الكتب في فلسطين... بين التزوير والقيود الإسرائيلية

فرض رقابة على المؤلفات بالضفة وغزة ما يسبب خسائر مالية لأصحابها

إذا سرت في شوارع رام الله الرئيسة، فعلى أرصفتها ترى العديد من بسطات الكتب، التي تحصل منها على مؤلفات بأسعار زهيدة، وإن كنت بارعاً في الإقناع فستحصل على كتابين بسعر أقل، ما يعد صفقة لمن يحبون الكتب ولا يملكون المال الكثير لشرائها من المكتبات الكبيرة، التي قد تبيعك إياها بأسعار عالية، ولكن بنسخها الأصلية الصادرة من دور النشر التابعة لها أو الصديقة.

نسخ غير أصلية

لكن الأمر ليس بهذه السهولة والبساطة، فوجود هذه الكتب بنسخها غير الأصلية يعد جريمة تزوير لا يعاقب عليها القانون الفلسطيني، لغياب التشريعات الناظمة لها ولمراقبتها، ما يسبب مشاكل كبيرة لأصحاب المكتبات ودور النشر ومؤلفي الكتب في فلسطين وخارجها، إذ يقول خالد خندقجي مدير المكتبة الشعبية ناشرون في نابلس، إن تزوير الكتب يقلّل من فرصة نضوج المكتبات، ما يؤدي إلى تراجع مستمر في هذا القطاع في فلسطين، عدا عن غياب الدعم الرسمي من الحكومة لقطاع المكتبات لحمايتها من عمليات التزوير وسرقة حقوق الطباعة والنشر، فالكثير من عمليات التزوير تجري في إسرائيل ثم تباع في الأراضي الفلسطينية بأسعار زهيدة، وغياب القانون يقف عائقاً أمام ملاحقتها.

رقابة إسرائيلية على الكتب المستوردة

يضيف خندقجي أن من المشاكل الكبيرة التي تواجه قطاع الكتب في فلسطين هي استيرادها من الخارج، نظراً للرقابة على الكتب ومصادرها من الجانب الإسرائيلي، إذ لا توجد سيطرة فلسطينية على المعابر، فعلى سبيل المثال إدخال الكتب المستوردة من مصر أسهل من تلك المستوردة من لبنان، وقد يدفع صاحب الشحنة مبالغ كبيرة كالجمارك وغيرها، إضافة إلى مصادرة بعض الكتب من الشحنة بذريعة أنها ممنوعة من الدخول إلى فلسطين، مشيراً إلى أن هذه العوائق تشجع على عملية التزوير لتجنب التكلفة المالية الباهظة.

"البسطة أجمل، والكتب الأصلية مرتفعة السعر"

"لا أشتري إلا الكتب الأصلية، وفقط من المكتبات، للحفاظ على حق المؤلف ودار النشر التي أصدرت هذا الكتاب"، يقول أحد القراء الذي يحب ملمس أوراق الكتب الأصلية، ولكن هذا الرأي لا يتفق معه آخرون معتبرين أن الكتب الأصلية أسعارها مرتفعة، والمهم هو المحتوى وليس طبيعة الورق أو شكل الكتاب، وفي ظل كل الأوضاع الاقتصادية السيئة من الصعب تخصيص ميزانية مرتفعة للكتب، إضافة إلى حب بعضهم التعامل مع أصحاب البسطات لدعمهم في عملهم.

تزوير الكتب في إسرائيل

في سياق متصل، أوضح علي ذوقان مسجل العلامات التجارية والاختراعات في وزارة الاقتصاد الوطني لـ "اندبندنت عربية" أن القانون الساري في فلسطين حالياً بشكل نظري هو قانون حقوق الطبع والتأليف رقم 15 لسنة 1924، ولكنه غير مطبق لقدمه، مضيفاً أن أسباباً كثيرة حالت دون ظهور قانون جديد ومعدل لتنظيم حق الملكية الفكرية، من أبرزها سيطرة إسرائيل على المعابر.

وألقى اللوم بذلك أيضاً على وزارة الثقافة، إذ قال ذوقان إن مسودة القانون التي جرى إعدادها قبل عامين ومراجعتها مع الجهات المتخصّصة كافة، وشملت كل الأمور التكنولوجية الحديثة وتطرقت إلى الفنانين وبراءات الاختراع، ما زالت على طاولة وزارة الثقافة، ما يؤثر سلباً في حقوق المبدعين في مجالات مختلفة، هذا عدا عن عدم حماية حقوق المستثمرين في فلسطين.

تعطل التشريعي يمنع صدور القانون

يقول مدير عام وحدة الملكية الفكرية في وزارة الثقافة سامي البطراوي إن سبب عدم تطبيق القانون وبقاءه على طاولة الوزارة هو تعطل عمل المجلس التشريعي، وعدم الرغبة في إصداره كقرار بقانون عن الرئيس محمود عباس، لأنه في حال شُكّل مجلس تشريعي مستقبلاً من الممكن أن يجري إلغاء كل هذه القرارات.

وعن استمرار عملية التزوير في فلسطين وما تتركه من آثار سلبية في قطاع المكتبات والحركة الثقافية، أوضح البطراوي أن غياب السند القانوني لمعاقبة الفاعلين يجعل ملاحقتهم أمراً مستحيلاً، مضيفاً أن معظم عمليات التزوير تجري في إسرائيل أو مناطق تخضع لسيطرة إسرائيلية، وحتى تلك التي تحصل في مناطق السلطة وإن جرت ملاحقتهم، فإن القضية لن تسير كما يجب لغياب المحاكم المتخصّصة في قضايا الملكية الفكرية.

الغرامة المالية والسجن... العقوبة المفترضة

بحسب القانون المعمول به الآن نظرياً في فلسطين، والصادر عام 1924، فإن المزوّر أو المتعامِل بهذا الأمر سواء كان بائعاً أو موزعاً لها بغرض التجارة، يعاقب بغرامة قدرها خمسون جنيهاً (العملة المتداولة في عشرينيات القرن الماضي) وإذا ارتكب الجرم للمرة الثانية أو ما يليها يعاقب إما بهذه الغرامة أو بالحبس مدة شهرين، ولكن جرى رفع هذه العقوبة في القانون الجديد لتصل إلى غرامات مالية عالية والسجن مدة ثلاث سنوات بحسب المسودة.

20 عاماً من العمل... ولم يقرّ بعد

القانون الجديد بدأ العمل عليه قبل أكثر من 20 عاماً مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الوايبو" في جنيف، وجرت قراءته بالقراءة الأولى في المجلس التشريعي الأول عام 1998، وأجري عليه الكثير من التعديلات، ونوقش مع كل الوزارات، ولكن المجلس التشريعي توقفت أعماله قبل إقراره ما جعله مادة مكتوبة تنتظر الموافقة، ويجري تعديلها إذا اقتضى الأمر بحسب التطورات والتغيرات التي تحدث.

السرقات أيضاً إلكترونية

 لا تكمن المشكلة في فلسطين بتزوير الكتب الورقية، بل يتعداها الأمر إلى نقل الكتب إلى الإنترنت، وإتاحتها على شكل ملفات PDF مجانية أو برسوم رمزية، وهذا يسبب خسارة كبيرة للمؤلف ذاته ودار النشر والمكتبات ولكن من الصعب الملاحقة بسبب غياب التشريعات الناظمة، واتساع الشبكة العنكبوتية وصعوبة التوصل للفاعل أحياناً.