Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم اختفت سيدة الروايات التشويقية من دون أن تترك أثراً

10 أيام هزت بريطانيا انتهت بالعثور على آغاثا كرستي منهكة حانقة ضائعة

 أغاثا كريستي (1890 - 1976) التي لم تعد تذكر شيئاً (غيتي)

هل كان في الأمر "خبطة دعائية" كما اقترح كثر يومها؟ أم كان فيه جريمة؟ تساءل بعضهم وقد استبد بهم الرعب، هل حدث مكروه للسيدة أم أصيبت بحال نفسية جعلتها تتوه عن طريق بيتها؟ هل يمكن لـ "سكوتلنديارد" أن تحل اللغز أم أن على هذه أن تستعين بهركيول بوارو فيستدعى مع شاربه الكثيف الغريب من بروكسل ليكتشف ما حصل، أم يكتفى بالمسز ماربل طالما أن الأمر يتعلق بسيدة كانت هي التي اخترعتها؟ وزوج السيدة المختفية، هل لعب دوراً في الحكاية كلها أم أنه صادق في "لوعته وخوفه" على ما قد يكون حدث لزوجته؟

كل هذه الأسئلة التي راحت تتدافع بين الجد والمزاح ولكن دائماً على طريقة المرح الإنجليزي الأسود، شغلت الصحف البريطانية ذات يوم، إذ أعلن عن أن السيدة آغاثا كريستي المعروفة برواياتها البوليسية الشيقة وبمرحها والمزاح العملي الذي من عادتها أن تمارسه، قد اختفت.

تبخرت هكذا في الطبيعة من دون أن تخلف أثراً، والحقيقة أن ما أرعب المقربين منها كان أن مثل ذلك الغياب لم يكن من شيمها، لكن ما بعث شيئاً من الطمأنينة أول الأمر على الأقل كان واقع أن كتاباً جديداً سيصدر للسيدة بعد أيام، وربما كان للاختفاء الذي في هذه الحال لا يمكن بعد اعتباره اختفاء، علاقة برغبة السيدة في نشر شيء من الغموض كدعم لناشرها وترويجاً للكتاب.

أسئلة وتكهنات

لكن الساعات راحت تمضي سريعة وآغاثا كريستي تمعن في غيابها، وهنا لم يعد الأمر مزحة.

صار في الإمكان الاستنتاج بأن شيئاً ما حدث للسيدة كريستي، فما الذي يمكن أن يكون عليه هذا الشيء؟ وبدأ مفتشو الشرطة يستنتجون على الأرجح شيئاً سيئاً، وبالتالي توقف الحديث عن "الخبطة الدعائية" ولم يعد يذكر بوارو أو ماربل وبدأت أعصاب زوج السيدة تنهار.

نعرف أنه في العادة تحدث عمليات اختفاء كثيرة لرجال أو لسيدات، لكبار أو لأطفال، ونادراً ما كانت الصحافة أو الشرطة أو الناس جميعاً يهتمون مثل هذا الاهتمام، ولكن حين يكون الاختفاء غامضاً إلى هذا الحد، ثم خصوصاً حين تكون المختفية أغاثا كريستي سيدة الرواية البوليسية، وحين تكون ظروف الاختفاء مشابهة تماماً لما يحدث في روايات هذه السيدة التي كانت في ذلك الحين ولا تزال حتى الآن بعد عقود طويلة من رحيلها الحقيقي هذه المرة، تعتبر الكاتبة الإنجليزية التي يقرأها الناس أكثر من أي كاتب آخر بعد شكسبير، يصبح من السهل تفسير ذلك الاهتمام وفهم السبب الذي جعل الناس يلتقطون أنفاسهم طوال الأيام الـ 10 التي غابت فيها أغاثا كريستي غير تاركة وراءها أية إشارة حول دوافع ذلك الاختفاء أو طبيعته.

 

مشكلات عائلية

حدث ذلك خلال النصف الأول من شهر ديسمبر (كانون الأول) 1926، في وقت كانت فيه أغاثا كريستي ولا تزال بعد شابة، تعتبر سيدة الرواية البوليسية من دون منازع.

ومنذ ذلك الحين وعلى رغم أنه تم العثور عليها بعد أيام قليلة، فإن أغاثا كريستي آثرت طوال حياتها أن تحيط تلك الواقعة بالصمت والتكتم حتى بدا أحياناً أنها هي نفسها قد نسيتها تماماً، إذ حتى في سيرتها الذاتية بالكاد أتت على ذكرها، ثم بالكاد أشارت إلى الأمر أيضاً في كتاب آخر أصدرته لاحقاً فيه مشاهد من حياتها بعنوان "صورة غير منجزة"، فهل تراها نسيت الواقعة حقاً؟ هل تعمدت تناسيها لأن فيها ما يدينها؟ هل كانت تخجل منها؟

أسئلة لم يجب عليها أحد حتى قيض لسيرة أغاثا كريستي من يكتبها فحقق في الواقعة التي كان ينظر إليها عالم تاريخ الرواية البوليسية بوصفها واحداً من الألغاز الأكثر غرابة، فما هي الحكاية بالتمام؟

ولنبدأ من البداية هنا. في العام 1926 كانت أغاثا كريستي في الـ 36 من عمرها، وظاهرياً كان كل ما في حياتها يقول إنها سعيدة وناجحة، ناهيك عن كونها ثرية تدر عليها رواياتها مع ترجماتها إلى لغات أخرى مبالغ خيالية، لكنها في حقيقة الأمر وكما عرف محبوها وقراؤها بعد ذلك كانت تشعر بقدر كبير من التعاسة، صحيح أن ذلك العام بدأ بداية حسنة حين زارت جزيرة كورسيكا مع شقيقتها وكتبت خلال إقامتها هناك واحدة من أجمل وأنجح رواياتها "سر القطار الأزرق"، ولكن بالتدريج أخذت الأمور تتدهور حين أدركت أغاثا أن زواجها من الكولونيل آرشي كريستي لم يعد على ما يرام، فهو بات يهتم برياضة الغولف أكثر من اهتمامه بزوجته، بل صار يهتم أكثر بقريبة لهذه الزوجة تدعى نانسي نيل، وتدهورت الأمور أكثر وأكثر حين أسرّ آرشي لأغاثا بأنه عازم على الطلاق منها لكي يتزوج نانسي، وكان ذلك صباح الثالث من ديسمبر.

