Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفاصيل تصفية شركة الكوك المصرية بعد 62 عاما من الإنتاج

بينما يرى البعض أن القرار صائب لوقف نزيف الأموال المهدرة فإن آخرين يؤكدون أنها حققت أرباحاً ولم تكن عبئاً

على مدار 25 عاماً جرت خصخصة وبيع 282 شركة مصرية بحصيلة إجمالية 2.75 مليار دولار أميركي (الموقع الرسمي لشركة الكوك) 

زخم لم ينقطع بعد على مدار الساعات الماضية بعد قرار الجمعية العامة لشركة النصر للكوك المصرية تصفيتها بعد مرور أكثر من 62 عاماً على تأسيسها، فبين مؤيد للقرار ومعارض له بدأ الاختلاف بين الفريقين على أغلب المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، وكان السؤال الأبرز ما مقاييس التصفية عند الحكومة المصرية؟

بداية أزمة التصفية في القاهرة كانت قبل 31 عاماً عندما بدأت الحكومة المصرية في عام 1991 برنامجاً لإعادة هيكلة وتطوير شركاتها العامة عرف إعلامياً بـ"الخصخصة"، ارتكز على محاور عدة رئيسة، كان محورها الرئيس ينصب على إعادة هيكلة الشركات التي تسجل خسائر، وضخ استثمارات لإعادتها إلى المسار الصحيح، بينما المحور الثاني يشمل الشركات التي يمكن تطويرها بمساعدة القطاع الخاص، ويتم بيعها لمستثمر رئيس استراتيجي أو طرح أسهمها في سوق الأوراق المالية، وفي المقابل ارتكز المحور الثالث على التخلص من الشركات الخاسرة، ولن يخرجها التطوير من نفق الخسائر المظلم.

برنامج الخصخصة

ولنقل عبء الشركات العامة سواء الرابحة أو الخاسرة من كاهل الموازنة العامة للدولة دشنت الحكومة المصرية في عام 1991 قطاعاً جديداً، يضم تلك الشركات تحت مظلته بعد إصدار القانون رقم 203 لسنة 1991، ليضم تلك الشركات تحت مسمى جديد "قطاع الأعمال العام"، ويكون تحت حوزته أكثر من 300 شركة عامة.

وعلى مدار 25 عاماً جرت خصخصة وبيع 282 شركة بحصيلة إجمالية 53 مليار جنيه (2.75 مليار دولار أميركي)، سواء عن طريق بيع الأغلبية (لمستثمر رئيس استراتيجي) لـ38 شركة بإجمالي ستة مليارات جنيه (312 مليون دولار)، على غرار بيع شركتي أسمنت (بورتلاند - العامرية)، أو بيع أقلية بحصيلة 11 مليار جنيه (571 مليون دولار) مثل شركتي (سيدى كرير أو الشرقية للدخان) أو التصفية.

ولم تكن العقبة التي واجهت الحكومة آنذاك في البيع أو الشراكة مع القطاع الخاص، بيد أن حجرة العثرة التي كانت في طريقها هي التخلص من الشركات التي لا جدوى من تطويرها بالتصفية، وما زاد من صعوبة مهمتها في تلك الفترة هي أن الشركات المختارة للتصفية شركات عريقة دشنت في الفترة الناصرية (فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر) وكانت تتمتع بشعبية طاغية لدى المصريين.

تصفية 34 شركة في 16 عاماً

وشهدت الفترة من عام 1993 وحتى قبل اندلاع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 تصفية نحو 34 شركة، كان أشهرها شركات "النصر للمراجل البخارية" و"فارسكو للأخشاب" و"النصر لصناعة الخشب الحبيبي" و"سابى" و"القاهرة للمنتجات المعدنية" و"مصر للألبان والأغذية" و"النيل للكبريت" و"مريوط الزراعية".

قرارات التصفية لم تمر مرور الكرام، إذ إن الدعاوى القضائية انهالت ضد الحكومة لإيقاف التصفية، وبالفعل نجح بعضها في الوصول إلى مبتغاها، إذ عادت شركتان إلى الحياة بعد قرار تصفيتهما، وهما النصر للسيارات وطنطا للكتان والزيوت، وهو ما تسبب في توقف القطار قليلاً قبل عامين من يناير 2011، ليظل قابعاً بتلك المحطة لسبع سنوات قبل أن يعاود رحلته من جديد مع تصفية شركة القومية للأسمنت في عام 2018، ثم شركة الحديد والصلب المصرية في عام 2021، وأخيراً أعلنت الجمعية العامة لشركة النصر للكوك والصناعات الأساسية تصفية الشركة الإثنين الماضي الرابع من سبتمبر (أيلول).

