Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تخبئ المرحلة المقبلة بالنسبة لجونسون والمحافظين المنقسمين

مزق حزب المحافظين نفسه وتاريخه خلال المعركة على الزعامة، فهل يستعيد عافيته وصدقيته في مقارعته أزمة غلاء المعيشة؟ هل لا يزال بوريس جونسون يحلم باستعادة منصبه على غرار ما فعل تشرشل؟

"أظنه مؤمناً فعلاً بأنها فظاظة منا ألا نعتبره استثناء من المفترض عدم إلزامه بمجموعة الواجبات التي يتقيد بها كل الآخرين". هذا ما كتبه مارتن هاموند أستاذ بوريس جونسون في كلية إيتون في رسالة وجهها إلى ستانلي والد جونسون، وفق ما ذكرته سجلات السيرة الذاتية التي ألفها آندرو غيمسون عنه. عندما يتناول المؤرخون إرث جونسون السياسي لن يختلف الكلام الذي سيستخدمونه كثيراً عما سبق. 

يعتقد بعض المحافظين أن إبرامهم "صفقة مع الشيطان" بحسب تعبيرهم كان مجدياً، ففي النهاية نجح جونسون في "إنجاز بريكست" (ما خلا بعض التفاصيل التي لم "تنجز" بعد، من قبيل بروتوكول إيرلندا الشمالية). ومع ذلك فإن سجل مسيرته السياسية لن ينحصر ببريكست وحدها، لأنه أرغم على الخروج من "داونينغ ستريت" بشكل مهين بعد انتهاكه المتكرر للقوانين التي تحكم معايير السلوك في الحياة العامة. تحولت صفاته التي جذبت حزبه وناخبين كثيرين إليه، باعتباره شخصية مناهضة لمؤسسات الحكم فرضت بريكست بالقوة، إلى نقطة ضعفه عندما سئمت الجهتان من التفافه على القوانين لحماية أصدقاء مثل أوين بيترسون وكريس بنتشر وإنكار أمور وقعت فعلاً، مثل إقامة الحفلات في "داونينغ ستريت" خلال فترة الإغلاق.

بعد رد الفعل السلبي تجاه ما حصل كنا لنتوقع من المحافظين السير في الاتجاه المعاكس، كما هي عادة الأحزاب حين يتغير زعماؤها، ولكن ذلك لم يحدث. كان من المفترض أن يكون ريشي سوناك مرشح التغيير، لما مثله من استقرار وكفاءة وعودة إلى السياسات المالية المحافظة، لكن أعضاء حزب المحافظين البالغ عددهم 160 ألفاً تبنوا خياراً مختلفاً، إذ فضلوا عليه مرشحة أخرى تشترك مع جونسون في صفات كثيرة، هي ليز تراس التي على رغم انضمامها إلى الحكومة قبل أن يصبح سوناك نائباً حتى، نجحت في تقديم نفسها على أنها صانعة التغيير وفي تصوير وزير الخزانة السابق على أنه يدعم إبقاء الأمور على حالها وانتهاج سياسات مالية "تقليدية".

وفي الوقت الذي طرحت فيه خيار التغيير قدمت تراس نفسها أيضاً على أنها "استمرارية لسياسة بوريس"، إذ أصابت في تقديرها بأن رئيس الوزراء المنتهية ولايته ما يزال يتمتع بدعم كبير وسط القاعدة الشعبية لحزب المحافظين، وقد اعتبر سوناك خائناً بسبب استقالته من منصب وزير الخزانة (وهي سمعة ظالمة لأن 60 وزيراً قدموا استقالتهم ولكنها لازمته مع ذلك). 

