Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أربكت "بروفة بري" لانتخاب رئيس لبنان الكتل النيابية؟

رئيس البرلمان استعاد زمام المبادرة ورد تهمة التسبب بالفراغ الرئاسي وتخلص من معضلة الحكومة

تراوحت مشاورات الساعات القليلة التي سبقت انعقاد جلسة البرلمان اللبناني بدعوة مباغتة من رئيسه نبيه بري إلى الاجتماع، الخميس 29 سبتمبر (أيلول)، قبل انتهاء المهلة الدستورية لاختيار رئيس الجمهورية بين توقع المفاجآت واستبعادها.

ومن المقرر أن يغادر الرئيس ميشال عون المنصب في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لكن النتيجة التي انتهت إليها الجلسة بعدم انتخاب الرئيس الجديد أثبتت أن ليست هناك مفاجآت وكل شيء يسري كما كان مخططاً له وفق ما رست عليه معطيات الليلة السابقة بعد تكثيف الاتصالات بين الكتل النيابية.

أما النتيجة في السياسة، فهي ما أعلنه بري على أثر انتهاء الجلسة لجهة أن عجز أي فريق عن تأمين الأكثرية يحتاج إلى توافق بين القوى السياسية الرئيسة المتقابلة وهذا ما أراد رئيس مجلس النواب إثباته من "البروفة" البرلمانية التي أدارها.

الساعات القليلة التي سبقت انعقاد الجلسة أثبتت صعوبة تبلور أكثرية واضحة لأي من المرشحين، لا أكثرية الثلثين (86 نائباً) التي يحتاج إليها أي مرشح للفوز في الدورة الأولى من الاقتراع، ولا الأكثرية المطلقة أي النصف زائداً واحداً (65 نائباً) في الدورة الثانية.

مأزق الورقة البيضاء 

خلال اليوم السابق للجلسة سأل أحد المقربين من الرئيس بري من باب الافتراض "ماذا لو حصلت مفاجأة وانتخب النواب رئيساً من المرشحين المعروفين فتنفرج الأمور في البلد وينطلق نحو مرحلة جديدة؟".

لكن النتيجة خالفت السؤال بالكامل وهي 63 ورقة بيضاء من قبل "حزب الله" وحركة "أمل" وحلفائهما (61 نائباً) بمن فيهم "التيار الوطني الحر"، أي أضيف إلى أصوات هذا الفريق صوتان من الفريق الآخر.

أما أصوات الفريق المقابل المؤلف من السياديين والتغييريين والمستقلين (القوات اللبنانية والكتائب والتقدمي الاشتراكي والتجدد والاعتدال الوطني) وعدد نوابه 67، أي الأكثرية المفترضة، فتوزعت كالآتي 36 لمصلحة مرشح القوى السيادية النائب الشمالي ميشال معوض، نجل الرئيس الراحل رينيه معوض الذي اغتيل عام 1989 بعد أسابيع قليلة على انتخابه على أثر إقرار اتفاق الطائف و11 لمصلحة المرشح الذي اختاره التغييريون وهو رجل الأعمال اللبناني الشهير سليم إده، نجل الوزير والنائب الراحل ميشال إده و12 ورقة اقترع أصحابها لـ"لبنان" واعتبرت ملغاة، فيما غاب ستة نواب من أصل 128، أربعة منهم خارج البلد ويدعمون خيار معوض.

وإذا كان الفريق السيادي استنتج من تلك النتيجة كما قال نائب رئيس حزب "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان أن الجلسة أثبتت أن "المنظومة (الحاكمة) مضعضعة" لأنها لم تطرح مرشحاً لها لصعوبة فوزه، فإن احتساب الأصوات يطرح السؤال حول هوية النائبين اللذين انضما إلى الورقة البيضاء من فريق السياديين التغييريين والمستقلين الذين يشكلون الأكثرية. فحصول الورقة البيضاء على 63 صوتاً يقرب المنظومة من الحصول على الأكثرية المطلقة (65 صوتاً)، أي إنها تحتاج إلى صوتين إضافيين إذا انعقدت لاحقاً جلسة لانتخاب الرئيس ورشحت رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية أو غيره، لكن السياديين يرون أن هذين النائبين تناغما مع الفريق "الممانع" حول الورقة البيضاء وليس حول مرشح معين، بالتالي حين يتم الاتفاق على مرشح ما من المرجح أن يصوتا له.  

التخلص من معضلة الحكومة

الشخصية المقربة من بري كانت تدرك أن لا دلائل على قدرة أي من الفريقين العريضين المتقابلين على تأمين أكثرية الثلثين التي يحتاج إليها انعقاد الجلسة (لأن الدستور يفرض نصاب الثلثين) سواء في الدورة الأولى أو الثانية، أي إن أياً من هذين الفريقين لا يستطيع ضمان انعقاد الجلسة كي تأتي لمصلحته، لذلك استبعدت أية مفاجأة، بالتالي أن تنتهي الجلسة بانتخاب رئيس.

