Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد سجن بورقعة... هل تقف الجزائر أمام مرحلة جديدة من كتابة "التاريخ الرسمي"؟

خشية من فرض السلطة القائمة منطق "القوة" على الذاكرة التاريخية كما كان الحال في أيام بوتفليقة

لخضر بورقعة (أ. ف. ب.)

 

هاجم التلفزيون الحكومي الجزائري، المناضل ضد الاستعمار الفرنسي لخضر بورقعة، الذي وضعه قاضي التحقيق لدى محكمة بئر مراد رايس رهن الحبس المؤقت بتهمة "إضعاف الروح المعنوية للجيش وإهانة هيئة نظامية". واتهم التلفزيون الرسمي بورقعة بـ "تقمص شخصية القائد الحقيقي للولاية الرابعة في الثورة التحريرية"، وبقدر ما فتحت هذه الاتهامات الباب أمام تعليقات وتنديد وسط المراقبين، بقدر ما أثارت أسئلة حول ما إذا كانت الجزائر أمام مرحلة لمراجعة التاريخ المعتمد رسمياً في البلاد.
وبعد بث التلفزيون الجزائري، نص بيان صادر عن محكمة بئر مراد رايس، بخصوص إيداع لخضر بورقعة الحبس المؤقت، أُرفق الخبر بتعليق، أوضح أن "الأمر يتعلق بأحمد بورقعة، والذي يتقمص اسم سي لخضر رابح المقراني القائد الحقيقي للولاية الرابعة والذي استُشهد خلال الثورة التحريرية".
ومعلوم أن الصحافة المحلية، دائماً ما تعرّف بورقعة، على أنه "القائد السابق للولاية الرابعة التاريخية في تقسيم الثورة الجزائرية" الذي استحدثه قادة الثوار الجزائريين إبان ثورة التحرير، وهو شخصية حظيت لسنوات بـ "هالة قدسية" في الوسط السياسي كما هو الأمر بالنسبة إلى "مجاهدي الثورة التحريرية" الآخرين.
وذكر التلفزيون الحكومي في شريط "مهم" أسفل الشاشة، استمر بثه منذ منتصف النهار إلى غاية ساعة متأخرة من الليل، أن أحمد بورقعة "تخفّى تحت اسم لخضر بورقعة وهو في الحقيقة كان يحارب في صفوف الجيش الفرنسي في منطقة الألب ما بين العامين 1954 و1956، وعاد إلى أرض الوطن في عطلة ليلتحق بالثورة"، ومعلوم أن الثورة الجزائر اندلعت في العام 1954 .
وتابع التلفزيون الجزائري أن "المدعو أحمد بورقعة معروف بنشاطه في صفوف بعض الأحزاب المعروفة بمواقفها السياسية المتذبذبة والمتغيرة بخاصة في القضايا المصيرية للوطن ومن الأشخاص الذين حققوا بعض المكاسب الشخصية والمادية بحسب المواقف"، قاصداً جبهة القوى الاشتراكية، التي تأسست سراً في العام 1963 بقيادة الراحل حسين أيت أحمد، قبل أن تنال اعتمادها في العام 1989 بعد إقرار أول دستور تعدّدي في البلاد.
ويشكل ما نقله التلفزيون الرسمي على الرغم من عدم نسبه التعليق إلى أي مصدر، وجهة نظر جهة نافذة في السلطة، تحاول تمرير رسائل على الساحة السياسية، تقول بعدم "تنزيه" كل شخص وتجنيبه المحاسبة إذا تعلق الأمر بتهم تُعد بمثابة مسٍ بالمؤسسة العسكرية، وثانياً الاستعداد لكتابة تاريخ رسمي بوقائع جديدة.
 