اتخذت المنافسة طابعاً من القسوة والانقسام المفاجئ، وتحدد هذا الاتجاه من خلال صدامات عنيفة خلال المناظرات التلفزيونية في بداية المعركة الانتخابية. ولم يتواجه المرشحان خلال 12 لقاء نظمه الحزب في إطار الحملة الانتخابية، إذ أجابا عندها بشكل منفصل على الأسئلة، لكن بحلول ذلك الوقت كان الضرر قد وقع فعلاً ولم يكن أي منهما ليتراجع عن كلامه. يضطر صحافيو الشؤون السياسية بالعادة إلى ممارسة ضغط كبير على فريق الحملة الانتخابية لمرشحي الزعامة لكي يحصلوا منه على تصريح يهاجم فيه المنافسين، لكن هذه المرة وصلتنا يومياً عبر البريد الإلكتروني تصريحات هجومية نارية مباشرة، وحتى عندما أصبح واضحاً أن سوناك يتوجه نحو الهزيمة، لم يخفف من شدة هجومه على تراس كما أمل فريقها أن يفعل، بل ازداد كلامه حدة. واتهم حلفاء تراس سوناك بممارسة سياسة "الأرض المحروقة" التي تهدد بتدمير الحزب.

أقلقت هذه الهجمات الداخلية "بين أعضاء الفريق الأزرق" [لون حزب المحافظين البريطاني] عديداً من نواب حزب المحافظين، كما منحت حزب العمال كنزاً يمكنه استخدامه في الانتخابات العامة المقبلة. وتندرج في إطار هذه الهجمات تحذيرات سوناك من احتمال معاناة ملايين في ظل حكم تراس من العوز بسبب الأزمة الاقتصادية، مما سوف يشكل "فشلاً أخلاقياً"، ومن أن "تخفيضاتها الضريبية غير الممولة" ستزيد التضخم فيما ستكبد الأجيال القادمة أعباء الديون بسبب سياستها في الاقتراض المتزايد. بعد 12 عاماً في السلطة أعطى المحافظون الانطباع بأنهم يحطمون سمعتهم بأنفسهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل تتمكن عائلة المحافظين من التلاقي مجدداً ومداواة جراحها؟ فهي تمتلك سلاحاً ليس في الحقيقة سرياً كثيراً لصالحها، هو الوحدة. حتى بعض منتقدي تراس سيمنحونها فرصة لإثبات نفسها، ليس من قبيل المصادفة أن الحزب مسك زمام السلطة طيلة 32 عاماً من الأعوام الـ50 التي مرت، و60 عاماً خلال القرن الـ20 المسمى "قرن المحافظين".

ومع أنها ورثت أمراً جيداً عن جونسون، وهو أغلبية تزيد على 70 مقعداً في مجلس العموم، ستواجه تراس تحدياً كبيراً في التحكم بنواب المحافظين، إذ لم يصوت لصالحها سوى 50 عضواً من الحزب البرلماني الذي يضم 357 عضواً في الجولة الأولى من انتخابات الزعامة، فيما فضل 88 منهم سوناك. وها قد هزمته الآن وكسبت تأييد 149 نائباً، مقابل 132 صوتوا لصالح سوناك بعدما قدم عدد من النواب دعمهم المتأخر لها، بهدف تعزيز فرصهم المهنية في أعقاب تصدرها استطلاعات الرأي، ولكن حتى الآن لم يعبر نحو 200 نائب من المحافظين علناً عن دعمهم لتراس، ومن بينهم أعداء قديمو العهد قد يصمون آذانهم عن مناشدات الوحدة.

لن يتسنى لبعض مناصري تراس أن يشاركوا في الحكومة عند اختيارها فريقها الوزاري، فالوظائف لا تكفي للجميع، وقد تعرض على بعض الشخصيات المخضرمة مناصب أقل شأناً من تلك التي يظنون أنهم يستحقونها. 

أما سوناك فسيصبح شخصية محورية، وهو ليس قائداً متمرداً بطبعه، كما كان جونسون الذي لم يتوان عن تقويض تيريزا ماي من أجل تعزيز طموحاته في تولي منصب القيادة، بعدما عاقبه أعضاء كثر من المحافظين بسبب قلة وفائه المزعومة، لن يرغب سوناك في مضاعفة هذه التهمة إن كان يأمل الترشح للزعامة في المستقبل. وقد ألمح إلى أن خلافاته مع تراس أعمق من أن تسمح له بالمشاركة في حكومتها، وعلى الرغم من إنكاره ذلك يتوقع منه بعض نواب المحافظين الانسحاب من السياسة. 

