Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متى تدخلت الملكة إليزابيت الثانية في السياسة؟

كانت تزعجها قيادة تاتشر "غير المكترثة" بمستقبل بريطانيا وأيدت حملة "لا" لاستقلال اسكتلندا

يقال إن دورها كان رمزياً لكن كان لها الأثر الشديد داخل بريطانيا وخارجها (أ ف ب)

سوف يبقى اسم الملكة إليزابيث الثانية يتردد طويلاً في الإعلام والأروقة السياسية والاجتماعية، ربما لأنه لا يوجد على سطح الأرض من لا يعرف الملكة، تلك السيدة الأنيقة الهادئة الغامضة، التي شغلت العالم منذ توليها العرش سواء بأزيائها وقبعاتها وابتسامتها، أو بحرصها الشديد على التقاليد، أو رحلاتها وأسلوب حياتها.

أبقت التاج البريطاني على رأسها كأطول فترة خلال 1200 عاماً، ملكة على ست عشرة دولة ورئيسة منظمة الكومنولث التي تضم 56 بلداً، طبعت صورتها وحفرت على أكثر من 23 مليار ورقة وقطع نقدية داخل المملكة المتحدة و33 من دول الكومنولث، وصدر حتى اليوم أكثر من 220 مليار طابع بريدي ممهور برسمها.

تلك الملكة التي بقيت على سدة العرش لمدة قاربت 71 عاماً و127 يوماً، حيث تولت الحكم في السادس من فبراير (شباط) 1952، عرفت كيف تتعامل بدبلوماسية مع دول وقادة، تذكر كعنوان للنشيد الوطني البريطاني "ليحفظ الله الملكة"، وكانت شاهدة على تحولات كبيرة داخل العائلة الملكية البريطانية، وكذلك على أحداث تاريخية كبيرة داخل بريطانيا وكذلك في العالم.

يقال إن دورها كان رمزياً، لكن كان لها الأثر الشديد داخل بريطانيا وخارجها، حيث تميزت بالانفتاح على العالم، وخلال فترة توليها العرش عاصرت عديداً من الملوك والقادة والزعماء الغربيين والعرب، وشهدت  استقلال جميع الدول العربية، كما عاصرت 13 رئيساً أميركياً، هذه الملكة قد لا تتكرر في التاريخ.

عاشت لأجل العرش

تحلت الملكة إليزابيث الثانية بقدر عال من المسؤولية، وينقل عن ونستون تشرتشل قبل توليه رئاسة الوزراء قوله إن "ملامح السلطة ظاهرة عليها بشكل مدهش"، وبالفعل أسهمت إليزابيث وشقيقتها الصغرى مارغريت في "المجهود الحربي" بحياكة الجوارب أو صنع الضمادات للجنود البريطانيين، خلال الحرب العالمية الثانية.

في عام 1940، وكانت بعمر 14 سنة، وجهت إليزابيث خطابها الإذاعي الأول لجميع أطفال المملكة، ومنحت عام 1942 رتبة عقيد قائد فخرياً بعد التحاقها بصفوف "رماة القنابل" وهي إحدى فصائل المشاة في الحرس الملكي.

وعلى الرغم من رتبتها العسكرية لم تتردد في مباشرة العمل، فتعلمت قيادة السيارات وتسلمت العمل كميكانيكي، وقامت بنفسها بإصلاح سياراتها الشخصية حتى سنوات الثمانينيات، وكان الجميع يعرف ولعها بالسيارات والقيادة بالسرعة القصوى على مدى حياتها في الطرق الصغيرة المحيطة بقصر بالمورال في اسكتلندا.

