مئة عام على معاهدة فرساي... سبيل إلى السلام أو طريق إلى الحرب؟

يُنسب إلى الاتفاقية وضعها نهايةً رسمية للحرب العالمية الأولى غير أنّ إرثها أكثر تعقيداً بكثير

قصر فرساي حيث أُبرمت المعاهدة في ختام الحرب العالمية الأولى (أ.ب.)

أوّل ما يلفت انتباه الواصلين إلى مدينة أراس الفرنسية اثناء مغادرتهم محطة القطار هو نصب تذكاري للحرب على شكل ملاكٍ مجنّح يحمل رسالة محفورة في الصخر فيما يمكن للمرء قراءة حروفها من أوّل الباحة وهي رسالة صارخة أكثر من أيّ معلمٍ آخر من هذا النوع وعليها كُتب: "أطفال أراس ماتوا للدفاع عن الحقّ". فالمدينة الفرنسية الشمالية التي كانت تبعد ستّة اميالٍ فقط عن خطوط التماس في الحرب العالمية الأولى أصبحت أنقاضاً.

وشهدت السنوات الخمس الماضية سلسلة من الاحتفالات المئوية المتعلقة بالحرب العالمية الأولى: من اغتيال فرانس فرديناند الذي أشعل شرارة النزاع مروراً بالمعارك الدموية واتفاق الهدنة الذي تمّ توقيعه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1918. طُبعت غالبية الاحتفالات السنوية بإحياء ذكرى أهوال تلك الحرب. غير أنّ توقيع معاهدة فرساي - التي تبلغ اليوم في 28 يونيو (حزيران) 2019 مئويتها الأولى- يحمل إرثاً أكثر تعقيداً.

لا يعوّل الموقّعون على هذه المعاهدة على إقامة عرضٍ كبير لاستذكار المناسبة: فالدول المعنيّة أكثر من سواها، أي فرنسا وألمانيا، تقومان الآن بحلّ خلافاتهما في المجلس الأوروبي وتفضّلان أن تضعا جزءاً من تاريخهما وراءهما. غير أن أراس تحتفل بهذا التاريخ من خلال عرضٍ ينظّمه قصر فرساي نفسه ويستضيفه متحف الفنون الجميلة في المدينة.

ويقول فريدريك لوتورك عمدة المدينة "كانت أراس مدينة الشهداء. دُمّرت بالكامل خلال الحرب العالمية الأولى. وقد تحوّلت الكاتدرائية ودير سانت فاست اللذين أصبحا موقع متحف الفنون الجميلة حيث أقيم المعرض إلى رمادٍ خلال الحرب. أربكت هذه الكارثة العالم بأسره، واستُخدم جزء من الأموال المخصصة لتعويضات الحرب التي نصّت عليها معاهدة فرساي لإعادة إعمار المدينة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قلّة هي الاتفاقيات الدولية التي تحمل أسماء مألوفة، ولكن بعد مرور قرنٍ على توقيع المعاهدة - والتي فرضت من خلالها القوى الحليفة شروطاً قاسية على ألمانيا المهزومة- لا زالت تلوح الكثير منها في ذاكرة الشعوب. فما زال طلاب المدارس في الدول حول العالم يُدرّسون بأنّ اتفاقية العام 1919 أنهت رسمياً الحرب العالمية الأولى ولعبت دوراً كبيراً في اندلاع الثانية من خلال فرض تعويضات الحرب وضمّ الأراضي فضلاً عن نزع السلاح غير القابل للتنفيذ ولكن المهين.

