بعد عقود من العزلة الدولية... "مجلس الأمن" يزور العراق

أشادوا بسياسة الحكومة وعلاقتها مع محيطها... ومتحدث الخارجية: لقاء تاريخي... ونكرس خطاباً جديداً

زار أعضاء مجلس الأمن الدولي العراق بناءً على دعوة من الحكومة العراقيّة (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة عقود، يزور أعضاء مجلس الأمن الدولي العراق، بناءً على دعوة من الحكومة العراقيّة، فمنذ الغزو العراقي بقيادة صدام حسين للكويت، تعرّضت بغداد لعزلة دولية وعقوبات صارمة ربما لا تزال تعاني بعضها حتى الآن.

صفحة جديدة
وصوّت مجلس الأمن الشهر الماضي بالإجماع لاعتماد القرار 2470 لتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) حتى الحادي والثلاثين من مايو (أيار) عام 2020، وعلى الرغم من حاجة بغداد إلى دعم المجتمع الدولي لمواصلة تعافيه من آثار (داعش)، فإن الدبلوماسية العراقية مصممةٌ على فتح صفحة جديدة مع المجلس، تخرجها من إرث النظام السابق.

وتتضمّن الزيارة التي انطلقت اليوم إجراء لقاءات مع رئيس الجمهوريّة الدكتور برهم صالح، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسيّ، ورئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهديّ، وممثلين عن حكومة إقليم كردستان العراق.

وأشاد أعضاء المجلس، حسب بيان الوزراء العراقي، "بسياسة الحكومة العراقية المتوازنة، وعلاقتها مع محيطها العربي والدولي"، مؤكدين "دعم سيادة العراق واستقراره".

زيارة تاريخية
بدوره قال الدكتور أحمد الصّحاف، المتحدث باسم الخارجية العراقية لـ"إندبندنت عربية"، "الزيارة تاريخية على المستوى الدولي، فهي تأتي في إطار مرحلة مفصليّة ومهمة جداً من عمر الديموقراطية بالعراق، ومؤسسات الدولة، وعلى مستوى الظرف الحسّاس في مجمل منطقة الشرق الأوسط".

يسعى العراق خلال السنوات الأخيرة إلى الخروج من سياسة المحاور الإقليمية عبر محاولة الإمساك بجميع أطراف معادلة الاستقطاب الإقليمي من دون إظهار الانحياز إلى طرف، خصوصاً إيران، فضلاً عن تطوير علاقاته بالمحيط العربي.

خطاب جديد
وأضاف "العراق ينتهج رؤية جديدة بإعادة موّضعة دوره في العلاقات الدولية، إذ يتبنى مسار الاعتدال والتوازن ودعم التهدئة والاستقرار على مستوى المنطقة، ويحذو حذو الدول المتقدمة في خطابه الدبلوماسي على المستوى الثنائي والمتعدد".

 

وتابع المتحدث، "الزيارة تؤكد أن العراق تجاوز محنته الاقتصادية، وانتصر على (داعش)، واستعاد أمنه وسلمه الأهلي، وباتت دبلوماسيته تكرس خطاباً جديداً".

وعن التزامات العراق الدولية قال الصّحاف "أوفينا بكل التزاماتنا، ودفعنا ثمناً كبيراً جراء مواقف ارتكبها النظام السابق، وشكّلنا انسجاماً جديداً في العلاقة مع دول العالم، وهو ما يعني أن بغداد باتت حاضنة أساسية على مستوى الدبلوماسية الإقليمية، واستضفنا وفوداً رفيعة المستوى من القوى الكبرى للعمل على التهدئة الإقليمية".

شهادة ثقة
وحول ما إذا كانت الزيارة تستهدف ما يمكن تسميته منح العراق (شهادة ثقة جديدة) بعد انتصاره على (داعش)، وعلاقته بالتصعيد الراهن مع إيران، قال "الزيارة بالفعل جاءت في سياق العراق القوي الآمن والمقتدر، الذي يبحث عن مصالحه كوطن وشعب ومؤسسات دولة، وفي إطار الوعي بدستوره وقوانينه النافذة، والبحث عن قاعدة شراكات استراتيجية متعددة قوامها الدوائر الاقتصادية المتنوعة، التي تستند إلى مبدأ الخطاب الدبلوماسي المعتدل والمتوازن، وخطاب كهذا يؤشر إلى إمكانية أن يدعم العراق، ويسند بمسارات أوضح وأقوى من قبل القوى الفاعلة، وهو ما يمهد أيضاً لمرحلة ما بعد (داعش) في العراق، وهي مرحلة الاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية والاستثمار".

