Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الحجاب أو الموت"... أية معركة تدور على رؤوس النساء؟

يظل غطاء الرأس المظهر الأكثر إثارة للمعارك الأيديولوجية والسياسية حيث يتنازع الجميع السلطة والدين والهوية والحداثة

على رؤوس ملايين النساء المسلمات باختلاف طوائفهن تدور حروب ضارية منذ سنوات طويلة (أ ف ب)

فرض وربما مكرمة، إشهار اختلاف وتميز وربما شعور بالفوقية، زي أو ربما تعبير عن هوية، بعضهم يرونه "جهاداً" وآخرون لا يرون فيه إلا شكلاً من أشكال القهر، لكن الداعين إليه يردون بأنه شكل من أشكال التكريم والتبجيل.

المؤكد أن "الحجاب" هو أكثر مظاهر ودلالات الانتماء للإسلام إثارة للشد والجذب في هذه الآونة، لا بين المسلمين وغير المسلمين، بل في أوساط المسلمين أنفسهم. والملاحظ أن مظاهر ودلالات الانتماء للإسلام كثيرة ومتنوعة، لكن يظل الحجاب هو المظهر الأعلى صوتاً والأكثر إثارة لمعارك فكرية وأيديولوجية وبالطبع سياسية، حيث يتنازع الجميع الدين والسياسة والاقتصاد والهوية والوطنية والانتماء والمؤامرة والحقوق والواجبات والخصوصية والحرية على رأس امرأة.

رؤوس النساء

على رؤوس ملايين النساء المسلمات باختلاف طوائفهن تدور حروب ضارية منذ سنوات طويلة، لكن إحدى هذه الحروب تدور رحاها حالياً في غير دولة. حرب مستعرة في إيران منذ تم اعتقال الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني (22 سنة) على يد "شرطة الأخلاق" أثناء رحلة مع أسرتها إلى العاصمة طهران "لأنها لم تلتزم القواعد الصارمة الخاصة بغطاء الرأس للنساء".

الشابة التي نقلت إلى المستشفى بعد ساعات من اعتقالها توفيت بعدها بأيام. وكالعادة تناقضت أسباب الموت بين شهود العيان حول تعرضها للضرب المبرح في سيارة الشرطة إلى قول الشرطة إنها "عانت فجأة مشكلة في القلب".

وبين القلب والرأس صلات ممدودة وعلاقات منصوص عليها في كتب العلم وكذلك كتب الدين والتاريخ والسياسة. ويعتقد البعض أن الحجاب الذي يعتلي رؤوس ملايين النساء المسلمات حالياً هو في الأساس مسألة حرية اختيار، وهو ما يناقضه آخرون من منطلق أنه "لا حرية في فرض ديني".

على رغم أن هذه "الحرية في الفرض الديني" لا يتم التعامل معها في عقود "الصحوة الإسلامية" الخمسة الماضية بمقياس واحد، إذ لا تثير أياً من القواعد الخمس التي بني عليها الإسلام من شهادة التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، بل تثير الاستنفار والغضب والفزع واستشعار الخطر والتعبئة للهجوم من أجل الحفاظ على الإسلام المعرض للخطر جراء مناقشة فرضية الحجاب أو اعتباره حرية اختيار.

لكن الأوضاع الحالية المحتدمة تعدت مسألة حرية الاختيار ومناقشة الفرضية وأصبح غطاء الرأس للنساء مسألة حياة أو موت.

القاهرة نموذجاً

للحجاب تأريخات عدة، بعضها ديني لكنه مرتبط ارتباطاً مزمناً بالسياسة، وبعضها الآخر يوثق مسيرة الحجاب توثيقاً اجتماعياً واقتصادياً. فمن اعتاد التجول في شوارع وسط القاهرة على مدى الستين عاماً الماضية يمكنه التأريخ للحجاب في مصر.

من شارع "قصر النيل" إلى "طلعت حرب" ومنه إلى "عدلي" و"عبدالخالق ثروت" وميداني "مصطفى كامل" و"محمد فريد"، تزخر منطقة "وسط البلد" بعدد ضخم من محال الملابس النسائية، غالب هذه المحال عمره عشرات السنين. واجهات تؤرخ للتاريخ الحديث للحجاب في مصر. فبعد خمسينيات وستينيات ونصف سبعينيات القرن الماضي حيث الملابس غربية عصرية كما نشاهدها في الأفلام المصرية القديمة، تسلل خط آخر من الأزياء التي عرفت بـ"الملتزمة" حيناً و"المحتشمة" حيناً ثم "الشرعية" بعد أن وثقت أقدامها في طول البلاد وعرضها، منذ النصف الثاني من السبعينيات وحتى الآن.

