Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جدل محموم في كردستان بشأن تجريم "الجماع بالإكراه"

علماء الدين يحذرون من التبعات ووزير الداخلية يدعو إلى عدم التهويل

يقول معارضو مشروع قانون "العنف الأسري" إنه يخالف عادات المجتمع الكردي وتقاليده (رويترز)

استهل برلمان إقليم كردستان فصله التشريعي بنقاش محموم في شأن مواد وفقرات في مشروع قانون "العنف الأسري" وسط اعتراضات شديدة على نص يجرم حالات "إكراه الزوجة على الجماع"، فيما كشف مسح رسمي عن أن "التدخل الأسري" جاء في صدارة أسباب حالات الطلاق.

وكانت منظمات حقوقية ونشطاء قد اقترحوا مشروعاً لتعديل "قانون العنف الأسري" إلى الحكومة التي أرسلته بدورها إلى البرلمان لمناقشته، وقد لاقى رفضاً شديداً من بعض النواب والكتل، خصوصاً الإسلامية. ويرى المعترضون أن مقترح القانون يشكل تهديداً للأسرة والمجتمع الكردي عموماً، بينما يعتبره نشطاء ومنظمات حقوقية مقترحاً يضم مواد ضامنة لحماية حقوق المرأة والأسرة.

وتشمل الجرائم الأسرية الواردة في مقترح التعديل "تعنيف المرأة بالضرب أو إرغامها على ترك وظيفتها في العمل والإجهاض بسبب العنف وختان الإناث وأسلوب الترهيب والتهديد ضد الأطفال والزوجة والجماع مع الزوجة بالإكراه"، لكن تسريبات تداولتها وسائل إعلام أشارت إلى أن المشروع المقترح "كان يضم مواد وفقرات خطرة على الأسرة والمجتمع"، منها تبرير ظاهرة "المثلية" و"الزواج من دون موافقة الأسرة" وحالات أخرى تعد مخالفة للأعراف والتقاليد في المجتمع الكردي ذي الأغلبية المسلمة.

إلا أن الاعتراض تركز على المادة الثانية التي تجرم "إكراه الزوجة على الجماع" باعتبار ذلك عنفاً ضد المرأة، فقد شدد نواب على أن بعض الفقرات غير الواضحة يمكن أن "تفسر أي عمل من الزوج تجاه زوجه بكونه عنفاً" إلى جانب فقرة تمنح أي شخص حق تبليغ الشرطة "عن أي حالة يرى أنها عنفاً أسرياً"، مما يفتح الباب أمام أفراد من خارج الأسرة لاستغلالها بدافع الانتقام وفقاً للمعترضين الذين اعتبروا مضمون الفقرة الرابعة مخالفاً للقانون المدني النافذ، لأنه يمنح الادعاء العام في حال وقوع أي حالة عنف "الحق في مقاضاة المتهم حتى من دون ورود شكوى رسمية".

الشريعة والأعراف خط أحمر

"اتحاد علماء الدين الإسلامي" في الإقليم قال في بيان إن "مقترح تعديل قانون العنف الأسري يخالف الشريعة الإسلامية وأعراف المجتمع الكردي وتقاليده"، محذراً من "تبعاته السلبية على السلم المجتمعي". وحض البرلمان على "تجنب تشريع قوانين مخالفة للشريعة والأعراف التي يفترض أن تصب في صالح المجتمع، وليس العكس".

ويرى المعترضون، وخصوصاً القوى الإسلامية ونشطاء في مجال "الدفاع عن حقوق الرجال"، أن المقترح يصب بمجمل مواده في صالح المرأة من دون منح أي حقوق للرجال "على رغم أن لهم نصيباً من العنف الأسري"، لكن نشطاء وحقوقيين في مجال مناهضة العنف ضد المرأة اتهموا بعض المعترضين "بمحاولة تضليل الرأي من خلال التشبث في الاعتراض على فقرة بعينها من دون مناقشة عديد من الفقرات الإيجابية والمهمة الواردة، فضلاً عن عدم إطلاع بعض النواب على مسودة القانون".

موقف كتلة "الحزب الديمقراطي" الذي يقود حكومة الإقليم الائتلافية جاء متناغماً مع التحفظات. وقال النائب عن الكتلة جلال بريشان، خلال جلسة البرلمان، إن "تجريم إرغام الزوج زوجته على الجماع يعارض الشريعة الإسلامية"، مضيفاً "كوني أعزب فإن موقفي لا ينم عن مصلحة ذاتية، ولست بحاجة إلى العلاقة الزوجية حتى مستقبلاً، لكن في الواقع المادة تخالف الشريعة الإسلامية، وأعتقد أن حقوق الزوجة في مثل هذه الحالة واردة حتى لدى الديانات الأخرى". وشدد على أن "إنهاء هذا الجدل يتطلب التعاون بين اللجنة العليا للافتاء ولجنة الشؤون الدينية النيابية".