ربما يجد أعضاء فريق سوناك الذي شنوا هجمات عنيفة على تراس، مثل نائب رئيس الوزراء دومينيك راب، أنفسهم معزولين سياسياً. قد تسعى تراس لتوطيد العلاقة مع مناصري سوناك الذين لم يجاهروا بدعمهم له بشكل كبير أملاً بمد الجسور معهم، وسوف تحاول استقطاب المحافظين أعضاء تجمع "الأمة الواحدة" One Nation في حزب المحافظين [تيار وسطي محافظ لكنه أكثر "يسارية" اقتصادياً] عبر توزير توم توغندات، مع أن بعض مناصريه تفاجؤوا لدعمه تراس عند خروجه من السباق. 

 يحتمل أن ينظر المحافظون المعتدلون إلى الحكومة الجديدة على أنها إمعان في "التوجه نحو اليمين" وتكرار لأخطاء جونسون بسبب تعيين أشد الموالين بدل اختيار حكومة "تجمع المواهب" كما وعدت تراس. أزاح جونسون المحافظين الموالين للاتحاد الأوروبي مثل دومينيك غريف وديفيد غوك وروري ستيوارت وآمبر راد، واستمر هذا التوجه اليميني خلال السباق على الزعامة، ومن دواعي الاستغراب أن جماعة تراس لقبت سوناك المحافظ المؤيد لنهج تاتشر بالـ"اشتراكي". من غير المحتمل أن يتحمس الناخبون لاختيار برنامج يميني في الانتخابات المقبلة، حين لن يكون بيد تراس الورقتين الرابحتين اللتين امتلكهما جونسون في عام 2019، قضية بريكست الراهنة حينها و[زعيم حزب العمال حينها] جيريمي كوربين.

على تراس أن تتفادى اعتبارها "استمرارية لجونسون" وتحديداً من إحدى نواحيها، عليها ألا تتبنى أسلوبه الفوضوي والمخزي في الحكم، سوف تتولى المنصب وفي جعبتها أهداف واضحة، لكن تحويل هذه الأهداف إلى سياسات بدل التخبط بين الأحداث سيتطلب منها إرادة صلبة وعزماً، إضافة إلى فريق قوي جداً من الوزراء والمستشارين. 

ويتجلى اختبارها في طريقة تعاطيها مع أزمة الغلاء المعيشي الذي يبدأ فوراً. تراود نواب المحافظين مخاوف حقيقية في أنه أثناء انهماكها بمساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض وفرض التخفيضات الضريبية التي ستساعد الفئات الأفضل حالاً بشكل أكبر، لن تقوم بما يكفي من أجل "الطبقة الوسطى المتأثرة". كما أن ضرورة إنفاق المليارات لمساعدة الأفراد والمؤسسات لدفع الفواتير سوف تصعب على تراس الوفاء بوعد [رفع ضرائب بقيمة] 50 مليار جنيه استرليني الذي قطعته خلال السباق على الزعامة. والمعضلة التي تواجهها هي أن حلفاءها اليمينيين لن يؤيدوا أي تراجع عن أجندتها التي وعدت فيها بخفض الضرائب والضوابط، ولكن في سبيل تطبيق هذه الأجندة وإبقاء الاقتراض قيد السيطرة، قد تحتاج إلى تقليص الإنفاق العام، وهو خيار لن يحظى بشعبية في أوساط الناخبين ولا سيما في دوائر الجدار الأحمر [مناطق نفوذ حزب العمال]. 

