Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمكن للمجتمع الدولي مواجهة الفصل العنصري بين الجنسين في إيران؟

تظاهرات المرأة في إيران اليوم معركة رموز ونتيجتها ليست صفرية تماماً

طبق النظام في إيران منذ عام 1979 سياسات وممارسات غير إنسانية مماثلة للفصل العنصري والتمييز (أ ف ب)

باستثناء الإدانات الدولية المخففة، غالباً ما يتم التغاضي عن التمييز ضد المرأة في إيران، بينما يركز العالم على الحد من القدرات النووية للبلاد، لكن النقاد من الأكاديميين والقانونيين في الولايات المتحدة وغيرها يوجهون سهامهم إلى القانون الدولي لافتقاره إلى المبادرة والعمل العام في الاعتراف بالتمييز المنهجي في إيران ضد المرأة، باعتباره فصلاً عنصرياً بين الجنسين، ويدعون إلى العمل على منعه، نظراً إلى وجود عديد من القوانين التمييزية، التي تطبق على النساء من جميع الأعراق والمعتقدات، فما هذه القوانين التمييزية؟ وإلى أي مدى يمكن تشديد الخناق على إيران للحد منها؟

فيما استمرت الاضطرابات في جميع أنحاء إيران بعد وفاة مهسا أميني (22 سنة)، وهي امرأة كردية إيرانية، عقب اعتقالها وتعرضها للضرب والتعذيب على أيدي شرطة الأخلاق (الآداب) الإيرانية بدعوى عدم ارتدائها الحجاب، اتخذت الاحتجاجات منعطفاً خطيراً مع لجوء النظام إلى القوة المميتة لقمع الحركة الاحتجاجية، ما أدى إلى مقتل عشرات المتظاهرين، وإصابة الآلاف، واعتقال عدد غير معلوم، كثير منهم يتعرض لخطر الانتهاك والتعذيب في الحبس.

زمام المبادرة

وعلى الرغم من أن الإيرانيين أجبروا منذ الثورة الإسلامية عام 1979، على العيش في ظل حكم وحشي، فرضته تفسيرات خاصة تعد الأكثر صرامة لقوانين الشريعة الإسلامية، حولت دولة مليئة بمجموعات عرقية مختلفة إلى مجتمع يتمتع فيه المرشد الأعلى بالسلطة المطلقة في أسلوب الحياة اليومية لكل مواطن، فإن النساء الإيرانيات تحملن دائماً العبء الأكبر، وغالباً ما يجبرن على الامتثال لقوانين جائرة، ويخاطرن بعقوبات قاسية إذا لم يمتثلن، لكن يبدو أن مقتل مهسا أميني يمثل نقطة تحول، حيث فقدت الثيوقراطية ثقة مواطنيها الذين أدركوا أن السلطات لا تستطيع اعتقال أو إعدام جميع المواطنين الإيرانيين البالغ عددهم 84 مليوناً.

وليس من المستغرب أن تأخذ النساء زمام المبادرة في الاحتجاجات، حيث لا تزال حالة حقوق المرأة في البلاد متردية وفقاً لتقرير نشره موقع "يورو آسيا ريفيو"، حيث يعتقد أن ثمانية آلاف جريمة شرف وقعت في الفترة من 2010 إلى 2014، يسمح فيها غالباً لجميع الجناة الذكور بتوبيخ معتدل من السلطات، لأنهم ينظرون إلى المرأة على أنها "ممتلكات للذكور"، واعتباراً من هذا العام، احتلت إيران المرتبة 143 من أصل 146 دولة في تقرير الفجوة بين الجنسين العالمي، فيما تتزايد الضغوط والانتقادات من بعض العلماء والناشطين، لافتقار القانون الدولي إلى المبادرة للاعتراف بالتمييز المنهجي في إيران ضد المرأة، باعتباره فصلاً عنصرياً بين الجنسين.

الفصل العنصري بين الجنسين

أنشأت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 جمهورية تطبق سياسات وممارسات غير إنسانية مماثلة للفصل العنصري والتمييز كما كانت تمارس في جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري الوحشي السابق لحكومة بريتوريا، وبحسب "آن إليزابيث ماير"، أستاذة الدراسات القانونية في جامعة بنسلفانيا، فإن هناك تشابهاً واضحاً بين الفصل العنصري على أساس العرق والنوع، حيث في الحالة الأولى تهيمن جماعة عرقية واحدة بطرق منتظمة وتقمع جماعة عرقية أخرى، في حين لا يختلف الأمر في الحالة الثانية سوى في النوع بدلاً من العرق، فحين يقمع المجتمع الذكوري النساء، ويهيمن عليهن، ينبغي أن يسمى ذلك أيضاً فصلاً عنصرياً على أساس النوع.

وتنتقد ماير وغيرها من الأكاديميين، المدافعين الغربيين عن مثل هذه المعاملة وعن القوانين والسياسات التي تميز ضد المرأة، باعتبارها ميولاً ثقافية شرقية تعكس واقع هيمنة الذكور واضطهاد المرأة، وأنه يمكن إقناع الناس بأن مكانة المرأة هي مجرد تعبير عن التقاليد الثقافية والدينية التي يجب على الغرباء احترامها.