وأعلن الناطق باسم كتلة "الديمقراطي" بيشوا هورامي أن كتلته "لن تصوت على أي مقترح قانون يخالف الشريعة"، قائلاً إن حزبه "يحترم كل الأديان، ومنها الدين الإسلامي باعتباره دين الأغلبية، وعليه لن نسمح بجرح مشاعر المسلمين من خلال سن قوانين تعارض الشريعة وأعراف مجتمعنا وتقاليده".

قصور في الأداء النيابي

ومن المتوقع أن يناقش البرلمان مزيداً من القوانين الخلافية خلال المدة المتبقية من عمره التشريعي الذي ينتهي رسمياً في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بينما بدأ يستعد لتمديد ولايته لنحو ستة أشهر إضافية، بعد أن أصبحت الانتخابات التي كانت مقررة في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) في حكم المؤجلة على وقع خلافات بين القوى في شأن تعديل قانون الانتخابات وقانون مفوضية الانتخابات ونظام "كوتا" الأقليات.

في المقابل قالت رئيسة منظمة "الدعم القانوني للمرأة" التي كانت قد حضرت الجلسة مع عدد من الحقوقيين والمستشارين القانونيين وممثلين عن المنظمات المعنية، إن "عديداً من النواب لا يمتلكون خلفية معرفية وقانونية، مما أدى لإرجاء طرح مسودة المقترح للمناقشة والتصويت عليه منذ عام 2015". أضافت "خلال قراءة مقترح القانون تبين أن معظم النواب فوجئوا بمضمون المواد، أي إنهم لم يطلعوا عليه قبل الجلسة، وقد عارضه معظمهم، ونحن كمحامين ومنظمات نرى أن رفضه سيكون أفضل من إقراره بأحوال كهذه".

من جهته أكد رئيس لجنة الأوقاف النيابية هورامان كجينى أن "المقترح يحتوي على فقرات تخالف الشرع، وسيتم رفضه لكونه لا يتواءم مع المجتمع الكردي". وسأل "كيف يمكن إعطاء الحق لأي أحد أن يشتكي لمجرد أنه لاحظ وجود مشكلة بين زوجين، في حين أن الزوجين قد لا يرغبان في ذلك أساساً؟". ولفت إلى أن "المادة المتعلقة بمسألة الجماع بالإكراه حساسة جداً، حتى لو تم إقرارها فلا يمكن إثبات الحالة، من سيثبت في حال أجبرت الزوجة زوجها على الجماع بالإكراه مثلاً؟".

مبالغة في المخاوف

وحضر الجلسة وزير الداخلية ريبر أحمد الذي أقر خلال كلمة بـ"وجود بعض الثغرات التي تحتاج إلى تعديل". وقال "لن نقبل بفرض أمر على المجتمع لا يتوافق مع تقاليده ودينه، لسنا مع أي مفردة أو عبارة من شأنها أن تضعف أواصر الأسرة ومكانتها". واستدرك "لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن نتقيد بتقاليد وأعراف خاطئة".

ونوه الوزير إلى أن حالات العنف ضد المرأة تعد "من أكبر المشكلات" التي تواجهها وزارته. واقترح على النواب "متابعة الخط الساخن في مركز الشكاوى لمدة أسبوع، لكي تصدقوا أن 99 في المئة من المتصلين هم نساء يتعرضن للعنف من الأسرة والمجتمع"، لافتاً إلى أن "شاباً قتل فتاة لمجرد أنها رفضت الزواج به، وهناك نساء قتلن لأسباب بسيطة بعضها بسبب الضحك أو تلقي رسالة". وأنهى أحمد كلمته بدعوة النواب إلى "عدم المبالغة في المخاوف من القانون لأننا سنواجه مشكلات كبيرة خلال تنفيذه".

