Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمن الغذائي الليبي مهدد وخطر الجوع يداهم ثلث الشعب

تكرار تسرب مواد استهلاكية منتهية الصلاحية من الحدود المفتوحة ودخول كثير من العمالة الأجنبية من دون شهادات صحية

تعاني ليبيا من ضعف الأجهزة الرقابية على الغذاء والجمارك ما تسبب في انتشار الأغذية غير المطابقة للمواصفات الصحية (أ ف ب)

كشفت حملات تفتيش مفاجئة نفذها جهاز الحرس البلدي في ليبيا على بعض المحلات الغذائية والمطاعم الشهيرة وحتى الصيدليات والمستشفيات عن حجم الكارثة الصحية التي تهدد الأمن الغذائي في البلاد مخلفةً صدمة واسعة بين المواطنين من كم التسيّب وهشاشة الرقابة على الغذاء والدواء، صمام الأمان لصحتهم.

ولا يقتصر التهديد الغذائي على سوء ما يقدم إلى المواطنين من مواد استهلاكية وعدم مطابقتها للشروط الصحية، بل يشمل أيضاً النقص في القدرة على توفير الغذاء الكافي لنحو ثلث الليبيين، بحسب تقارير صادرة أخيراً عن الأمم المتحدة.

كارثة صحية

وكانت آخر المداهمات التي شنتها الأجهزة الرقابية على الغذاء في بنغازي وطرابلس خلال الأسبوعين الماضيين أظهرت كوارث تهدد صحة المواطنين في بعض المطاعم ذات الأسماء الرنانة التي يرتادها مئات المواطنين كل يوم مع عدم توافر ولو جزء بسيط من النظافة وإجراءات السلامة الصحية.

وفتحت هذه الحملات من جديد ملف الأمن الغذائي المهدد من كل حدب وصوب مع تكرار تسرب مواد استهلاكية منتهية الصلاحية من الحدود المفتوحة على مصراعيها ودخول كثير من العمال الأجانب من دون منحهم شهادات صحية تؤكد خلوهم من الأمراض المعدية والسارية الذين يتحول معظمهم إلى العمل في المطاعم والمخابز وسوق الخضراوات واللحوم.

وفي بنغازي بالتحديد كانت الكارثة أدهى بعدما نشر جهاز الحرس البلدي مقاطع فيديو من داخل أكبر مستشفيين في المدينة تظهر حجم الإهمال في النظافة وانتشار البكتيريا والحشرات واستخدام أدوية منتهية الصلاحية منذ أشهر عدة، مما ضاعف الصدمة بالنسبة إلى المواطن الذي بات يستجير من تهديد المرض في مستشفيات تعاني الإهمال وتوفر البيئة الملائمة لانتشار العدوى.

المعضلة الأكبر

الكارثة الصحية التي تهدد أمن الليبيين الغذائي بسبب ضعف الرقابة على المواد الاستهلاكية والأسواق والمطاعم يمكن تجاوزها بتعزيز الإجراءات الرقابية مقارنة بالمعضلة الأخطر وهي مشكلة نقص الغذاء التي أثارتها الأمم المتحدة في تقرير لبرنامج التغذية التابع لها الشهر الماضي الذي حذر من أن ثلث الليبيين يقاسون من انعدام الأمن الغذائي ومعاناة أعداد كبيرة من الأطفال أمراض سوء التغذية.

ومن المرجح بحسب محللين أن يتفاقم الوضع الغذائي في ليبيا مع استمرار أزمة الاستقرار الحكومي وطول أمد حرب أوكرانيا مع ارتفاع سعر الحد الأدنى للإنفاق على سلة الغذاء بـ16 في المئة منذ اندلاع الأزمة الروسية - الأوكرانية، وفق أحدث تقرير لبرنامج الأغذية العالمي.

وقال التقرير إن "13 في المئة من الأسر الليبية لديها فجوة في الأمن الغذائي وإن سعر سلة الغذاء زاد بنحو 164 دولاراً منذ فبراير (شباط) الماضي" وقدر برنامج الأغذية العالمي "عدد الليبيين الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية بنحو مليون و300 ألف شخص، 699 ألفاً منهم يعانون انعدام الأمن الغذائي وبعضهم يستفيد من مساعدات غذائية يشرف البرنامج على توزيعها شهرياً في عدد من المناطق".

وبلغ مجموع المستفيدين من مساعدات البرنامج الأممي في يونيو (حزيران) الماضي فقط 65989 شخصاً منهم 43992 تلميذاً و2950 مهاجراً من المقيمين في البلاد.

وتسببت حرب أوكرانيا في نقص حاد بالوارد من القمح إلى ليبيا ومنعت دول تصدير منتجات أساسية لحاجة السوق المحلية إليها من بينها مصر وتونس اللتان تعتمد عليهما ليبيا في واردات المواد الغذائية.

