Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يؤثر هبوط الاسترليني في الحياة اليومية للملايين؟

زيادة تكلفة القروض العقارية وارتفاع أسعار السلع المستوردة مع تدهور قيمة الأجور ترفع معدلات الفقر

تشهد أسعار السلع والخدمات التي يحتاج إليها المواطن البريطاني زيادة كبيرة (أ ف ب)

رغم استقرار سعر صرف العملة البريطانية، الجنيه الاسترليني، عند أدنى مستوياتها منذ 37 عاماً بعد هبوطها بداية الأسبوع إلى أدنى مستوى على الإطلاق فإن التوقعات قوية بأن يتساوى الجنيه الاسترليني بالدولار بل ويهبط دون مستوى دولار للجنيه في الفترة المقبلة ربما مع بداية العام المقبل.

لكن عودة الجنيه الاسترليني إلى سعر صرف عن دولار وثمانية سنتات بعد أن هوى الإثنين إلى دولار وثلاثة سنتات، لا يعني أن أزمة بريطانيا هدأت أو في طريقها إلى ذلك إذ استقر سعر صرف الاسترليني لعدة أسباب في مقدمتها توقف ارتفاع سعر الدولار الأميركي وأيضاً لأن المستثمرين الذين باعوا بكثافة سندات الدين البريطاني حولوا استثماراتهم إلى الجنيه على أساس أن الفائدة في بريطانيا سترتفع بقوة.

وكان بنك إنجلترا "المركزي البريطاني" قد أصدر بياناً طارئاً أكد فيه استعداده لتغيير سعر الفائدة بحسب ما تتطلب الأوضاع، لكنه لم يشر إلى ما توقعته الأسواق من تدخل عاجل ربما الأسبوع المقبل وعدم انتظار الاجتماع الدوري للجنة السياسة النقدية في البنك بعد أكثر من شهر.

لكن الأسواق بدأت بالفعل في التعامل على أساس رفع البنك المركزي الفائدة بنسبة واحد أو 1.5 في المئة في اجتماعه الدوري في نوفمبر (تشرين الثاني) لتقترب نسبة الفائدة في بريطانيا من أربعة في المئة على أن يسرع البنك من تشديد السياسة النقدية بما قد يجعل سعر الفائدة يصل العام المقبل إلى نسبة ستة في المئة أو أكثر.

 

رغم أن بيان بنك إنجلترا بدا وكأنه محاولة لطمأنة الأسواق فإن البنك لا يستهدف مباشرة دعم الجنيه الاسترليني بقدر ما يريد التحسب لارتفاع معدلات التضخم أكثر من ارتفاعها الحالي نتيجة انهيار قيمة العملة.

هذا فضلاً عن أن خطط الحكومة البريطانية برئاسة ليز تراس التي أعلنت في الأيام الأخيرة ستزيد الضغوط التضخمية في الاقتصاد إضافة إلى ارتفاع معدلات الدين العام وعجز الحساب الجاري للحكومة.

وستمول الحكومة حزمة دعم أسعار الطاقة بأكثر من 155 مليار دولار (نحو 150 مليار جنيه استرليني) وأيضاً خفض الضرائب على الشريحة العالية الدخل الذي أعلنه وزير الخزانة كوازي كوارتنغ ويكلف الخزانة العامة نحو 47 مليار دولار (45 مليار جنيه استرليني)، من خلال الاقتراض.

هذا ما سيدفع بنك إنجلترا للتسريع برفع سعر الفائدة وبمعدلات أكبر مما كان مقدراً سابقاً في محاولة لكبح جماح الارتفاع الهائل المتوقع في التضخم، لكن الأسواق تبدو فاقدة للثقة في ذلك، في ضوء استراتيجيات الحكومة للاقتراض بكثافة من دون خطة واضحة لضبط أوضاعها المالية.