لكن افتراض الشخصية المقربة من بري حول المفاجأة كان من باب التمنيات، إذ أردفت بالقول "هكذا يكون البرلمان ضمن منذ الدعوة الأولى إلى الانتخاب عدم حصول فراغ في الرئاسة الأولى ليتخلص البلد من معضلة تشكيل الحكومة الجديدة التي ملأ الخلاف حولها بين الرئيس عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي الفضاء السياسي منذ نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي ولا يزال، فالتركيز في ما يخص الحكومة هو على أن تكون بدلاً من حكومة تصريف الأعمال التي يدور نزاع مع فريق عون حول حقها في تولي صلاحيات الرئاسة إذا حصل شغور فيها بعد 31 أكتوبر.

وتعود رغبات المقربين من بري الافتراضية هذه إلى أن رئيس البرلمان أكثر الساعين إلى تجنب قيام أية حكومة جديدة يعمل عون وخصوصاً صهره النائب جبران باسيل على الحصول على حصة الأسد فيها وعلى ضمانات مسبقة بأن تقر مرسوم التجنيس الذي تحوم حوله الشبهات وكذا التعيينات الإدارية والأمنية والمالية والقضائية التي يريدها قبل نهاية ولاية عون.

كما أفادت التسريبات في اليومين الماضيين بأن دعوة بري إلى جلسة الانتخاب أبعدت استحقاق الحكومة من الحلبة بتحويل البرلمان إلى هيئة ناخبة، وتشير اجتهادات بعض القانونيين والنواب إلى أن تحول البرلمان إلى هيئة ناخبة لا يتيح انكبابه على التشريع ولا على مناقشة بيان أية حكومة جديدة للتصويت على الثقة النيابية بها، فيما ترى اجتهادات أخرى أن استبعاد التشريع أو أي عمل آخر يصح إذا كانت الجلسة المنعقدة مخصصة لانتخاب الرئيس ولا يمنع ذلك الدعوة إلى جلسة جدول أعمالها التشريعي.

غياب الاتفاق في كل فريق

المفاجأة المحتملة التي تحدث عنها المقرب من بري كانت تعني من زاوية حلفاء "حزب الله" أن هناك اتفاقاً بينهم على مرشح واحد وأبرز مرشحي هذا الفريق هو النائب السابق رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية وهو الأمر غير المتوافر بدليل أن باسيل استبق الجلسة بالإعلان باسم تكتله النيابي (19 نائباً) أن حضور الجلسة سيقترن بالتصويت بورقة بيضاء لأن ليس هناك اتفاق معه على أي مرشح.

المفاجأة المفترضة كانت تعني أيضاً أن يكون السياديون والتغييريون والمستقلون اتفقوا على اسم مرشح واحد ربما لا يحصل في الدورة الأولى على الثلثين، لكن يمكنه أن يحصل على الأكثرية المطلقة، وهناك أسماء جرى التداول بها بين تلاوين هذا الفريق في سلة من الأسماء تشمل النائب ميشال معوض الذي يتردد أنه يحظى بدعم عربي ودولي جعل اسمه متقدماً في سلة اللائحة المصغرة التي أعدها السياديون والتغييريون والمستقلون، وكان حزب "القوات اللبنانية" أكثر الداعمين لخياره كونه منافساً شمالياً أيضاً لفرنجية، لكن بعض النواب التغييريين يعتبر أنه ينتمي إلى فريق "14 آذار" السابق، مما يبعد عنه معيار "خارج الاصطفافات" الذي وضعوه في مبادرتهم للتوافق على اسم واحد.

خلفيات ونتائج "مفاجأة بري"

في الجلسة تكرس الغموض حول قدرة مكونات كل فريق على الحسم في عملية الاقتراع، على رغم أن المباغتة في دعوة بري استنفرت سائر الكتل النيابية على عجل فنشطت اتصالاتها منذ صدورها ظهر الثلاثاء 27 سبتمبر (أيلول).

ويقر المقربون من بري بأن من أهدافه تحريك المياه الراكدة في شأن انتخابات الرئاسة ودفع الكتل النيابية على اختلافها إلى توضيح موقفها من أسماء المرشحين المطروحين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع كثرة السيناريوهات التي راجت في الساعات التي أعقبت دعوة بري إلى الجلسة، بدا قبل ساعات من انعقادها أن الكتل النيابية جميعاً ستحضرها وأن فكرة مقاطعتها من بعض الكتل استبعدت، ورجحت التقديرات أن تنعقد الجلسة بحضور كل الكتل وأن تحصل عملية الاقتراع ولا ينال أي مرشح لا أكثرية الثلثين ولا الأكثرية المطلقة، أو أن يؤجل بري الجلسة فور انتهاء عملية الاقتراع في الدورة الأولى. فواحدة من مفاعيل مبادرة بري بتحديد موعد للجلسة كشف مواقف الكتل جميعها ومعرفة من هو مرشح كل كتلة وجلاء الغموض ومعرفة حسابات الفرقاء المتنافسين، على أن يبدأ الحديث عن إمكانات التفاهم على مرشح توافقي من غير الاصطفافين العريضين ولا يمانع "حزب الله" توليه الرئاسة.