الحياد الإيجابي
وحول مدى تأثر العراق بالتصعيد في المنطقة، وهو ما تبعه من تحريض آلاف العراقيين الذين شاركوا في التظاهرات، التي وصلت إلى اعتدائهم على سفارة البحرين ببغداد، أشار إلى أنه "على مستوى التصعيد والحرب الكلامية التي تشهدها المنطقة، فإن الخارجية العراقية تسجّل موقفها المتوازن والمحوري تجاه هذه القضايا، ونحن ملتزمون بالحياد الإيجابي، بمعنى أننا نعمل على تعزيز وتكريس كل مكتسبات العراق التي تحققت طيلة سنوات مضت، وفي الوقت نفسه لن ندّخر أي جهد في أن نكون طرفاً فاعلاً في دعم مسارات التهدئة والتوازن والحوار".

 

وتابع، "هذه المنطقة الحسّاسة من العالم إذا قدّر لها أن تكون آمنة ومستقرة فإن هذه الرؤية ستنعكس على كل شعوبها أمناً واستقراراً، وأمن العراق من أمن جيرانه، والعكس صحيح أيضاً، وعلى هذا الأساس نؤسس منطقاً معتدلاً، فيه وعي مشترك مع كل الأطراف، ونبحث مع الجميع كل التحديات والفرص التي تؤسس قواعد حل الأزمات، وبشكل يمهد لحوار سياسي هادئ لتجاوز المحنة الراهنة".

وأضاف، "بالنسبة إلى ما وقع تجاه سفارة البحرين في بغداد، فقد صدرت إدانة صريحة لما جرى، وعبّرت الخارجية العراقية عن موقفها تجاه ما حدث، الذي يُعلي الالتزام بالاتفاقات الدولية، التي تنص على حماية البعثات الدبلوماسية، كما أجرى الدكتور محمد الحكيم وزير الخارجية اتصالاً بنظيره البحريني الشيخ خالد بن أحمد، واتفق الطرفان على دعم جهود احتواء أي من التصرفات، التي من شأنها أن تعقّد المشهد، وكان حواراً منسجماً مع الوعي بالمخاطر والتحديات".

إعمار العراق
وفيما يتعلق بإمكانية التنسيق مع أعضاء مجلس الأمن في قضايا معينة تهم العراق، قال "الموضوعات التي تُبحث خلال الزيارة عراقية، تتصل بدعم مؤسسات الدولة وجهود بغداد في مسار الإعمار والتنمية للخروج من الآثار التي خلّفتها عصابات داعش الإجرامية، ودعم جهود خطاب الدبلوماسية العراقية، لكي يستعيد العراق دوره الفاعل في المنتديات والمحافل الدولية، وكذلك لن نستثني الجهود التي تُبذل من جانب الأشقاء والأصدقاء والشركاء، وتأكيد أهم المبادئ التي من شأنها أن تُعين وتدعم العراق للخروج من محنته".

من جانبه قال رئيس الوزراء العراقي، في تصريحات صحافية، إن "سياسة بلاده الخارجية قائمة على عدم الدخول في سياسة المحاور والتركيز على المشتركات الكثيرة، التي تجمع بغداد مع الدول المجاورة والإقليمية، وبما يحفظ الأمن والاستقرار، ويحقق مصالح وازدهار جميع شعوب المنطقة، ويجنّبها التوترات والأزمات والحروب، وأن هذه العلاقات المتوازنة تحقق مكاسب للعراق وشعبه، كما أكد "موقف بغداد المعلن من الأزمة الإقليمية الحالية".

يذكر أن الزيارة تكتسب رمزية خاصة، إذ تجيء خلال رئاسة الكويت مجلس الأمن حالياً.

وحسب بيان مجلس الوزراء العراقي، فإن أعضاء مجلس الأمن أكدوا دعم العراق وسيادته ووحدته واستقراره، وبحث استمرار التعاون والتنسيق وتعزيز عمل بعثة الأمم المتحدة في المجالات الإنسانية وشؤون النازحين وإعمار المناطق المحررة وقضايا المرأة والطفل.

وقال رئيس مجلس الأمن السفير الكويتي منصور العتيبي، "سعداء بهذه الزيارة التاريخية، وجئنا للتعبير عن دعمنا العراق ووحدته وسيادته ولتقديم التهاني بتحقيق الانتصار على (داعش)، وتأكيد أن المجتمع الدولي يقف إلى جانبكم وندعم الشراكة وجهود البعثة الدولية في العراق، التي تعمل بموافقة الحكومة العراقية وبالنجاحات التي تحققها في مختلف المجالات، ونرحب بمبادرة الحكومة العراقية تحسين العلاقات مع الدول المجاورة ومحيطها العربي والإقليمي والدولي".

المزيد من دوليات