جن جنون أغاثا وأمضت ذلك النهار كله في حزن وغضب، ونسيت هدوءها المعتاد ومكانتها عند الناس ونجاحها الكبير وغيرة زوجها من هذا النجاح، وتذكرت فقط أنها امرأة مغدورة ضعيفة، وهكذا بدأت الحكاية. في مساء ذلك اليوم تركت أغاثا ابنتها روزالند نائمة في المنزل وقادت سيارتها إلى جهة مجهولة واختفت لكن بعدما كتبت رسالتين، أولاهما موجهة لآرشي لن يعرف أحد محتواها، أما الثانية ففيها كلمة مقتضبة لسكرتيرتها تطلب منها أن تلغي كل مواعيدها لأنها ذاهبة إلى يوركشاير، وبعد حين سيقول ضابط شرطة مسؤول إنه هو بدوره تلقى رسالة من الكاتبة.

الرسالة التي زرعت اضطراباً

مهما يكن فإن أغاثا كريستي اختفت منذ تلك اللحظة، ويبدو أن الرسالة التي سيقول ضابط الشرطة إنه تلقاها هي التي زرعت كل أنواع الاضطراب، إذ تقول أغاثا في الرسالة وبقدر كبير من الاختصار بحسب ما أفادت الشرطة في ذلك الحين وأكدت الرسالة نفسها حين نشرت لاحقاً، إنها تشعر بأن حياتها مهددة وتطلب العون، ولم يكن رجال الشرطة ولا رجال الصحافة بحاجة إلى أكثر من ذلك حتى يتحركوا.

ومع هذا كان هناك ما هو أكثر، إذ في اليوم التالي للاختفاء عثر فتى غجري يدعى جورج بست على سيارة متروكة وسط الطريق في منطقة سياحية تدعى نيولاندز كورنر قرب بحيرة سايلنت بول، وتبين بسرعة أن السيارة هي سيارة الكاتبة المختفية. ومما زاد الطين بلة أن السيارة كانت مغطاة بالثلوج الموحلة ومصابيحها لا تزال مضاءة، وفي داخلها معطف من الفرو وحقيبة صغيرة فتحت بالقوة وفيها ثلاثة أثواب وزوجان من الأحذية ورخصة قيادة لم تعد صالحة باسم أغاثا كريستي.

إذن ها هي السيارة في حالها المثيرة للشبهات، وها هي صاحبتها غير موجودة، وخلال الأيام القليلة المقبلة التالية في الوقت الذي كان البحث فيه جار على قدم وساق من قبل مئات رجال الشرطة وألوف المتطوعين، كانت أعمدة الصحف تمتلئ بالأخبار والفرضيات والحوارات والتعليقات. كان كل ذلك يدور بالطبع حول اختفاء السيدة، وكان ثمة ما يشبه الإجماع على أن في الأمر إما انتحاراً أو جريمة، وفي وسط ذلك كان إعلان صحيفة "الدايلي نيوز" عن المكافأة لمن يدلي بأية معلومات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شبيهتها هائمة على وجهها

فالحال أن كل الفرضيات كانت محتملة والاحتمالات واردة، كان الأمر لا يعدم تطوع شهود عيان يأتون من تلقاء أنفهسم إلى دوائر الشرطة أو إلى دور الصحف ليقول بعضهم إنه شاهد سيدة تشبه الكاتبة هائمة على وجهها في هذا المكان أو ذاك، ويؤكد بعضهم الآخر أنه سمع عن جثة لسيدة في تلك الزاوية أو هذه، ولم يعدم الأمر أيضاً عالم كيمياء من معارف أغاثا كريستي قصد مركز الشرطة ليقول إنه عرف من أغاثا اهتمامها بالتعرف على أفضل وسائل الانتحار، ثم عادت كأن شيئاً لم يكن ولكنها عادت صامتة تماماً.

لقد آثرت كاتبتنا الشهيرة أن تصمت وظلت صامتة طوال عقود من السنين، وطلقت زوجها بعد ذلك وزادت مبيعات كتبها وابتكرت مئات الشخصيات، فقتلت بعضها ووضعت بعضها في السجون، وفي روايات لها اختفت نساء كثيرات وغدر بنساء أكثر، وهوجمت سيدات وخان رجال زوجاتهم، ولكنها هي وفي خضم ذلك كله ظلت صامتة وكان يمكننا أن نقول إنها أخذت سرها معها إلى القبر، السر المتعلق باختفاء 10 أيام هزّت بريطانيا وصحافتها، لولا أن كاتب سيرتها تشارلز أوزبورن أقنعها قبل رحيلها بشهور قليلة بأن تعود إلى ذكرى ما حدث فعادت، ثم نظرت إليه بشيء من المكر وقالت "صدقني لم أعد أذكر أي شيء عن هذا الأمر".

المزيد من ثقافة