خصومة مع بومدين ثم تشكيك في حكم بوتفليقة
 
آخر ظهور علني للخضر بورقعة، كان ضمن تجمع لـ "قوى البديل الديمقراطي" منتصف الأسبوع الماضي، استعاد خلاله الرجل ذكريات من قناعاته بخصوص مآلات الحكومة في العام 1962 حين دبّ الخلاف بين مَن يسميهم "جماعة وجدة" بقيادة الرئيس الراحل هواري بومدين ورفيقه الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، وبين ساسة المجلس الانتقالي من أصحاب فكرة "أولوية السياسي على العسكري".
إسقاطات بورقعة في تلك المداخلة التي استغرقت نحو خمس دقائق، قارنت بين "ميليشيات العام 62 وبين الجيش الجزائري في الفترة الحالية"، ما كلّفه تهمة "إضعاف الروح المعنوية للجيش"، وتهمة ثانية هي "إهانة هيئة نظامية".
ووفقاً لبيان للعدالة، فإن بورقعة ملاحَق، أولاً بنص المادة 75 من قانون العقوبات الذي "يعاقب بالسجن المؤقت من 5 إلى 10 سنوات كل مَن يسهم وقت السلم، في مشروع لإضعاف الروح المعنوية للجيش يكون الغرض منه الأضرار بالدفاع الوطني وهو عالم بذلك"، وثانياً بنص المادة 146 "معدلة" والتي تُطبَق "على الإهانة أو السب أو القذف الموجه بواسطة الوسائل التي حددتها المادة 144 مكرر ضد البرلمان أو إحدى غرفتيه أو ضد الجهات القضائية أو ضد الجيش الوطني الشعبي أو أي هيئة نظامية أو عامة أخرى" العقوبات المنصوص عليها في المادة المذكورة أعلاه وفي حالة العود تضاعف الغرامة.
وكان بورقعة على خصومة مع بومدين، وسُجن لهذا السبب سنوات عدة نهاية الستينيات، كما اشتهر بتوقيعه بياناً لـ19 شخصية جزائرية في العام 2019، بقيادة الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون، كان مضمونه استفساراً عن "الجهة الحقيقية التي تقود البلاد؟" في تلك الفترة. وانسحب بورقعة لاحقاً من قائمة الموقّعين بدعوى أن "نية البيان لم تكن كما صوّره له أصحابه في البداية".
 
لا حدود في المرحلة الجديدة
 

بقدر ما كانت "هالة القدسية" تحيط بنشاط بورقعة في الثورة التحريرية، بقدر ما كانت الصدمة كبيرة بين المراقبين نظراً إلى المفاجأة في خبر اعتقاله، ثم نعته بأوصاف تكاد تقترب من "حركيي" الثورة التحريرية، وهم فئة من الجزائريين تعاونت مع جيش الاستعمار الفرنسي.
وتعكس "فظاظة" التعليق الرسمي، استعداداً كاملاً من السلطة القائمة حالياً، لقلب موازين كثيرة، سواء تعلق الأمر بسحب الحصانة عن كبار المسؤولين مثلما كان الأمر مع سجن كل من السعيد بوتفليقة (شقيق الرئيس المستقيل)، الجنرال توفيق (محمد مدين، قائد الاستخبارات السابق)، ورئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، أو التعامل بـ "حدة" مع تصريحات تطاول المؤسسة العسكرية.
وصرّح المؤرّخ محمد الأمين بلغيث حول ما إذا كان يُعتقد بوجود نية لكتابة التاريخ الرسمي من جديد، أنه "لو يُفتح ملف أرشيف الفترة الاستعمارية والثورة التحريرية، فالأمر أشبه بحرب أهلية"، ويُعتقد أن "أي مسألة تتعلق بالتاريخ يجب أن تُسند إلى مؤرخين وأكاديميين".
ويختلف المحلّل السياسي عيسى منصور مع طرح بلغيث، فيقول إن "المجاهد لخضر بورقعة مرجع من مراجع التاريخ وشاهد من شهود الثورة... أصبح اليوم منتحل شخصية ومن محاربي الجيش الفرنسي، هذا تشويه لرموز الثورة وهو مسار لن يخدم الوطن".
ويُخشى أن تستعين السلطة القائمة بمنطق "القوة" في إعلان تاريخ رسمي جديد، كما كان الحال في أيام بوتفليقة، حين ألغت الجزائر مثلاً احتفالات 19 يونيو، التي ترمز رسمياً إلى "تصحيح ثوري" أجراه الرئيس السابق هواري بومدين ضد حكم أول رئيس للجزائر المستقلة، أحمد بن بلة.
ويطالب مؤرخون جزائريون، أن تؤول كتابة التاريخ في حال اتُخذ قرار بذلك إلى أكاديميين، بعيداً من العواطف والشحن التي ميّزت العلاقة بين ولايات تاريخية إبان الثورة التحريرية.

المزيد من العالم العربي