وهذا ما جعل كثيرين يتوقعون أن يواصل الجنيه الاسترليني الانخفاض ليصبح مساوياً للدولار وربما ينخفض لأقل من دولار للجنيه العام المقبل، هذا في الوقت الذي سيواصل فيه بنك إنجلترا رفع أسعار الفائدة ربما لأكثر من خمسة في المئة بنهاية هذا العام أو بداية العام المقبل.

تأثيرات هبوط العملة

التأثير الأول والمباشر لانهيار الجنيه الاسترليني إذاً هو ارتفاع معدلات التضخم أي استمرار الزيادة في أسعار كل السلع والخدمات التي يحتاج إليها المواطن البريطاني يومياً تقريباً إضافة إلى أن انخفاض قيمة الجنيه مقابل العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، أيضاً وليس أمام الدولار فقط سيعني ارتفاع تكلفة الاستيراد من دول أوروبا.

ولأن حجم تجارة بريطانيا مع الدول الأوروبية هو الأكبر إذ كلما انخفضت قيمة الجنيه ارتفعت قيمة الواردات من أوروبا بالتالي أسعارها للمستهلك. يمتد ذلك من المنتجات الصناعية إلى الخضر والفواكه التي تأتي إلى بريطانيا عبر القنال الإنجليزي.

في الوقت نفسه فإن انخفاض قيمة العملة وما يؤدي إليه من ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد سيعني مزيداً من التدهور في القيمة الحقيقية للأجور. أي إن دخل الأسر البريطانية سيقل عملياً في الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار ما يزيد من أعباء تكاليف المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للأسر.

إنما التأثير الأهم هو ارتفاع تكلفة الاقتراض نتيجة زيادة أسعار الفائدة بالتالي ستجد الأسر البريطانية نفسها ليس بين "فكي كماشة" كما يقول المثل، لكن أكثر من فكين. فمن ناحية ترتفع الأسعار ومن ناحية تنخفض القيمة الحقيقية للدخول مع هبوط سعر صرف العملة وزيادة التضخم ومن ناحية ثالثة يصعب الاقتراض نتيجة زيادة تكلفة القروض مع رفع أسعار الفائدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا لن يستطيع من يريد شراء سيارة مثلاً تحمل تكلفة الأقساط إذا اشتراها بتمويل مصرفي كالمعتاد. إنما الأهم والأوسع نطاقاً هو ارتفاع الأقساط الشهرية للقروض العقارية التي يدفعها ملايين البريطانيين ولأن أغلبية البريطانيين يملكون مساكنهم واشتروها بقروض رهن عقاري على مدى عقود، فإن ارتفاع سعر الفائدة الأساسية يعني زيادة كبيرة في الفائدة على قروض الرهن العقاري ما يضر بنحو ثمانية ملايين أسرة بريطانية.

وبدأت بالفعل، الثلاثاء، عملية سحب عروض القروض العقارية المخفضة من السوق ليس من قبل شركات عقارية صغيرة فقط بل من قبل الشركات الكبرى مثل "هاليفاكس" و"نيشن وايد". تلك القروض المخفضة كانت تعني فائدة أقل مثبتة لثلاث أو خمس سنوات مقابل رسوم يدفعها المقترض، لكن لأن أغلب تلك العروض كانت عند نسبة 3.5 في المتوسط فإن البنوك وشركات الإقراض العقاري ستبدأ في الإقراض على أساس نسب فائدة أعلى قد تصل إلى الضعف. ومعنى هذا ببساطة أن الأسرة التي كانت تدفع قسطاً شهرياً لقرض الرهن العقاري على مسكنها ستجد نفسها مضطرة لدفع ما يقارب ضعف ما تدفعه الآن.

وسيشكل ذلك أكبر ضغط على دخول وإنفاق الأسر البريطانية التي تواجه بالفعل مشكلة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وغيرها بالتالي ستنهار قدرة الأسر على الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا.

من هنا تشكك أغلب الاقتصاديين والمحللين في أن خطط حكومة ليز تراس ووزير الخزانة كوازي كوارتنغ يمكن أن تؤدي إلى النمو الاقتصادي الذي أعلنت الحكومة أنها تتوقعه.