أزمة دبلوماسية عراقية تركية على خلفية قصف كردستان

تستبعد مصادر مطلعة اندلاع مواجهات بين البيشمركة ومقاتلي حزب العمال

ضابط تُركي يُقدم التحية العسكرية لرئيس الوزراء العراقي أثناء زيارته قبر مؤسس الدولة التُركية مصطفى كمال اتاتورك (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

تكثّفت طوال اليومين الماضيين (29-30/06/2019) ملامح أزمة سياسية دبلوماسية بين العراق وتُركيا، على خلفية استمرار الطائرات التُركية بقصف مناطق من إقليم كُردستان العراق، تقول أنقرة إنها تحولت إلى قواعد عسكرية لحزب العُمال الكُردستاني، الذي يقود انطلاقاً منها هجمات على الجيش التُركي، داخل الأراضي العراقية.

في المقابل، أدانت وزارة الخارجية العراقية عمليات القصف التُركية الأخيرة، تحديداً تلك التي طاولت منطقة كورته في محافظة السُليمانية. وأشار البيان الصادر عنها إلى قيام طائرتين حربيتين تُركيتين بقصف مُكثف لتلك المنطقة، أدى إلى سقوط أربعة ضحايا من المدنيين. وأضاف البيان أن "الأعمال الحربية التركية، تنتهك السيادة العراقية وتناقض مبادئ حسن الجوار، وتمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدوليِّ الإنساني"، مُطالبة أنقرة بـ "وقف قصف المناطق العراقية واحترام السيادة والتعاون لضمان أمن الحدود".

ورقة ضغط فحسب 

قلّل مراقبون متابعون من أهمية بيان الوزارة العراقية، فهو يندرج في إطار التصريحات الدورية التي تصدر عنها كرد فعل على ما تمارسه تُركيا من عمليات قصف دائمة للأراضي العراقية، لكنها عادة تتوقف عند هذا الحد، من دون اتخاذ خطوات تصعيدية أخرى، سواء على الصعيد العسكري أو الدبلوماسي.

ويرى متابعون للشأن العراقي، أن الحكومة المركزية العراقية، وخلفها القوى السياسية الشيعية المركزية، تسعى إلى أن يكون هذا الملف بمثابة ورقة ضغط على إقليم كُردستان. فأية مُطالبة لها بالرد على الانتهاكات التُركية، ستدفعها إلى التحجج بعدم امتلاك سيادة كاملة على المناطق الحدودية من إقليم كُردستان مع تُركيا، وأن تسلمها لتلك المناطق، شرط ضروري لإعادة التوازن العسكري مع تُركيا.

لكن المتابعين دلّلوا على عدم صدقية الحكومة العراقية، فالهجمات التُركية تركزت أكثر من مرة داخل المناطق التي تُسيطر عليها الحكومة المركزية بشكل مباشر، خصوصاً في منطقة سنجار الإيزيدية، وللأسباب ذاتها، لكن الحكومة المركزية العراقية لم تُصدر سوى بيان شبيه في تلك المناسبة، إذ تتعامل القوى الأمنية العراقية وفصائل الحشد الشعبي في تلك المناطق، مع فصائل عسكرية نظيرة في تلك المناطق، تابعة لحزب العُمال الكُردستاني ومُرتبطة به.

وعبّر برلمانيون عراقيون من الأحزاب الشيعية المركزية عن ذلك صراحة، وصرح القيادي في تيار الحكمة، والعضو البارز في لجنة الأمن والدفاع العراقية عباس صروط عن امتلاك تُركيا "الحُجة الشرعية" لقصف الأراضي العراقية، في إشارة إلى وجود حزب العُمال الكُردستاني في المناطق الحدودية بين الإقليم وتُركيا.

رفض تُركي تام

لم يتأخر الرد التُركي على موقف وزارة الخارجية العراقية، إذ استدعت الحكومة التُركية القائم بأعمال السفارة العراقية في أنقرة عصام محمد، وأبلغته بأن عمليات الجيش التُركي ستستمر ضد ما سمته "الإرهاب" بكل حزم، في رد مباشر وشديد اللهجة على البيان العراقي.

أصدر الناطق باسم وزارة الخارجية التُركية حامي أقصوي بياناً خاصاً بالمناسبة، أكد فيه رفض حكومته التام ما صدر عن الحكومة المركزية العراقية، مُفنداً فيه ما سماه مزاعم عراقية بسقوط ضحايا مدنيين جراء عمليات القصف التُركية، مذكراً الحكومة العراقية بأن حكومة إقليم كُردستان العراق، حمّلت حزب العُمال الكُردستاني مسؤولية ما يجري في تلك المنطقة. لكن أقصوي تجاهل البيان الخاص الذي أصدرته حكومة الإقليم، والذي طالبت فيه تُركيا بإيقاف عمليتها العسكرية داخل الإقليم، خصوصاً تلك التي تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين.

كما ذكّر الناطق التُركي بالأجواء الإيجابية التي تُظلّل العلاقة بين تُركيا والعراق، والتي تكلّلت بزيارات كِبار المسؤولين من البلدين، مطالباً العراق بعدم السماح بوجود إرهابيين على أراضيها، بحسب تصريحات أقصوي.

أجواء كُردية نظيرة

انعكست الأحداث العسكرية والسياسية في هذا الملف على العلاقات بين مُختلف القوى السياسية الكُردية الداخلية.

إذ أعلن فصيل مُسلح، سمى نفسه "قوات الدفاع الذاتي" عن تشكيل نفسه لاستهداف القوات التُركية ضمن إقليم كُردستان، ما اعتبر جزءاً من منحى تصعيدي للأوضاع الداخلية في إقليم كُردستان. وأشار مراقبون إلى علاقة ما تربط هذا الفصيل بحزب العُمال الكُردستاني، وهو أمر قد ينقل المعركة بين تُركيا وهذا الحزب إلى داخل أراضي إقليم كُردستان.

لكن رئيس اللجنة الأمنية في محافظة دهوك في إقليم كُردستان إدريس هركي، قلّل من إمكان ذلك النوع من التصعيد، مُشيراً إلى أن ما جرى هو مُجرد عمل إعلامي.

وقال هركي لوسائل إعلام كُردية محلية، إن حزب العُمال الكُردستاني من خِلال هذه الأعمال يتقصّد الضغط على إقليم كُردستان. لكن وزارة البيشمركة (الدفاع) في حكومة إقليم كُردستان أعلنت زيادة عديد قواتها في منطقة آميدية في محافظة دهوك، تحسباً لأية تطورات عسكرية مفاجئة، قد تحدث، حيث تنتشر هناك العديد من القواعد العسكرية التُركية، إضافة إلى المقرات العسكرية لحزب العُمال الكُردستاني.

لكن مصادر مُطلعة استبعدت اندلاع مواجهات بين البيشمركة الكُردية ومُقاتلي العُمال الكُردستاني، مؤكدة بأن الحقائق العسكرية شبه ثابتة في تلك المنطقة مُنذ عقود، ولا يُمكن أي طرف أن يتوقّع تغييرها بسهولة.    

المزيد من العالم العربي