تدخل بين الأزواج

تزامناً مع هذا الجدل أظهرت نتائج مسح أجرته هيئة إحصاء الإقليم مع مركز الإحصاء الاتحادي بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان أن 36 في المئة من حالات الطلاق في الإقليم سببها التدخل الأسري. وكشف المسح الذي أجري في سبتمبر (أيلول) 2021 بمشاركة نحو 1600 أسرة من مختلف المحافظات الكردية عن أن 33 في المئة من حالات الطلاق كانت بسبب عدم التوافق والانسجام الاجتماعي، و21 في المئة نتيجة إنعدام الثقة، و18 في المئة نتيجة الإدمان على الكحول، و16 في المئة بسبب تعرض الزوجات للضرب من قبل أزواجهن، و12.9 في المئة جراء تعدد الزوجات، فيما لم تتعد الأسباب الاقتصادية 8 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسجل الإقليم خلال الأيام الماضية حوادث عنف أسري وحالة ابتزاز. ففي السليمانية، أقدم شاب على طعن زوجته ووالديها بالسكين وأصابهم بجروح، وأعلنت الشرطة اعتقال شخصين بتهمة ابتزاز امرأة بنشر صور ومقاطع فيديو في حال عدم دفعها مبلغ. وفي أربيل قالت الشرطة إن شجاراً وقع بين زوج ووالد زوجته أدى إلى إصابة شخص بجروح جراء إطلاق نار، وأنها اعتقلت خمسة أشخاص على خلفية الحادثة.

وتشير بيانات صادرة عن "منظمة المساعدة القانونية للمرأة" المعروفة بـ"OLA" للأشهر الستة الأولى من عام 2022 إلى مقتل نحو 82 امرأة، 29 منهن قتلن حرقاً، و31 انتحرن، و22 أخريات قتلن عمداً".

"تقليد لمساوئ الغرب"

وتصدر الموضوع النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام، وانقسم المواطنون بين معارضة ومؤيدين لبعض مواد مشروع القانون، في حين أبدى عدد من رجال الدين البارزين اعتراضهم الشديد على القانون وحذروا النواب من إقراره.

الشيخ عبداللطيف أحمد، المعروف بعبداللطيف سلفي، كتب على "فيسبوك" إنه "أمر معيب، لا بل كارثي". وأضاف "لم يتبق للبرلمان مقترح قانون ليناقشه إلا هذا القانون، أن نأتي لنقلد الغرب في سيئاته وليس حسناته، إذا كنتم لا تستطيعون مثلهم (دول الغرب) أن توفروا الخدمات البسيطة كالطرق والكهرباء والوقود، فإنكم لا تستطيعون حل مشكل أمة، واليوم تأتون لهدم التربية الاجتماعية الأصيلة للكرد المسلمين لكي يرضى الغرب عنكم، مقابل أن تحصلوا على سمة بكونكم ديمقارطيين ومتطورين". وحذر سلفي النواب في حال إقراره من أنهم "سيخسرون كثيراً، وسيلعنهم ربهم وشعبهم".

إلا أن مواقف جبهة المعترضين، خصوصاً النواب، واجهت الانتقادات، فاستغرب الناشط الحقوقي شوان مصطفى "كيف أصبح الجميع خبيراً في القانون والتشريع، الغاضبون يتساءلون كيف يمكن تجريم الجماع بالإكراه؟ إذا كان أحد لا يفقه في شيء ما، فهو غير ملزم في أن يتدخل به، لكن يبدو أن بعض النواب من حقهم أن يصبحوا مشرعين طالما كثر المطربون والمطبلون في البرلمان". وتابع أن "بعض المعترضين لا يسألون أنفسهم هل يجوز أن يرغم الزوج زوجته على الجماع بالضرب والإهانة؟ ترى أي نوع من الزواج هذا؟ هذه الحالة لا نجدها حتى بين الكائنات الأخرى، هل من المعقول أن يتقبل رجل العيش مع امرأة لم يعد لها الرغبة في مشاركته الفراش؟". أضاف "لماذا يجب النظر للمرأة بهذا القدر من عدم الاحترام كأنها سلعة للمتعة؟ أين هي السكنى والمودة والرحمة؟".

وكان نائب رئيس الحكومة قباد طالباني قد وصف في وقت سابق صدور قرار قضائي لإخلاء سبيل أب متهم بقتل اثنتين من بناته في قضاء جمجال بمحافظة السليمانية بأنه "مخيب للآمال". وأعرب عن غضبه الشديد لقرار الإفراج الذي "جاء لأسباب واهية وعدم كفاية الأدلة". وحذر من أن ذلك "يبعث رسالة لقاتلي النساء أن في إمكانهم الإفلات من العقوبة، فالأب القاتل يمكن أن يلقي بالجريمة على ابنه الذي أرسله مسبقاً إلى مكان آمن بعيد عن أعين الشرطة". وأعرب عن أسفه "لوجود قضاة مترددين في التعامل مع ملف العنف ضد المرأة". ووجه تحذيراً للقتلة "سألاحقكم دائماً حتى لو كنت وحيداً".

المزيد من تقارير