ومن شأن وجود جونسون في الصفوف الخلفية داخل مجلس العموم أن يعقد التحدي الذي يواجه تراس في إدارة الحزب. صحيح أنه أرادها أن تهزم سوناك، لكن خياره الحقيقي لزعامة المحافظين لم يقع على أي أحد سواه هو شخصياً، وهو لم يعتبر تراس خلفه المفضل، بل نصبها وزيرة خارجية لكي توازن ثقل سوناك، وعندما أضاف إلى مهماتها لاحقاً مسؤوليات بريكست، اعتبر حلفاؤها أنه قدم لها هدية مسمومة.

أعاد جونسون بالفعل كتابة الأحداث، إذ اختلق قصة عن تعرضه لانقلاب أطاح به بلا داع، فلا يهم أن 72 في المئة من الشعب كان رأيهم به سلبياً، وأنه لا يمكن لأي رئيس وزراء الاستمرار في الحكم إن لم يتمتع بثقة نوابه. كما أن خطاب الوداع الذي ألقاه جونسون في مجلس العموم الأشبه بـ"أراكم لاحقاً أعزائي"، وتصريحه بأن مهمته "أنجزت إلى حد كبير في الوقت الحاضر" عززا فكرة محاولته العودة، كما فعل بطله وينستون تشرشل الذي استعاد منصبه بعد ست سنوات من خسارته انتخابات عام 1945. تشير استطلاعات الرأي إلى شعور أعضاء المحافظين بالندم على مغادرة جونسون، فيما يفضله ناخبو المحافظين على تراس وسوناك. وفي هذه الأثناء يحاول أتباعه تهديد لجنة الامتيازات في مجلس العموم التي تنظر في احتمال كذبه أمام البرلمان بشأن فضيحة إقامة الحفلات (وهو ما قد ينهي مسيرته المهنية في البرلمان). 

إن وضعية النكران التي يعيشها جونسون والشبيهة بحالة ترمب خطيرة بالنسبة إلى تراس وسامة بالنسبة إلى المحافظين، إذ تطيل أمد الانقسامات التي تسعى إلى وضع حد لها. وإن واجهت تراس ظروفاً سياسية عصيبة، ولا بد أن تواجهها خلال الأزمة الاقتصادية، سوف يقول أتباع جونسون إنه كان ليتصرف بشكل أفضل، وعندها سيزيد الكلام عن عودته. إن خسر المحافظون في الانتخابات، هل يتخلون مرة أخرى عن قائد غير شعبي، ويلتجئون في يأس إلى جونسون، كما فعلوا في عام 2019؟ لا شك بأن النواب المحافظين العاقلين لن يقبلوا بذلك، خوفاً من رد فعل الرأي العام على عودة زعيم استقال بعد فضيحة، أليس كذلك؟ رغم أنني لا أعتقد أن ذلك سيحصل، لا يمكن استبعاد هذه الفكرة الخيالية كلياً طالما ما تزال موجودة في ذهن جونسون وأذهان من تبقى من أتباعه. وهذا ما يزيد صعوبة مهمة تراس، وهي عسيرة أساساً.

لهذا السبب يعتقد بعض المحافظين بأن تراس لن تصبح نسخة جديدة عن مارغريت تاتشر، بل نسخة ثانية عن دانكن إيان سميث. مثل حال تراس الآن حظي دانكن سميث بدعم ثلث نواب المحافظين فحسب في التصويت النهائي، عند انتخابه في عام 2001. وفي اقتراع أعضاء الحزب هو الآخر هزم وزير خزانة سابق تمتع بشعبية أكبر منه بين النواب (وهو كينيث كلارك)، لم يتمكن دانكن سميث من كسب ثقة نوابه الذين أطاحوا به بعد مرور سنتين، أسر لي أحد الوزراء السابقين بأمر قد ينذر بالشؤم بالنسبة إلى تراس "يمكنني أن أرى التاريخ يعيد نفسه". إنما علينا ألا نستخف في عزمها على كتابة نسخة مختلفة عن الأحداث.

نشر في اندبندنت بتاريخ 5 سبتمبر 2022

© The Independent

المزيد من تحلیل