اقترن قرار تصفية "الكوك" بزخم إعلامي وضجت مواقع التواصل الاجتماعي المصرية بالأسئلة بين فريقين، فأحدهما يؤيد قرار التصفية بحجة إيقاف نزف الأموال المهدرة من الخزانة العامة للدولة لتطوير شركات خاسرة، وفي المقابل يزعم آخرون أن الشركة لا تنطبق عليها مواصفات التصفية، إذ إنها تحقق أرباحاً وتسهم في جلب عملة أجنبية لمصر.

وملكية شركة "النصر للكوك" تتوزع بين الشركة القابضة للصناعات المعدنية إحدى شركات قطاع الأعمال العام بنسبة 98 في المئة، بينما تحتفظ الهيئة العامة للتصنيع ببقية النسبة.

ليس لها منافذ تسويقية

بدأت "اندبندنت عربية" رحلة البحث عن الإجابة من صاحب فكرة التصفية وزير قطاع الأعمال السابق هشام توفيق، إذ إن قرار تصفية الشركات لا يتم سوى من خلال الجمعيات العامة للشركات، ولا يجوز لمسؤول أن يتخذ قراراً فردياً، أكد توفيق صحة وجدوى قرار التصفية بعد الإعلان رسمياً، "القرار صحيح 100 في المئة، كيف أضخ أموالاً واستثمارات في شركة لا تحقق عائداً يشفع لها. الشركة كان منفذها الوحيد لبيع الكوك هو شركة الحديد والصلب التي جرت تصفيتها بالفعل العام الماضي، وليس لها منافذ تسويق محلية أو إقليمية على الإطلاق".

وأضاف "الشركة تستورد خام فحم الكوك من كندا، ثم تبدأ عمليات التكويك (معالجة صناعية تحول خام الفحم ليكون وقوداً لأفران الحديد والصلب) داخل أفران الشركة، ثم تعيد التصدير مجدداً إلى كندا، فهل يعقل هذا؟ شركة بها ثلاثة أفران تضم أكثر من 1000 عامل هدفها الوحيد الاستيراد من كندا بكلفة مرتفعة والتصدير إلى الدولة نفسها بأسعار متدنية".

هل حققت أرباحاً؟

وفي الجهة المقابلة نفى رئيس شركة النصر للكوك سيد الطيب أن يكون قرار استمرار الشركة "غير مجد"، مؤكداً أن "الشركة لا تنطبق عليها الحيثيات والشروط التي حددها القانون قبل اتخاذ قرار التصفية"، موضحاً أن "القانون حدد أحد أمرين لتصفية الشركات، أولهما أن تسجل خسائر لمدة ثلاث سنوات مالية متتالية أو يتآكل رأسمالها"، لافتاً إلى أن "الشركة حققت أرباحاً صافية تخطت حاجز 40 مليون جنيه (مليوني دولار) في السنة المالية 2020-2021، وصدرت في بداية السنة المالية الحالية أكثر من 70 ألف طن".

وحول ما يقال عن عدم جدوى استمرار الشركة بعد تصفية شركة الحديد والصلب العام الماضي قال رئيس شركة النصر للكوك إن "هذا الكلام عار تماماً من الصحة"، مشيراً إلى أن "هناك معتقدات خاطئة تشيع أنها لا تمتلك منافذ تسويقية على غير الحقيقة، إذ إنها لديها أسواق محلية ودولية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن "شركات الحديد والصلب سواء بالقطاع الحكومي أو الخاص تستورد فحم كوك من خارج البلاد بما قيمته 150 مليون دولار، على الرغم من إمكانية الحصول عليه من شركة المحلية المملوكة للدولة بما يوفر على الدولة العملة الصعبة، والشركة لديها سوق محلية تتراوح من 300 إلى 500 ألف طن، ولو تمت الموافقة على تطوير الشركة ستصل الطاقة الإنتاجية لها إلى مليوني طن كوك سنوياً"، ولفت إلى أن "الشركة تمتلك أيضاً أسواقاً خارجية، إذ إن الحكومة الجزائرية طلبت التعاقد مع الشركة بعقد طويل الأجل لمدة 10 سنوات تستورد من القاهرة 500 ألف طن سنوياً".

