المشاريع وتنفيذ الصفقات التي تشمل المئات من المهن والأنشطة وتثري خزانة الدولة باستخلاص الأداءات.

ورأى الخبير العقاري في البناء جلال مزيو أن وضع القطاع العقاري يدعو للقلق، إذ ارتفعت أسعار متطلبات البناء من دون توفر القدرة على مواكبتها من قبل المواطن التونسي. علماً أن القطاع العقاري يوفر السكن للفئات الضعيفة والمتوسطة والمترفة. وقد تأثرت الفئات المتوسطة والضعيفة بتزايد التكلفة، بالتالي قيمة المسكن المالية، ويصعب السيطرة عليها بحكم أن معظم المواد المعتمدة مستوردة. وطالب مزيو بالتدخل لدعم قيمة الاقتراض على المدى الطويل مشيراً إلى تدارس هذه المقترحات حالياً للضغط على هذه الإشكاليات المتراكمة بحكم أنه الحل الجوهري لتحقيق الخلفية الاجتماعية لقطاع البناء، وهي تمكين الطبقة المتوسطة والضعيفة من المسكن الأول وهو من مقومات العيش الكريم لدى التونسيين.