ليس هذا فحسب، بل إن بعض الأكاديميين الأميركيين يعملون على تشويه سمعة منتقدي الفصل العنصري بين الجنسين من خلال مهاجمة حركة حقوق المرأة الدولية، وينسبون إلى منتقديهم أنهم يتبعون أيديولوجية شمولية مدمرة معادية لحرية الدين والقيم الدينية، وهم بذلك يبررون الفصل العنصري بين الجنسين من منطق خاطئ وتحريفات خطيرة لسياسات النوع الاجتماعي.

مظاهر وممارسات متعددة

ويمكن ملاحظة التمييز العنصري ضد النساء في إيران من خلال عديد من المظاهر والقوانين والممارسات على مستويات مختلفة، فعلى سبيل المثال، تؤسس القوانين والسياسات في إيران وتحافظ على هيمنة الرجال والدولة على النساء، وحقهن في اختيار ملابسهن أو الحصول على الطلاق، كما يحدد القانون اللامساواة المنهجية بين الجنسين، ويتم فرضها من قبل النظام لحرمان المرأة من "الحق في الحياة والحريات الأساسية"، التي تعتبر وفقاً للمادة الثانية من اتفاقية الفصل العنصري للأمم المتحدة لعام 1973، جريمة فصل عنصري.

ووفقاً للمادة 18 من قانون جوازات السفر الإيراني، لا تزال المرأة المتزوجة بحاجة إلى إذن كتابي من ولي أمرها الذكر للسفر إلى الخارج، كما أن النساء في إيران غير قادرات على شغل أي مناصب في النظام القضائي أو الديني أو العسكري، كما أنهن غير قادرات على العمل كأعضاء في مجلس الخبراء أو مجلس تشخيص مصلحة النظام أو مجلس صيانة الدستور، وهم أعلى ثلاثة مجالس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفقاً لحيدر خزري، أستاذ مساعد دراسات الشرق الأوسط في جامعة سنترال فلوريدا.

علاوة على ذلك، لا يمكن للمرأة بموجب القانون أن تكون رئيسة للبلاد أو تشغل منصب المرشد الأعلى لإيران، فوفقاً للمادة 115، يجب انتخاب رئيس الجمهورية من بين رجال الدين والسياسيين، بينما تستمر عديد من القوانين والسياسات والممارسات في تمييز النساء على أنهن مواطنات أقل مساواة من الناحية القانونية والاجتماعية.

الفصل في الحياة اليومية

كما فرضت الدولة الفصل المنهجي في المدارس والمستشفيات والجامعات ووسائل النقل والرياضة وغيرها من المجالات الرئيسة للحياة اليومية، فعلى مدى عدة عقود، أدى الفصل العنصري بين الجنسين في إيران إلى تحديد مكان للنساء في مؤخرة الحافلات العامة، مع وجود حاجز معدني يفصلهن عن الرجال، وبتوجيه من الحكومة، وضعت الجامعات قيوداً على خيارات المرأة ومنعتها من عديد من مجالات الدراسة، كما منعت إيران بشكل عام المتفرجات من دخول ملاعب كرة القدم وغيرها من الملاعب الرياضية منذ ثورة 1979.

وفي ظل هذه السياسات التمييزية، وجدت المصطلحات الفارسية مثل "الزيفة"، التي تعني الضعيف وغير القادر، طريقها إلى القواميس الفارسية كمرادفات لكلمة "امرأة" و"زوجة".

المرأة، الحياة، الحرية

على مدى عقود، تعرضت النساء في إيران، لترهيب شرطة الأخلاق (الآداب) التي تعمل خارج نطاق ولاية سلطة القضاء الإيرانية سيئة السمعة، إذ إن مبادئ شرطة الأخلاق مبنية على تفسير النصوص الدينية، ويتم تنفيذها من خلال أدوات الرقابة والمقاضاة، في حين أن القانون الجنائي الدولي، يعتبر الأفعال غير القانونية المحددة التي ترتكب في إطار نظام القهر والسيطرة جرائم ضد الإنسانية.

وعلى النحو المنصوص عليه في اتفاقية الفصل العنصري التابعة للأمم المتحدة، تشمل هذه الجرائم، الحرمان من الحقوق الأساسية التي تمنع جماعة أو مجموعات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، اشتهر بنظامه المتوحش القائم على أيديولوجية "الفصل" التي جرى تقديمها في جنوب أفريقيا عام 1948، ودعمتها حكومة الحزب الوطني في بريتوريا، فإن الحجاب الإجباري هو محور ما يسميه بعض الأكاديميين الفصل العنصري المتطرف في إيران، حيث يمكن أن يؤدي عدم الالتزام بالحجاب إلى السجن لمدة تصل إلى 15 عاماً والجلد والغرامات والاعتقال غير الإنساني وغير القانوني والذي قد يؤدي إلى الموت.