على رغم أن المحل نفسه قد تنقسم واجهته إلى قسمين متساويين في المساحة متضادين في التوجه، حيث قسم لملابس النساء من عباءات وجلابيب وتنانير طويلة وقمصان بأكمام وأغطية رأس وكذلك وجه، والقسم الآخر ملابس داخلية أقل ما يمكن أن توصف به هو الجرأة الشديدة ناهيك بالألوان الزاهية الصاخبة اللافتة، لكن وجهة نظر أصحاب المحال وعملائها تلخص الوضع الراهن. فالحجاب، وحبذا النقاب، هو الزي الطبيعي (لم يعد شرعياً بل طبيعي) للمرأة في الشارع، أما في البيت فمن واجبها أن تسد رمق زوجها عبر التسوق من الواجهة الأخرى.

واجهات الحجاب كثيرة

الواجهات كثيرة للحجاب، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تواجه حرجاً شديداً وتضييقاً عنيفاً لدى طرحها للنقاش ما إن يتم التلويح بالبطاقة الحمراء، وهي بطاقة التشكيك في الإيمان والاتهام بمحاربة الفضيلة.

ففي مصر مثلاً وحتى سبعينيات القرن الماضي لم تكن هناك فتاوى أو برامج دينية أو خطب جمعة تدور حول الحجاب، بل إن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حين ذكر في خطاب له أمام الشعب المصري أن مرشد جماعة الإخوان المسلمين حينئذ حسن الهضيبي سعى إلى فرض الحجاب على المصريات. وقال عبدالناصر "أول ما طلب (الهضيبي) كان أن نقيم الحجاب في مصر، ونجعل كل واحدة تمشي في الشارع تلبس طرحة. يا أستاذ أنت لك بنت في كلية الطب لا ترتدي طرحة، لماذا لا تجعلها ترتديها؟ إذا كنت أنت غير قادر على أن تجعل ابنتك ترتدي طرحة، تريدني أن أجعل عشرة ملايين امرأة مصرية في البلد يرتدين طرحاً؟".

قوبلت الحكاية بضحك شديد من الحاضرين نساءً ورجالاً. فقبل ستة عقود كان تخيل مشهد نساء مصر يرتدين طرحاً أمراً مثيراً للضحك ولا يطرح إلا على سبيل الدعابة.

دعابة الأمس معركة اليوم

دعابة الأمس صارت معركة اليوم. وهي ليست معركة مقتصرة على بلد عربي من دون آخر، أو دولة إسلامية أكثر من غيرها، بل لا تقتصر على دولة غربية نسبة من سكانها مسلمون، بل صار الجميع طرفاً في معركة تكسير عظام.

المشهد الحالي يشير إلى أن معركة تكسير العظام الحالية متعددة الأطراف ومتناقضة الغايات. فبين تكسير عظام المحتجات والمحتجين الذين خرجوا في إيران احتجاجاً على فرض الحجاب الذي يجب أن يكون حرية شخصية، وتكسير عظام فرض الحجاب على الطالبات فرضاً في عدد من المدارس بدول عربية عدة، وتكسير عظام الأصوات الآخذة في الارتفاع مطالبة بقراءة التاريخ الحديث الذي جعل من الحجاب فرضاً، وتكسير عظام مضاد حيث المطالبة بمحاسبة ومعاقبة المشككين في فرضية الحجاب، وتكسير عظام العنصرية ضد الحجاب في دول غربية عدة، وتكسير عظام التوجهات اليمينية المعادية للإسلام ومظاهرها في الغرب، هكذا تحتدم موجة من موجات معركة الحجاب هذه الأيام.