وكانت ليبيا تستورد من روسيا وأوكرانيا 650 ألف طن من القمح سنوياً وهو نصف حاجاتها، فيما أغلقت بعض المخابز أبوابها بسبب غلاء الدقيق واختفائه من الأسواق.

إجراءات لمواجهة الأزمة

ومنذ اندلاع الأزمة الروسية - الأوكرانية، أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة في "حكومة الوحدة" حزمة قرارات سعياً إلى تخفيف تداعيات الأزمة على اقتصاد البلاد منها البحث عن أسواق بديلة لاستيراد كميات من المواد الغذائية الأساسية.

ووصل إنتاج ليبيا من القمح والشعير خلال العام الماضي إلى 100 ألف طن، فيما تستهلك البلاد نحو 1.26 مليون طن سنوياً.

وأعلنت الحكومة في مايو (أيار) الماضي تشكيل فريق مختص بإعداد استراتيجية أمن غذائي تساعد البلاد على مواجهة الأزمة الغذائية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وتعنى تلك الاستراتيجية، بحسب بيان صادر عن وزارة الاقتصاد في طرابلس، بـ"تفعيل المشاريع الصناعية المتوقفة من خلال الاستثمار مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي وتفعيل الدوائر الزراعية في المنطقة الجنوبية ودعم قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة ووضع استراتيجية تسهم في تحقيق الأمن الغذائي للمستهلك".

ضياع البوصلة

وفي تصريحات سابقة لوزير الاقتصاد والتجارة في "حكومة الوحدة الوطنية" محمد الحويج أكد أن وزارته والحكومة بشكل عام تواجهان صعوبات للنهوض بالاقتصاد الليبي والحفاظ على الأمن الغذائي، وقال إن "الحكومة أضاعت بوصلة الأمن الغذائي والدوائي بسبب هيمنة بعض الأفكار المتطرفة اقتصادياً، مما نقل البلاد من الاشتراكية الشيوعية إلى الرأسمالية المتوحشة".

ودعا الحويج وزارة الزراعة إلى "وضع تصور لحل مشكلات الفلاحين" وحث البنك الزراعي على استيراد البذور ذات الإنتاج العالي ودعم الأسمدة ومنح قروض تساعد الفلاح في تحسين الإنتاج وتغطية الحاجة المحلية"، وشدد على "ضرورة تفعيل المناطق الحرة الخاصة والعامة وإنشاء ميناء في الزاوية، والدور الأهم لاتحاد الغرف الذي يضم رجال أعمال وهو تقديم تصور كامل حول تأمين الغذاء والدواء محلياً وتحديد دور أصحاب الأعمال والدولة في هذا المشروع الوطني".

وأكد أيضاً "أهمية استغلال مناطق الجنوب وهي أهم مناطق ليبيا في توزيع الزراعة، خصوصاً القمح وتوليد الطاقة الشمسية".

مواجهة الصحراء

من جهته، رأى أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي عطية الفيتوري أن "أبرز أسباب عدم توازن الأمن الغذائي في ليبيا أن معظم أراضي البلاد صحراوية وأن الزراعية منها لا تتجاوز ما نسبته 8 في المئة من مجمل مساحة الأراضي"، وأكد أن "حتى مشروع الكفرة (جنوب شرقي) الذي تضمن مزارع كبيرة وصغيرة، كان الهدف منه توفير كامل حاجات ليبيا من اللحوم الحمراء، بخاصة الأغنام. وكان مشروع تربية 200 ألف رأس غنم غير عملي لصعوبة توريد ما تنتجه المزرعة لمناطق الشمال بسبب طول المسافة بينهما مع رداءة طرق المواصلات" وأوضح أنه "كانت هناك مشاريع عدة مشابهة لمشروع الكفرة ولكن سوء الإدارة في ليبيا أفشلتها وسببت أزمة الأمن الغذائي في البلاد".

من جانبه، اعتبر أستاذ الاقتصاد علي الفايدي أن الوضع الغذائي في ليبيا حالياً مقدمة لما هو أسوأ، قائلاً إن "الأوضاع تزداد تدهوراً مع استمرار الأزمة الروسية - الأوكرانية، إضافة إلى الأزمات التي تعيشها البلاد. فالأوضاع شديدة الهشاشة ولا تتحمل أي صعوبات أخرى، لا سيما أن المنظومة الغذائية ضعيفة للغاية ولأن البلاد لا تملك رقعة زراعية تقريباً والدولة بأكملها تنتج ما يكفي خمسة في المئة فقط من سكانها".

وأضاف أن "أكثر المتضررين من الوضع الغذائي المتدهور هم الأطفال، ناهيك عن أزمات توفير التطعيمات ما سيحول الأمر إلى كارثة إذا استمر. وأمام هذه الصعوبات ستدخل ليبيا في مرحلة المجاعة التي لن ترحم صغيراً ولا كبيراً".

المزيد من تقارير