كما أثبتت مهارتها في اللغات وقامت بدراسة معمقة في التاريخ الدستوري على الرغم من تعليمها المنزلي، وكرست حياتها للعرش ولشعبها، لكن هل من المعقول أنها لم تتدخل في الحياة السياسية؟ وهل كان للملكة رأي سياسي؟

ملكة دستورية

إليزابيث الثانية هي ملكة دستورية لا تملك مسؤوليات سياسية أو أدواراً، لا بل أكثر من ذلك فإن مسؤوليتها هي بالبقاء بعيداً من أي موضوع قد يبدو سياسياً، وهذا الأمر يعود إلى عام 1649 حين فقد الملك تشارلز الأول رأسه عقب الحرب الأهلية الإنجليزية التي اندلعت بين القصر والبرلمان، حيث  حصر الدور الدستوري لملوك بريطانيا تدريجاً إلى "تمثيل الدولة بأكملها"، والابتعاد عن السياسة وتفاصيل صنع القرار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الأساس إن أي موقف للعائلة المالكة يتطلب دعم البرلمان وبما يتفق عليه رأي أغلبيته، من هنا جاء سبب تعطيل قدرة قصر باكينغهام والملكة إليزابيث الثانية خلال فترة حكمها الطويلة، عن التدخل في الشؤون السياسية، لكن هذا لا يعني أن الملكة الراحلة لم تكن لديها توجهات وآراء سياسية، وهذا ما جاء على لسان عديد من رؤساء الحكومات البريطانية، حيث استذكروا النصائح والآراء السياسية التي كانت تقدمها في الاجتماعات والتي كانت تعقد أسبوعياً.

لكن أحيطت تلك المشاركات والتعليقات السياسية بالكتمان والسرية، أيضاً لأن إليزابيث الثانية كانت مصممة على الحفاظ على التقاليد الحديثة للملكة البريطانية بالبقاء بعيداً من السياسة، وقامت بهذا الدور بنجاح كبير، إذ حظيت باحترام جميع الأحزاب السياسية، لذا الجميع لا يعرف عنها شيئاً تقريباً إلا ولعها بتربية الكلاب والخيول.

"قائد الدولة والشعب"

لكن قد لا يعرف كثيرون أن الملكة لعبت دورين مختلفين تماماً، بحسب تقرير لشبكة "سي أن أن " فبراير 2019، فهي تعرف بأنها "قائد الدولة"، بتعيينها رؤساء الحكومات وافتتاح البرلمان واستقبال الوفود الخارجية. أما الدور الثاني الذي لعبته فهو "قائد الشعب"، وهو الدور الذي تعاظم مع مرور السنين وأجادت إليزابيث الثانية لعبه بجدارة.

أيضاً من مهمات الملكة التركيز على الهوية الوطنية والاتحاد والكرامة، وإعطاء الشعور بالاستقرار والاستمرار، وفعلياً هي تقوم بالتدخل عندما تحتاج إليها البلاد في أوقات الأزمات والاحتفالات.

وأحياناً أخرى كانت تتدخل عندما تشعر أنه يجب عليها ذلك في شؤون قد تعد سياسية، لكن مع هذا هناك أمور تدخلت فيها عمداً، أحدها أثناء حملة سبقت الاستفتاء على الاستقلال في اسكتلندا عام 2014، أخبرت إليزابيث شخصاً خارج الكنيسة عند انصرافها أنها تأمل في "أن الناس سيفكرون بحذر في المستقبل".

وكانت تلك إحدى اللحظات النادرة من الصراحة، خصوصاً أنها كانت محاطة بالإعلاميين وكانت تعلم جيداً أنهم سيلتقطون أي كلمة تتفوه بها، وصحيح أنها لم تتدخل في ما إذا كان على الناس التصويت مع أو ضد الاستقلال، لكنها حثتهم على أن يفكروا بحذر خلال التصويت، قبل أن يقرر الناخبون بأغلبية تجاوزت 55 في المئة آنذاك الاستقلال عن المملكة، واعتبرت تعليقاتها بمثابة تأييد لحملة "لا" في ذلك الوقت، لذا فهي تدخلت، لكن ليس بطريقة سياسية.

المرة الثانية التي تدخلت فيها سياسياً، هي في الموضوع الأكثر جدلاً في أوروبا أخيراً وهو "بريكست"، حيث اشتعل نقاش غاضب جداً داخل البرلمان البريطاني وكان أمام طريق مغلق، حول ما إذا كان على بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي أم لا، وما هي الشروط المتوجبة.