ومن الشائع اليوم أن يتمّ استذكار معاهدة فرساي في مناقشات السياسة الخارجية الحديثة بمثابة تحذيرٍ من التاريخ: ففي مارس (آذار) من العام الجاري، فاجأ نايجل فاراج الجميع من خلال تشبيهه المعاهدة باتفاقية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) مقترحاً أنّ الاتفاق كان قاسياً للغاية وسيعمّق المرارة المستمرّة أو ما هو أسوأ بعد. كما شبّه معلّقو السياسة الخارجية انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق النووي مع إيران إلى اتفاقية 1919 - قائلين أنّ المقاربة العدائية للرئيس تحمل خطر التصعيد. ولكن في المقلب الآخر، عندما يودّ الأشخاص أن تكون بنود اتفاق ما أكثر صرامة، يتطرّقون إلى معاهدة وتهدئة ميونيخ عام 1938- على غرار ما فعل ديك تشيني في الاتفاق الإيراني عام 2016. يبدو أنّ هنالك مرجعاً للحرب العالمية في كلّ شيء.

في وقت توقيعها، كانت المعاهدة مثيرة للجدل فوراً: ففي كتابه الأكثر مبيعاً عام 1919 بعنوان "التداعيات الاقتصادية للسلام"، رسم الاقتصادي جون مينارد كينز، الذي عالج بعدها نتائج الحرب العالمية الثانية- صورة لوثيقةٍ خطّها مؤتمر مليء بالمجانين.

وكتب عن قمّة السلام التي وضعت مسودّة الاتفاق: "كانت باريس بمثابة كابوس وكان كلّ من فيها كئيباً. وكأنّ الشعور بالكارثة الوشيكة يتفوّق على المشهد التافه: عدم جدوى الإنسان وصغره أمام الأحداث الكبرى التي تواجهه والمعنى المختلط وعدم واقعية القرارات - وقاحة وعمى وتعجرف تتخالط كلّها مع والصرخات المشوشة من الخارج. كانت كلّ عناصر التراجيديا القديمة موجودة هناك."

ويُظهر رسمٌ أنجزه فنّان الحرب في الحكومة البريطانية وليام أوربن الذي طلب منه متحف الحرب الامبراطوري تصوير توقيع المعاهدة - الموقّعين يصبحون أقزاماً تافهين بفعل ضخامة قاعة المرايا في قصر فرساي. وعكَس أوربن، الإيرلندي الأصل الذي أمضى السنوات الأخيرة في رسم كومات الجثث قرب الجبهة الغربية، كرهه للمؤتمر والحاضرين فيه - محتجّاً على قلّة احترامهم للمعاناة التي تسببت فيها الحرب. في رسمه لحفل التوقيع، الذي أعيد إنتاجه في معرض أراس، يصور الرسّام الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون وهو يلقي نظرة على صحيفته، غير مهتم بالأمر برمته. علماً أنّ مجلس الشيوخ الأمريكي رفض لاحقاً التصديق على المعاهدة.

ولكن، لم يكن مشهد التوقيع عمل أوربن الأكثر صعقاً ولا الرسم الأكثر جدليّة لمؤتمر باريس: ففي رسمه الأخير لفرساي، أمضى ما يقارب التسعة أشهر في خطّ التفاصيل المضنية لكبار السياسيين والجنود في قاعة السلام Hall of Peace في القصر قبل أن يدفع به القرف إلى الرسم فوق وجوههم مغطياً صورهم برسمٍ نعشٍ مغطّى بعلم الاتحاد يحرسه جنود بريطانيون هزيلين ومصدومين وشبه عراة. وقد قام لاحقاً بتغطية الجنود بالطلاء.

في معرض شرحه لقرار الرسم على التكوين الأصلي للوحة عام 1923 قال: "لم أتمكّن من مواصلة الرسم. بدا ذلك غير مهمّ أبداً أمام الحقيقة لأنني شاهدتها وشعرت بها عندما كنت أعمل مع الجيوش". رفض متحف الحرب الامبراطوري قبول اللوحة آنذاك معتبراً أنّها ليست العمل الذي أوكل إليه القيام به. ولكن على الرغم من إهانتها من قبل النقاد الفنيين بسبب موضوعها وافتقادها للبراعة التقنية، لاقت رواجاً ساحقاً من قبل الجمهور لدى عرضها في لندن.