موجات متوالية

في يوليو (تموز) الماضي شهدت إيران موجة أخرى من موجات معركة الحجاب، لكنها اتخذت من منصات التواصل الاجتماعي مسرحاً رئيساً لها. عدد من النساء الإيرانيات قمن بشن حملة احتجاج على قواعد الحجاب الصارمة المفروضة عليهن، وذلك بتصوير أنفسهن وهن يخلعن الحجاب المفروض في الأماكن العامة وتحميل الصور ومقاطع الفيديو على الإنترنت. هؤلاء النساء يعرفن جيداً أن مخاطرة من هذه النوعية تعرضهن للاعتقال بتهمة العصيان المدني.

ووصل الأمر إلى درجة أن رئيس إيران إبراهيم رئيسي تعهد وقتها بـ"اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل من يروج للفساد المنظم في المجتمع الإسلامي". ويشار إلى أن رئيسي حين أصر قبل أيام على أن ترتدي مذيعة شبكة "سي أن أن" الشهيرة كريستيان أمانبور الحجاب أثناء محاورته في نيويورك، رفضت وألغت الحوار وقالت إن أحداً من رؤساء إيران لم يسبق أن وضع لها هذا الشرط من قبل حين حاورتهم خارج إيران. وكان الرد الإيراني من أحد مساعدي الرئيس هو أن هذا الشرط يتعلق بالأحداث الجارية في إيران حالياً، قاصداً الاحتجاجات المتصاعدة بسبب وفاة مهسا أميني وكذلك المعارضة لفرض الحجاب.

وقد فرضت السلطات في إيران غطاء الرأس للنساء بالقوة في أوائل ثمانينيات القرن الماضي عقب قيام "الثورة الإسلامية" عام 1979. وكعادة الثورات ذات الطابع الديني وجماعات الإسلام السياسي والدول الخالطة الدين بالسياسة تكون النساء وثيابهن، لا سيما شعورهن، محوراً رئيساً للتغيير وإشهاراً للهيمنة في الفضاء العام.

الأكثر وضوحاً في الفضاء العام

النساء هن الأكثر وضوحاً في الفضاء العام. ويقال إن أي فصيل سياسي أو ديني أو حتى اجتماعي يريد أن يفرض أو يحذر أو يهدد أو ينشر رسالة فعليه بالنساء. وتشير أستاذة الفلسفة في جامعة "نورث إيسترن" الأميركية ومؤلفة كتاب "أزياء الورع: كيف ترتدي المرأة المسلمة ملابسها؟" إليزابيث في مقال لها بـ"ذي أتلانتيك" (2018) إلى أنها أجرت بحثاً مستفيضاً استغرق سنوات حول أزياء النساء في ثلاث دول إسلامية هي تركيا وإيران وإندونيسيا، وهي دول معروفة بـ"تنظيم" ملابس النساء عبر وضع قواعد وقيود لما يجب ولا يجب عليهن ارتداؤه.

تقول "على عكس ما تشير إليه هذه اللوائح فإن فكرة الملابس المحتشمة للمرأة هي علامة على شيء آخر، سواء أكان سيئاً مثل أن على المرأة أن تدخر المال الذي تنفقه على الملابس والشعر، أو جيداً مثل أن عليها أن تؤكد عبر ملابسها شرف وأخلاق الأمة. وعلى مدى القرن الماضي، حرصت النخب من الذكور على خوض المعارك من أجل تعزيز أجندات سياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بحياة النساء اللاتي يستخدمونهن أو أجسادهن التي يعملون على إخفائها لتفعيل أجنداتهم".

ورصدت بوكار عدداً من الأساليب التي تتبعها النساء في هذه الدول الثلاث على سبيل التعبير المضاد لما تم فرضه عليهن. فعلى رغم امتثالهن للقواعد المحددة كانت هناك كتل الشعر الكبيرة التي تبرز من تحت أو خلف غطاء الرأس، والأزياء "البوهيمية" التي تعلن أن صاحبتها لا تتقيد بالتقاليد أو تعترف بالقيود.

وأشارت إلى أن مثل هذا النوع من الحجاب، وغيره مما لا يتبع القواعد المنصوص عليها لا سيما في إيران، مثل الملابس التي تظهر تفاصيل الجسد وغيرها مما يسمى "الحجاب السيئ" أو "الشرير"، عادة تلجأ إليه النساء عن قصد وبأعداد متزايدة من أجل تعظيم الضغط على السلطة المتمثلة في "شرطة الأخلاق"، إذ تعلم هؤلاء النساء أنه لا توجد أعداد كافية من قوات هذه الشرطة المتخصصة لمطاردة الخارجات على مقاييس الزي عنوان العفة والأخلاق.