وتسربت معلومات قبيل ساعات من الجلسة مفادها بأن "الحزب" وبري اللذين يفضلان حليفهما فرنجية لن يطرحا ترشيحه بهدف عدم حرق اسمه، مخافة حصوله على عدد محدود من الأصوات بسبب امتناع باسيل و"التيار الحر" عن تأييده، فيمهد ذلك لاستبعاده في المداولات اللاحقة مع مكونات الفريق المقابل.

رسالة إلى المراجع المسيحية

بصرف النظر عن نتائج الجلسة فإن الأوساط السياسية قاطبة تعاطت معها على أنها ضربة سياسية ذكية من بري لأسباب عدة، أهمها أن رئيس البرلمان وجه بمبادرته رسالة إلى المراجع المسيحية، لا سيما البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي التي ترفض منذ أشهر الاستخفاف بموقع الرئاسة واستسهال الفراغ الرئاسي في الموقع الأول بالسلطة الذي يتبوأه ماروني مثلما حصل في انتخابات 2007-2008 ثم 2014-2016. فالراعي ألح في عظته قبل خمسة أيام على ضرورة الدعوة إلى جلسة انتخاب الرئيس مستغرباً عدم الإقدام على ذلك على رغم مضي أسابيع من المهلة الدستورية للانتخاب، وبري بمسارعته إلى تحديد موعد للجلسة يرفع عن نفسه تهمة الاشتراك في تأخير انتخاب الرئيس، بالتالي التسبب في الفراغ.

ولا يخفي أحد المقربين من بري أنه أراد إثبات عكس الاتهامات التي توجه إليه سواء تصريحاً أو تلميحاً، خصوصاً من خصمه اللدود في الأعوام الأخيرة النائب باسيل بأنه يقفل البرلمان ساعة يشاء، فضلاً عن أن قوى "14 آذار" السابقة وجهت إليه هذه التهمة قبل سنوات.

كما أن دعوة بري أربكت الكتل النيابية التي يمكن أن تلجأ إلى مقاطعة الجلسة بحجة إفقادها نصاب الثلثين كموجب دستوري إذا شعرت بأنها ليست لمصلحتها، مما دفع معظمها إلى تأكيد المشاركة فيها، لكن هذا لم يمنع كتلته النيابية وكتلة نواب "حزب الله" من مغادرة قاعة البرلمان فور انتهاء الدورة الأولى من التصويت إلى ما انتهت إليه من أجل إتاحة المجال له لتأجيل الجلسة لمرحلة جديدة من الاتصالات للتوافق على الرئيس العتيد.

بري يستعيد زمام المبادرة

تذكر أوساط سياسية عدة أن بري كان أعلن قبل أقل من أسبوعين رداً على مطالبته بالدعوة إلى جلسة انتخاب الرئيس من قبل النائبة في "تكتل التغييريين" بولا يعقوبيان في جلسة مناقشة الموازنة، أنه حين يرى حصول توافق على الرئيس سيدعو إلى الجلسة.

كما أنه سبق أن صرح في أغسطس (آب) الماضي بأنه سينهي إقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة قبل الدعوة إلى انتخاب الرئيس الجديد، فما الذي تغير حتى يوجه الدعوة على رغم عدم حصول توافق على اسم الرئيس العتيد وعدم إقرار سوى الموازنة من الإصلاحات الأربعة الرئيسة التي يشترطها صندوق النقد الدولي لمساعدة لبنان؟

يلفت أحد السياسيين المقربين من بري إلى حصيلة مهمة لنتائج مباغتته الكتل النيابية تتعلق به وبدوره في التركيبة السياسية ومنها أن عدداً من الفرقاء أخذ يتعامل معه بعد الانتخابات النيابية التي جرت في مايو (أيار) الماضي على اعتبار أن تشدد "حزب الله" خلال الحملة الانتخابية والنتائج التي حصدها وحصول مرشحيه على عدد أصوات يفوق أصوات نواب حركة "أمل" أضعفت رئيس البرلمان وأن وزنه السياسي تراجع، فيما مبادرته تعيد إليه صفة المبادر والمحنك القوي في اللعبة السياسية، خصوصاً حيال شأن وطني من نوع اختيار رئيس الجمهورية.  

المزيد من تقارير