تظهر عديد من الحركات المناهضة للحجاب الإجباري كل بضع سنوات في إيران، وهي لا تسعى إلى استئصال الحجاب، إنما يطالبون بالحق في اختيار ما يرتدونه، وأن تمارس النساء بفخر حقها في ارتداء الحجاب لمن ترغب في ذلك، ولهذا ترفع النساء في تظاهراتهن في إيران وفي جميع أنحاء العالم شعار "جين، جيان، آزادي"، ويعني "المرأة، الحياة، الحرية"، فكلمة جين هو اسم المرأة مهسا أميني باللغة الكردية، وهي كلمة للمرأة وتشترك في جذورها مع كلمة "جيان" التي تعني الحياة، أما آزادي، فتعني الحرية.

هذه الكلمات الكردية هي في صميم الشعار الأكثر استخداماً من قبل الكرديات اللاتي قاتلن ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، وتستخدمه الآن النساء في جميع أنحاء إيران اليوم ضد جمهورية إيران الإسلامية في احتجاجات لا مثيل لها، وتمثل لحظة فاصلة بالنسبة لإيران كونها تمتد عبر الانقسامات الطبقية والعرقية، وتأمل في هدم النظام الأبوي الذي يتجلى في أكثر أشكاله عنفاً.

تجسير الطبقات

وعلى مر السنين، أدى الفساد المتأصل في إيران وعدم الكفاءة، إلى جانب عدم رغبتها في تغيير المسار ومعالجة الأسباب الجذرية للمظالم العامة، إضافة إلى طبيعتها الاستبدادية، إلى تكرار الانتفاضات، غير أن الانتفاضة الحالية لا مثيل لها على جبهات متعددة، فقد حشدت جميع الطبقات والفئات الاجتماعية، مع اندلاع الاحتجاجات في خمسة وثمانين مدينة بجميع أنحاء إيران، على الرغم من أن هذا جاء بثمن مرير.

ومن خلال تجسير الانقسامات الطبقية، أعادت الانتفاضة تنشيط الطبقات الوسطى في إيران للانضمام إلى صفوف النضال بشكل أكثر نشاطاً، ومثل معظم الثورات الكبرى، ذابت كل الخطوط التي كانت تقسم الناس، وشكلتهم مطرقة موحدة تضرب إيران، وتحاول دفعها إلى الوراء، بحسب ما يشير سايح أصفهاني، في تقرير نشره المجلس الأطلسي في واشنطن.

معركة الرموز

وعلى الرغم من كل ما هو جديد حول الانتفاضة الحالية، فإنه ينبغي النظر إليها على أنها حلقة أخرى في سلسلة طويلة من المعارك من أجل الحرية والعدالة في إيران، إذ تعكس الانتفاضة الحالية، على وجه الخصوص، معركة دامت عقوداً على قلوب وعقول الأمة، ألا وهي معركة الرموز.

في كل مرة يطالب فيها الناس في إيران بالتغيير، تهاجمهم الجمهورية الإسلامية بشعارات ممزقة مفادها أن النظام لن يسمح للبلاد بالانحراف عن المسار الذي وضعه آية الله روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية، وهم يجادلون بأن أي انحراف عن هذا المسار سيكون بمثابة "تدنيس" لدماء الذين قتلوا في الحرب "المقدسة" بين إيران والعراق.

ومع ذلك، استعاد الإيرانيون على مر السنين عديداً من الرموز من خلال الثقافة الشعبية، كما أنجبت الأمة مجموعة واسعة من الرموز، مثل مهسا أميني وندى آغا سلطان وغيرهما من الذين أصبحوا رموزاً للتحدي.

ليست صفرية

بينما يواصل الإيرانيون مقاومة النظام، لاحظ كثيرون أن هذه الاحتجاجات ليست تدخلاً أجنبياً، ولا يطلب المتظاهرون بأي نوع من التدخل العسكري من الغرب، إنما بعزل حكومة خامنئي وفرض عقوبات عليها، الأمر الذي يمكن أن ينتج من هذا الضغط تأثيرات حقيقية، لا سيما أن الحلفاء الأساسيين لإيران في سوريا وروسيا محاصرون حالياً، ومنغمسون في حساباتهم الجيوسياسية.

وعلى رغم أن احتمالات الانتصار الثوري تظل ضئيلة، فإنها ليست صفرية تماماً، إذ لا يمكن استبعاد عدد متزايد من السكان الذين سئموا الفساد والحكم المتشدد والقمع الدوري بشكل كامل، كما تذكر هذه الانتفاضة بالثورة الرومانية عام 1989.

وإذا كان هناك نجاح، فقد يعود إلى أن هذه الاحتجاجات، على عكس الأمثلة السابقة، تمكّنت من الجمع بين ائتلاف متنوع من الجماعات العرقية التي تناضل من أجل قضية مشتركة، وهو ائتلاف يشمل المسيحيين والمسلمين الشيعة والمسلمين السنة والأكراد واليهود والأرمن والآشوريون على سبيل المثال لا الحصر.

المزيد من تقارير