العفة والأخلاق الموضوعتان في مواجهة الحقوق والحريات وكأنها تتناقض ولا تتآلف، ثنائية مزمنة ابتكرها أنصار فرض الحجاب من دون نقاش على سبيل تشويه سمعة مسبق لكل من يتجرأ على اعتبار عدم تغطية شعر المرأة حقاً أو حرية أو اختياراً.

حق الاختيار

في عام 2018 تحدث ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان عن حق الاختيار للنساء السعوديات في ما يختص بملابسهن وقال الأمير لبرنامج "60 دقيقة" الذي يبث على قناة "سي بي أس" الأميركية إن ارتداء المرأة السعودية غطاء الراس أو العباءة السوداء ليس شرطاً أو ملزماً، لكن المهم هو الحشمة. وحتى حين أشار إلى القوانين بقوله إنها واضحة وتلزم النساء ارتداء ملابس محتشمة ومحترمة، قال إنها في هذا الالتزام شأنها شأن الرجال تماماً.

في مصر مثلاً تسرد عدد من الأسباب والعوامل التي أدت إلى انتشار الحجاب منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي من بينها سفر كثيرين للعمل في دول الخليج وعلى رأسها السعودية، وهو ما أدى إلى نتيجة طبيعية عادة ما تنجم عن امتزاج الثقافات المختلفة، حيث عادت غالب النساء إلى مصر وهن يرتدين الحجاب أو النقاب، كما تحولت العائدات إلى نموذج يقتدى بين بنات وسيدات العائلة، لا سيما في ظل بزوغ نجم الخطاب الديني الخاص بالسبعينيات.

تشير الباحثة المصرية في العلوم السياسية رضوى منتصر الفقي في بحثها "التطور التاريخي للحجاب في مصر" إلى أن الحجاب ظل يتزايد في الشارع المصري منذ السبعينيات، ولم يتأثر بتضييق الدولة على جماعات الإسلام السياسي بعد اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1980. وتعلل ذلك بأن الحجاب كان قد ترسخ في المجتمع بعد أن تكثف الخطاب الديني الذي اعتبر وضعه فرضاً وتركه إثماً، وهو الخطاب الذي لم يكن موجوداً من قبل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير الفقي إلى أن الظاهرة تمددت كذلك بفعل جهود مشايخ الأزهر والدروس والبرامج الدينية التي كانت تبثها الإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى موجة اعتزال المشاهير من الفنانات والإعلاميات وارتداء الحجاب، وذلك تأثراً بالكم الهائل من أحاديث كبار المشايخ والدعاة من أمثال الشيخ محمد متولي الشعراوي.

وقد انتهج كل من المشايخ والدعاة طريقة مختلفة في الخطاب والطرح وسبل الإقناع، ترهيباً أو ترغيباً، بحسب الجمهور من المستهدفات، كما سارع مصممو الأزياء المحليون وتجار الملابس إلى مسايرة المزاج العام السائد، لأسباب مختلفة تتراوح بين الرغبة في الربح المادي والانصياع للتوجه الجديد.

حالياً لم يعد المشهد جديداً في مصر التي تعد نموذجاً لدول عربية أخرى مرت بتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية عدة في العقود الخمسة أو الستة الماضية، وتحول الحجاب فيها إلى أداة أكثر منه غاية.

رأس المرأة مثار شد وجذب بين الحين والآخر، يحدث ذلك على هيئة موجات بزوغ يؤججها حدث داخلي أو خارجي تتبعها موجات خفوت، سواء بسبب اتهامات التكفير والرغبة في نشر الفسق والفجور، أو لأن حدثاً جللاً آخر يحدث مما يجذب الاهتمام بعيداً من الحجاب.

لكن الموجة الحالية ليست كغيرها. فبينما الأوضاع في إيران صادمة لكثيرين ومربكة لوضعية الحجاب بعد أن كشف التعامل بالغ القسوة مع من لا تلتزم قواعد "الحجاب الجيد" عن وجه قمعي لا يعني بمصلحة النساء بقدر ما يعني بمصلحة النظام، إذ بحملة أخرى مفاجئة يتم شنها في العراق تستوجب مزيداً من التأمل في منظومة الحجاب، لا سيما الجوانب المسكوت عنها.