ونفى رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية التي تتبعها شركة "الكوك" محمد سعداوي تحقيق الشركة أرباحاً صافية العام الماضي قدرها 40 مليون جنيه. وأوضح أن "مجلس الإدارة اعتمد موازنة الشركة في السنة المالية الماضية غير مدققة من الجهاز المركزي المصري للمحاسبات"، وأكد أنه "بعد مراجعة الجهاز تبين أن هناك مبالغة كماً وكيفاً من قبل الشركة في تقدير مخزون الإنتاج التام، وهو ما أدى إلى استبعاد هذا المخزون مما قلص الأرباح بقيمة 70 مليون جنيه (3.6 مليون دولار)، وأظهر القوائم المالية المدققة محققة خسارة قدرها 30 مليون جنيه (1.5 مليون دولار)".

ومن أغرب وقائع التصفية في مصر هو طول أمد تصفية الشركات، إذ إن بعض الشركات العامة يجري تصفيتها منذ عام 1997 وحتى الوقت الحالي ولم يتم الانتهاء من أعمال التصفية، كما أن شركة المصرية للجباسات والمحاجر والرخام "جيمكو" التابعة للشركة القابضة للصناعات المعدنية إحدى شركات القطاع التي تأممت خلال فترة الستينيات بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر، وفي عام 1998 تم اتخاذ قرار بتصفية الشركة ولم تنته أعمال التصفية حتى الآن.

من جانبه قال رئيس النقابة العامة للصناعات الهندسية والمعدنية خالد الفقي إن "قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 وتعديلاته في عام 2018 وضعت معايير وضوابط واضحة للسماح باستمرار نشاط الشركات الخاسرة من عدمه"، مؤكداً أنه "في حال تآكل حقوق الملكية بالشركة بالكامل يتم عرض الأمر على الجمعية العامة لزيادة رأسمالها لتغطية الخسائر المرحلة، وفي حال عدم زيادته وجب العرض على الجمعية العامة لتصفيتها أو دمجها بشركة أخرى إذا كانت هناك جدوى اقتصادية من ذلك الدمج".

حقوق العمال

وتابع رئيس النقابة العامة للصناعات الهندسية والمعدنية، أن "ما يهمنا في الوقت الحالي هو الحفاظ حقوق نحو 900 عامل من عمال الشركة بعد التصفية، بما لا يقل عما هو مقرر وفقاً لقانون العمل"، مشيراً إلى أن "المفاوضات ستبدأ خلال أيام مع وزارتي قطاع الأعمال العام والقوى العاملة للحصول على التعويضات اللازمة وحقوق العاملين بعد التصفية".

وفي المقابل، أكد وزير قطاع الأعمال العام محمود عصمت حرص وزراته على حقوق العاملين بشركة النصر للكوك، وأضاف في بيان رسمي أن "أجور العاملين ستستمر حتى صرف التعويضات بعد انتهاء المفاوضات مع ممثلي العمال"، مشيراً إلى "إمكانية الاستعانة بالعمالة الفنية الماهرة بنقلها من الكوك إلى الشركات التابعة وفق حاجاتها مع دراسة حالات الأمراض المزمنة الجسيمة لبحث سبل التعامل معها".

وأعلنت الجمعية العامة لشركة النصر لصناعة الكوك والكيماويات الأساسية قرار تصفية الشركة التي بدأت إنتاجها عام 1964 معتمدة بشكل كبير على تصدير منتجاتها إلى شقيقتها "الحديد والصلب" التي تعتمد بشكل أساسي على منتجات الشركة من فحم "الكوك" في تشغيل وتدوير أفرانها، وبعد أن استهلت إنتاجها معتمدة على بطارية واحدة تضم 50 فرناً بطاقة إنتاجية تصل إلى 328 ألف طن من فحم "الكوك"، دشنت الشركة بطارية أخرى بطاقة الأولى نفسها عام 1974 قبل أن يصل عدد البطاريات إلى أربع مع منتصف فترة التسعينيات.