تمّ رسم المعاهدة التي أنتجها المؤتمر بالمعنى المفهوم لكن بشعورٍ غير مجدٍ للمظالم الصالحة وهي لا تزال معروضة في أراس وتجسّد "مدينة الشهداء" التي مات أطفالها في الدفاع عن الحرية. ولكن على الرغم من محتوى المستند المهين، افتقر إلى آلية التنفيذ وقد أثبت أنّه مزيج مرّ - استغلّه النازيون في وقتٍ لاحق خلال العقود التالية. غير أنّه مع ميل المؤرّخين إلى الاتفاق على أنّ فرساي شكّلت معاهدة سيئة، فإنّ التساؤل بشأن وضعها العالم على طريق الحرب المحتومة منذ لحظة توقيعها أمرٌ مفتوح على كافة الاحتمالات.

وتقول البروفسورة مارغريت ماك ميلان من جامعة تورونتو في محاضرةٍ ألقتها في متحف لندن ضمن فعاليات العيد المئوي: "أعتقد أنّ القصّة أكثر تعقيداً من ذلك." وتعتقد أنّه قد يكون من الظلم "إلقاء اللوم على الذين كانوا في الماضي لعدم معرفتهم بما سيجري." وتضيف قائلةً: "عشرون عاماً تفصل بين 1919 و1939 وتمّ اتخاذ العديد من القرارات ومنها ما لم يُتّخذ. أعتقد أنّه علينا احترام هذه السنوات العشرين وألا نراها فترةً فاصلة بين حرب وأخرى. أعتقد أنّه من المنطقي القول أنّ معاهدة فرساي ساعدت في خلق بعض ظروف الحرب العالمية الثانية ولكن أعتقد أنّه من الممكن القول أنّ أوروبا حظيت بخياراتٍ قبل ذلك وليس من الضروري أن تقوم بسلوك طريق الحرب."

بالفعل، تمّ بناء المعرض في أراس بشكلٍ يذكّر الزوّار بأنّ معاهدة فرساي لم تكن الوحيدة في الإخفاق بتجنّب حرب أوروبية أهلية أخرى. فلا يبدأ التسلسل الزمني بمؤتمر باريس - ولا حتى بالحرب العالمية الأولى، بل قبل 48 عاماً منها، في العام 1871. أنذاك، تمّ استخدام قاعة المرايا في قصر فرساي كموقعٍ لإعلان الامبراطورية الألمانية في مقرّ الامبراطورية الفرنسية الثانية التي هُزمت وأهينت في نهاية الحرب الفرنسية-البروسية. ننتقل سريعاً إلى العام 1919 حين كان خيار رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو لموقع التوقيع واعياً، نظرية متعمّدة للعين بالعين: وها نحن مجدداً هنا، ولكن هذه المرة نتولّى زمام الأمور بأنفسنا. لم تكن عدم قدرة أوروبا على إرساء سلامٍ مستدام من شأنه تجنّب اندلاع حرب بالأمر الجديد: فالشيء الوحيد الذي كان جديداً هو القدرة على قتل ملايين الأشخاص بواسطة الحرب الصناعية.

قد يكون المفهوم الرمزي للعين بالعين استمرّ: إذ رغب هتلر في استخدام فرساي موقعاً لمعاهدته القصوى مع القوى الحليفة المهزومة في حال فاز بالحرب العالمية الثانية. وكتب وزير الدعاية النازية يوسف غوبلز في مذكراته "من شأن احتفال معاهدة فرساي أن يشكّل نموذجاً لنا." لم تكن فرساي الاستثناء التاريخي بل ما حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وهنا تقول البروفسورة ماك ميلان "أعتقد أنّه علينا أن نسأل أنفسنا لماذا حظينا بسلامٍ مستدام بعد العام 1945 وهل أصبحنا أفضل في صنع السلام اليوم؟ أظنّ أنّ الجواب على الشقّ الثاني من السؤال سيكون: كلا لسنا كذلك".

© The Independent

المزيد من دوليات