توجهت الملكة حينها إلى مجموعة نسائية في ساندرينغهام الإنجليزية، وقالت إن الناس سيحترمون وجهات النظر المختلفة، وسيسعون للوصول إلى حل وسط، حدث هذا في خضم النقاش الغاضب الذي كان يشتعل داخل أروقة البرلمان، وكان الموضوع يخضع لنقاش وطني جاد على صعيد أراضي المملكة المتحدة، وكانت الملكة حينها تسعى لتهدئة الأمور والعودة إلى وضع سياسات بالتراضي.

تدخلات قيل عنها سياسية

بحسب موقع "Huffington Post" الأميركي، فإن علاقة إليزابيث الثانية برئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر كانت متوترة وحادة، لكن التوترات تصاعدت عندما قيل إن الملكة منزعجة من أسلوب قيادة تاتشر "غير المكترث" بمستقبل البلاد.

وقد بدأت تداعيات الخلاف بينهما عندما رفضت تاتشر دعم العقوبات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، الذي كانت الملكة تخشى أن يقوض صلاحيات انضمام الدولة للكومنولث عام 1986، ومع ذلك رفض قصر باكينغهام في وقت لاحق التقارير التي تناولت خلافات الملكة مع تاتشر ووصفها بأنها "بلا أساس من الصحة".

كما نقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن المحامي الشخصي للعائلة الملكية ماثيو فرير قوله، إن عملاءه من العائلة المالكة كانوا قلقين بشأن قانون مصمم للسماح لمديري الشركات معرفة هويات المساهمين، ولو كان تم تمرير هذا القانون في مسودته الأصلية، لكان بإمكانه الكشف عن المكان الذي استثمرت فيه الملكة السابقة إليزابيث الثانية أموالها، وساعد في تتبع صافي ثروتها.

وكشفت وثيقة حكومية رفعت عنها السرية أن المحامي أخبر وزارة التجارة والصناعة أن موكليه أخذوا القضية "على محمل الجد"، وأضاف المحامي حينها "يعد أي إفصاح عن الملكية النفعية للأسهم من قبل التاج، حتى لو اقتصر على أعضاء مجلس إدارة الشركات، أمراً خطيراً بسبب مخاوف التسريبات"، وبالفعل تم تغيير القانون بحيث يعفى رؤساء الدول، بمن فيهم الملكة طبعاً.

بدوره، كشف مراسل إذاعة "بي بي سي" البريطانية فرانك غاردنر عام 2012، أن الملكة إليزابيث الثانية أخبرته أنها فوجئت بأن رجل الدين الإسلامي المتطرف أبو حمزة لا يزال حراً، واعتذر الصحافي في وقت لاحق عن الكشف عن تصريحات الملكة.

وعندما زار الرئيس الصيني بريطانيا عام 2015 تحدثت الملكة إلى رئيس شرطة لندن، وكان يشرح لها مدى صعوبة تنظيم زيارة الدولة للرئيس الصيني، والتقطت عدسات الكاميرات الملكة وهي تصف بعض المسؤولين الصينيين بأنهم "وقحون للغاية".

وفي ما يخص حملة التطعيم ضد وباء "كوفيد-19" تناقلت الصحف العالمية عام 2021، مشاركة الملكة التي كان عمرها آنذاك 95 سنة، تجربتها عند تلقي اللقاح مع مسؤولي الصحة الذين كانوا يروجون لتلقي اللقاح في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وقالت إن التطعيم "لم يؤذ على الإطلاق" وكان "سريعاً جداً"، وشجعت أولئك الذين يترددون في تلقيه في "التفكير في سلامة الآخرين". وبحسب موقع "CBS" للأخبار، أضافت الملكة حينها "بمجرد حصولك على اللقاح ستشعر أنك محمي، وهو على ما أعتقد مهم جداً".

وكاد يحدث شرخ في العلاقة بين الملكة والشعب البريطاني عند وفاة الأميرة ديانا، الزوجة السابقة للأمير تشارلز في الـ 31 من أغسطس (آب) 1997، فلم تنكس الأعلام حداداً بقصر باكينغهام، واستقبلت الملكة الخبر ببرود، هذا ما أحدث هوة بينها وبين البريطانيين، حتى إن صحيفة "ذا صن" عنونت "أرنا أن لدى آل وندسور (العائلة الملكية البريطانية) قلباً"، في إشارة واضحة إلى الملكة.

المزيد من تقارير