التحجيب القسري

ضمن المسكوت عنه في الحجاب "التحجيب القسري" للطفلة والفتاة. وهو قسري على أرض الواقع لكنه غير موثق في الدفاتر. مدارس حكومية كثيرة في مصر تفرض ارتداء الطرحة البيضاء لطالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية، لكنه فرض شفهي. وبين الحين والآخر يتوسع الفرض ليطال مدرسة ابتدائية ربما على سبيل التجربة، فإن سكت المسؤولون توسع المتسللون.

ظاهرة الطفلة المحجبة يتم التعامل معها بأسلوبين متناقضين. الأول يمتدح ويثني ويشجع ويعتبرها بادرة عظيمة تؤكد عفة الأمة وورعها، والثاني يعتبرها عدواناً على الطفولة وتذكير الصغيرة قبل الأوان بأنها مجرد "رمز جنسي" وعورة ينبغي إخفاؤها.

في العراق، حملة واسعة تصدرت منصات الـ"سوشيال ميديا" واتخذت من شعار "لا للتحجيب القسري" شعاراً لها. تتراوح الأقاويل حول سبب الحملة بين قيام معلم بضرب الطالبات غير المحجبات في فصله وجميعهن دون سن العاشرة، وفرض الحجاب على طالبات المرحلة الابتدائية في عدد من المدارس، لكن الحملة انتشرت بشكل كبير، وهو ما أدى إلى استنفار الجانب المضاد الذي اعتبر الدفاع عن تحجيب الطفلة دفاعاً عن الدين وصوناً للعفة. ووصل الأمر إلى درجة أن أحد رجال الدين علق على سيدة عراقية اسمها هبة النائب وهي إحدى الضالعات في الحملة على "تويتر" بقوله "الحجاب شرف المرأة وكرامتها ومن يطالب بخلعه نخلع روحه".

لكن روح الحجاب تحتاج إلى نقاش لا إلى خلع. ويسوق البعض زوايا أخرى غير مباشرة تخص الحجاب في محاولة لتهدئة أولئك الذين ترتعد أوصالهم ما إن تذكر كلمة "حرية" أو عبارة "حق اختيار" مقترنة بالحجاب. فالمشهد العام في الشوارع المصرية مثلاً يشير إلى أن الغالبية المطلقة من الإناث ترتدين "طرحة"، لكن الطرحة تكون عادة مصحوبة بملابس لا تمت بصلة إلى الفكرة المطروحة مع الحجاب من حيث الحشمة. هؤلاء يحاولن الوصول إلى نتيجة مفادها أن المعركة تدور حول الإشهار الرابض على الرأس وليس العفة والشرف والكرامة ومصير الأمة... إلخ.

الباحثة رضوى الفقي تصف مشهد الحجاب بـ"الملتبس". تقول إن الغالبية ترتدي الحجاب بمعناه وهو "طرحة على الرأس"، لكن نسبة آخذة في الزيادة من المحجبات يراوحن مواقفهن التقليدية ويتذبذبن بين الشكلين الإيماني والحداثي للحجاب، فيما تحاول أخريات تطويع الحجاب وفقاً للرغبة بتغطية الرأس فيما يظل باقي الزي أبعد ما يكون عن التدين أو حتى الحشمة المقبولة اجتماعياً. على رغم ذلك يظل هذا النموذج يحظى بقبول وترحيب في الشارع أكثر من غير المحجبة المحتشمة.

وبقدر ما يطرح الحجاب هذه الآونة سلسلة من الأسئلة حول الثقافة والهوية والحق والحرية، بقدر ما يطرح أسئلة حول السياسة والسلطة والحكم والهيمنة.

وتظل صور المقارنة والحسرة التي يتم نشرها حيث "انظروا كيف كانت نساء مصر قبل السبعينيات؟" أو "تأملوا وضع نساء أفغانستان قبل طالبان" أو "هل رأيتم ما حل بنساء إيران بعد حكم الشاه؟" وغيرها أشبه بخدش السطح. أما الأعماق فتظل تمور بما فيها من تجاذبات وتوازنات وحراك مكتفية بقليل من الحمم البركانية بين الوقت والآخر.